{ وبالوالدين إحسانا }
عبدالرحمن عبدالعزيز القنوت
إِنَّ الحمدَ للهِ؛ نَحمَدُهُ ونَستَعِينُهُ ونَستهْدِيهِ، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وسيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، ومَن يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا، وأَشهَدُ أن لا إِلـهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأَشهَدُ أنَّ محمّدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأَصحابِهِ أَجمعينَ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، إخوةَ الإيمانِ..
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَتَقْوَى اللَّهِ هِيَ طَرِيقُ الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ يَوْمَ الْمَعَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..
أنَّ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثٍ، لَا تُقْبَلُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا»، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرِ الْوَالِدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
فمِنْ هُنَا عَظَّمَ القُرْآنُ شَأْنَ الْوَالِدَيْنِ، وَأَعْلَى قَدْرَهُمَا، وَجَعَلَ بِرَّهُمَا طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ -أحَدَهُما أوْ كِلَيْهِما- فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّة" رواه مسلم.
وَمِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَةِ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُ جَعَلَ دُعَاءَهُمَا لِوَلَدِهِمَا مِنْ أَرْجَى الدُّعَاءِ قَبُولًا، تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُرْجَى لَهُ الْإِجَابَةُ؛ قَالَ ﷺ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ:
دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المُسافِرِ، ودعوةُ الوالِدِ لولَدِه». رواه أبو داود وابن ماجه
وَالْبِرُّ وَالْإِحْسَانُ حَقٌّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذٰلِكَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، تَقُولُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ». رواه البخاري
وَقَدْ جَعلَ اللهُ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ شَريعةً عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ يَحْيَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
وقالَ عنْ نبيه عِيسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ بَلَغَ بِرُّهُ بِأَبِيهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا؛ كَانَ يَدْعُو أَبَاهُ آزَرَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُوهُ أَبُوهُ إِلَى النَّارِ، فَقَالَ أَبُوهُ لَهُ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
فَأْخُذَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْخُلُقِ الحسنِ وَالرِّفْقِ، فَيَقُولُ: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
مَا أَعْظَمَ الْبِرَّ، حِينَ يُقَابِلُ الْابْنُ أَبَاهُ الْغَاضِبَ الثَّائِرَ بِالْهُدُوءِ وَالْأَنَاةِ!
وَالْبِرُّ دَيْنٌ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَلَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِسْمَاعِيلَ الْحَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَبَلَغَ مِنَ الْبِرِّ بِأَبِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ فِي طَاعَةِ الْوَالِدِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ - فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وَشَبَّ وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ مِنَ الْعَمَلِ. ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾،
وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَإِنَّمَا أَعْلَمَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ، وَلِيَخْتَبِرَ صَبْرَهُ وَعَزْمَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَاعَةِ أَبِيهِ، فَقَالَ: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أَيْ: امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَبْحِي، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، أَيْ: سَأَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمَا أَحْوَجَ الْأَبْنَاءَ تُجَاهَ أَوَامِرِ وَالِدِيهِمْ إِلَى تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ؛ فِي الِاسْتِجَابَةِ لِأَوَامِرِهِمَا: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، وَفِي تَحَمُّلِ طَلَبَاتِهِمَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
أَيُّهَا الْكِرَامُ:
إِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ مَشَاعِرُ تُتَرْجَمُ وَأَفْعَالًا يَوْمِيَّةً صَغِيرَةً، لَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ؛ وَقَدْ أَجْمَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أَيْ: بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْ وُجُوهِ الإِحْسَانِ؛ مِنَ الْقَوْلِ الْكَرِيمِ، وَالْخِطَابِ اللَّطِيفِ، وَالْفِعْلِ الْجَمِيلِ.
فَمِنْ صُوَرِ الْبِرِّ:
أَنْ تُخَصِّصَ لَهُمَا وَقْتًا، فَتَجْلِسَ مَعَهُمَا وَلَوْ قَلِيلًا، وَتُغْلِقَ هَاتِفَكَ وَهُمَا يُحَدِّثَانِكَ، وَتَسْمَعَ قِصَّتَهُمَا الَّتِي كَرَّرَاهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ دُونَ تَضَجُّرٍ.
قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنِّي أَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّ أُمِّي تَنْتَظِرُنِي بِالْعَشَاءِ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: «تَعَشَّ الْعَشَاءَ مَعَ أُمِّكَ تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهَا؛ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ تَحُجُّهَا تَطَوُّعًا».
