وأقبلت خير أيام الدنيا
الشيخ د. أبو سلمان راجح الحنق
1447/11/27 - 2026/05/14 01:00AM
أيها المسلمون: قال الله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (رواه الترمذي، وأصله في البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما).
أيها المؤمنون: نحن مقدمون على موسم عظيم من مواسم الطاعات، موسم رباني تفتح فيه أبواب الخيرات، وفيها تضاعف الحسنات؛ فكل صلاة أو تسبيحة أو صدقة هي عند الله أعظم من غيرها، ولهذا أقسم الله بهذه العشر الأول من ذي الحجة.
أيها المسلمون: هناك قاعدة عظيمة عند أهل العلم مفادها "أن الله تعالى إذا أقسم بشيء من مخلوقاته دل ذلك على عظم المقسم به، وأن الله تعالى لا يقسم إلا بعظيم".
وقد أجمع جمهور المفسرين على أن هذه العشر التي أقسم الله بها في قوله: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2] هي العشر الأول من ذي الحجة. سؤال يطرح نفسه: لماذا كانت هذه العشر الأول من ذي الحجة عظيمة؟ والجواب: لأنها تجمع أعظم العبادات؛ الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا تجتمع هذه العبادات في غيرها. وفي هذه العشر كذلك يوم عرفة، يوم المغفرة والرحمة من رب كريم رحيم.
أيها المؤمنون: نحن مقدمون على موسم تجارة لن تبور، أيام قلائل لكن أرباحها عظيمة، وهي من فرص العمر النادرة وذلك لتعويض التقصير، ولجبر النقص، ولرفع الدرجات، ولزيادة رصيد الحسنات.
أيها المسلمون: هذه المواسم ليست غاية بل هي بداية، والهدف منها الاستقامة على شرع الله تعالى المتمثل في الكتاب والسنة.
ومن وسائل تحقيق الاستقامة: الاعتصام بالله، ومجاهدة النفس، وصحبة الصالحين، والدعاء؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]. أخي المسلم: فاجعل هذه الأيام العشر بداية طريق لا ينقطع.
أيها المؤمنون: هذه العشر الأول من ذي الحجة قد نوه الله تبارك وتعالى بفضلها وقدرها ومكانتها، وفضل العمل فيها وعظم الأجر ومضاعفته لمن حث نفسه على استغلالها واستثمار دقائقها وساعاتها وأيامها.
أيها المسلمون: استثمروا هذه الأوقات في العمل الصالح؛ كالصيام لمن قدر على ذلك، فإن الصوم ((لا عدل له)) (رواه النسائي) كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأعمال التي يحرص المسلم عليها في مثل هذه المواسم: نوافل الصلوات، والصدقات، وزيارة وتفقد أحوال الأرحام والأقارب، والتناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى.
وكذلك بذل المعروف للناس بحسب القدرة والاستطاعة، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. ومن القربات كثرة ذكر الله تعالى، وقراءة كلام الله عز وجل، وطلب العلم والتفقه في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشر الخير في أوساط الناس وزرع الأمل في صدورهم، والحرص على إصلاح ذات البين، والعفو والصفح، وكثرة الدعاء.
وينبغي حفظ سائر الجوارح من اللغط والفحش والسب واللعن، والاهتمام بالأولاد والبنات وتربيتهم التربية الإسلامية الآمنة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، ومواساة الجيران من المحتاجين بحسب القدرة والاستطاعة.
أيها المسلمون: إن مواسم الطاعات تمر سريعاً ولا نشعر بها، والموفق من وفقه الله لاستغلال واستثمار هذه المواسم المربحة.
والله تعالى هو الغني عن خلقه وكل عباده مفتقرون إليه وإلى كرمه وجوده وإحسانه، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].
أيها المسلمون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَن قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان هو القدوة والأسوة لأصحابه ولمن جاء بعدهم من أمته؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح بفضل هذه العشر الأول من ذي الحجة حيث قال عنها: ((أفضل أيام الدنيا)) (رواه البزار) وذلك لترسيخ الوعي لدى أمته صلى الله عليه وسلم بقيمة هذه العشر.
وكان صلى الله عليه وسلم ينوع في الطاعات والأعمال الصالحات؛ كالصيام، والصلاة، والصدقة، والذكر، والدعاء، والأضحية، وسائر الأعمال الصالحات والقربات. وكذلك كان أصحابه الأخيار الأبرار الأطهار يقتدون به صلى الله عليه وسلم، ويحرصون على توجيهاته، ويتتبعون أعماله، ويسيرون على هديه وطريقته وسنته صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: لقد كان السلف الصالح يفهمون أن الزمان وأن العمر "وعاء" فملؤوه بالجد والعمل. ولم تكن العشر الأول من ذي الحجة عند السلف الصالح مجرد معلومات -كما هو حالنا اليوم إلا من رحم ربي- بل كانت العشر عندهم حركات وبرامج وعملاً. فهل من مشمر لمثل هذه الأوقات الفاضلة والمواسم المربحة والتجارة التي لا تبور بإذن الله تعالى؟ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
أيها المسلمون: إن لكل أمة تاريخاً تفاخر به بين الأمم، وكم نسمع وكذلك قرأنا عن تاريخ الفراعنة، وتاريخ الآشوريين، والحضارة البابلية، والرومانية، وتاريخ سبأ وحمير؛ كل تلك الحضارات بمفهوم الإسلام "حضارات جاهلية" كان يسودها الشرك والظلم والطغيان وعبادة الأصنام والأحجار والأشجار. وكانت حضارة تمجد وتعبد المال، ظلم وظلام، وطغيان وعصيان، وبذات العبارة تلك الحضارات هي حضارة الشرك والظلم والطغيان.
أيها المسلمون: ولكن تعالوا بنا نقف وقفات مع تاريخ أمة الإسلام، أمة الدين والقرآن، أمة سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم؛ أمة دخلت في دين الله أفواجاً، وسادت الغرب والشرق، وأقامت العدل، واستسلمت لشرع الله ولدين الله، وكانت على خطى خير خلق الله صلى الله عليه وسلم. كيف حازت تلك المكانة؟ وكيف بلغت تلك المنزلة؟ لأنها آمنت بالله وصدقت برسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وانقادت لشرع الله تعالى؛ كتاب الله وقدوتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجتها: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحرصت على الأعمال الصالحات ووفقت لمواسم الطاعات كاستغلالهم لموسم العشر الأول من ذي الحجة، فسعت جاهدة في استغلال تلك الفرص، وكان رفيقهم في رحلة استغلال مواسم الطاعات والأعمال الصالحات: الإخلاص ومتابعة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أيها المسلمون: وهذه بعض أخبارهم وكيف كانوا يجتهدون في استغلال العشر الأول من ذي الحجة؛ حيث كانت العشر الأول من ذي الحجة مضماراً للسباق بين السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم، فاستنفروا فيها طاقاتهم التعبدية بأساليب تجمع بين الكم والكيف، وبين الخفاء والإخلاص.
أيها المسلمون: والحديث يطول عن ذكر الصحابة رضي الله عنهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهكذا سائر الصحابة رضي الله عنهم؛ عرفوا حقارة الدنيا وأنهم عما قريب مغادرون عنها، فاتخذوا صالح الأعمال فيها سفناً. وأعطوا دروساً عملية لهذه الأمة، تلك الدروس تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل في قوة الصلة بالله تعالى، والحب والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودروساً في الزهد والعبادة وكثرة الأعمال الصالحة، وفي الجهاد في سبيل الله، وفي التراحم والتعاطف، وصدق الأخوة في الله تعالى، والعفو والصفح والتسامح، وكظم الغيظ، وحسن الخلق؛ لأن ذلك الجيل الفريد تربى على مائدة القرآن والسنة وقدوتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان حقاً جيلاً فريداً لن يتكرر عبر تاريخ هذه الأمة، فرضي الله عنهم ما بقي الليل والنهار.
وكذلك كان التابعون رضي الله عنهم اقتفوا آثار من سبقهم وهم الصحابة في الجد والاجتهاد والتعبد واستغلال واستثمار مواسم الطاعات والأعمال الصالحات، فكانوا حقاً تلامذة الصحابة رضي الله عنهم.
أيها المسلمون: وكان كثير من السلف يحرصون على صيام التسع الأول من ذي الحجة كاملة، ومع الصيام الصمت وكف الألسن إلا عن الخير والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى وكثرة الذكر والتكبير.
ومن مميزات السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم في مثل هذه المواسم تنوع العبادات وكثرة الأعمال الصالحة، فتنقلوا بين صلاة وصيام وذكر لله تعالى وصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام؛ فكان لذلك آثار عظيمة من تجديد الصلة بالله تعالى وتذوق حلاوة الطاعة وتعظيم شعائر الله تعالى وتزكية النفس؛ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. وسمو الأخلاق لدى الصحابة ومن جاء بعدهم، وعمل السلف الصالح على ضبط أقوالهم وهم من حفظ هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) [رواه البخاري ومسلم].
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم... إن التشبه بالكرام فلاح. ومن آثار حرص الصحابة والسلف الصالح في مثل هذه المواسم والعشر الأول من ذي الحجة إحياء روح هذه الأمة بالتراحم والتعاطف والتعاون والبذل والعطاء، ونشر ثقافة الأخوة الإيمانية ومواساة المحتاجين واحترام الكبير والرحمة بالصغير والأرملة واليتيم والمسكين وابن السبيل؛ فكانت تلك أخلاقهم وحرصهم على مواسم الطاعات والخيرات.
وخلاصة ما كان عليه السلف الصالح في مثل هذه المواسم وعشر ذي الحجة، كل ذلك إحياء للقلوب وتزكية للأنفس وتهذيباً للأخلاق، وإحياء لروح الأخوة الإيمانية وروح التعاطف والتراحم، وإحياء لتسليم الجوارح لله تعالى والسير على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: يوم أو يومان ونستقبل أياماً مباركة "خير أيام الدنيا"، فاعزم واعقد النية على استغلال تلك الأيام، وأكثر من سؤال الله تعالى التوفيق والسداد والقبول في هذه الأيام المباركة التي فيها تضاعف الأجور والحسنات، وفيها يقرب العبد من رب الأرض والسموات، وتشرق روحه بهدى الكتاب والسنة، وتملأ حياته السعادة والحياة الطيبة، وتحل البركات في الأعمال والأعمار والأموال والأولاد بإذن الله تعالى.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.