ومن البرِّ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمَا ذَلِيلًا مُتَوَاضِعًا رَحْمَةً بِهِمَا، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، فَتَتَحَمَّلَ ضَعْفَهُمَا، وَتُقَدِّمَ أَمْرَهُمَا، وَتَصْبِرَ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُمَا.
وَيَا خَيْبَةَ مَنْ بَاتَ وَالِدَاهُ يَتَّقِيَانِ شَرَّ لِسَانِهِ!
مَنْ كَانَ وَالِدَاهُ يَتَرَدَّدَانِ فِي طَلَبِ حَاجَتِهِمَا، خَوْفًا مِنْ تَضَجُّرِهِ أَوْ ضِيقِ صَدْرِهِ؛
فَإِنَّ هٰذَا قَدْ وَلَغَ فِي الْعُقُوقِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
وَمِنَ الْبِرِّ:
أَنْ تُحْضِرَ الدَّوَاءَ، وَأَنْ تُذَكِّرَ بِالْجَرَعَاتِ، وَأَنْ تُنَسِّقَ مَوَاعِيدَهُمَا، وَأَنْ تُرَافِقَهُمَا فِي الْمُرَاجَعَاتِ، وَأَنْ تَقْضِيَ لَهُمَا الْمُعَامَلَاتِ، وَتَقُومَ عَنْهُمَا بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا وَيَصْعُبُ.
وَمِنَ الْبِرِّ:
أَنْ تَتَحَمَّلَ بُطْءَ مَشْيِهِمَا، وَتَنْتَظِرَهُمَا دُونَ تَذَمُّرٍ، وَأَنْ تُسَاعِدَهُمَا فِي اللِّبَاسِ، أَوِ النُّزُولِ مِنَ السَّيَّارَةِ أَوِ الدَّرَجِ، أَوْ حَمْلِ الْأَغْرَاضِ، وَأَنْ تُشْعِرَهُمَا بِالْأَمَانِ لَا بِالْعَجَلَةِ.
وَمِنَ الْبِرِّ:
أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِمَا بِطِيبِ نَفْسٍ، فتُهَيِّئَ لَهُمَا أَسْبَابَ الرَّاحَةِ، وَتُوَفِّرَ لَهُمَا مَنْ يَخْدِمُهُمَا إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ خِدْمَتَهُمَا بِنَفْسِكَ.
أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ:
أَعِيدُوا لِلْأُمِّ مَكَانَتَهَا، وَقَاسِمُوهَا تَعَبَهَا؛ فَوَاللَّهِ لَنْ تَبْلُغُوا رِضَا اللَّهِ، وَلَا تَنَالُوا بَرَكَةَ الْحَيَاةِ، وَالْأُمُّ مُسْتَنْزَفَةٌ خَادِمَةٌ؛ تُعِدُّ الطَّعَامَ، وَتَقُومُ بِشُؤُونِ الْبَيْتِ، بَيْنَمَا الْأَبْنَاءُ كَأَنَّهُمْ ضُيُوفٌ، أَوْ مُنْشَغِلُونَ بِالْأَجْهِزَةِ وَالْجَوَّالَاتِ، يَنْتَظِرُونَ الْخِدْمَةَ، وَكَأَنَّ شُؤُونَ الْبَيْتِ لَيْسَتْ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ.
وَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ يَسْكُنَ الِابْنُ فِي رَفَاهِيَةٍ، وَلَا يَدَعَ مُتَنَفَّسًا إِلَّا أَتَاهُ، وَلَا بَلَدًا إِلَّا زَارَهُ، وَتَكُونَ أُمُّهُ حَاضِنَةً لِأَوْلَادِهِ، أَوْ مُهَمَّشَةً فِي حَيَاتِهِ، أَوْ حَبِيسَةَ الْجُدْرَانِ الْأَرْبَعَةِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
وإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ الْعُقُوقِ الْيَوْمَ: عُقُوقَ الصَّمْتِ؛
أَنْ تَمُرَّ الْأَيَّامُ دُونَ اتِّصَالٍ، أَوْ سُؤَالٍ، أَوْ زِيَارَةٍ، وَإِنْ جَلَسَ مَعَهُمَا انْشَغَلَ بِالْهَاتِفِ وَهُمَا أَمَامَهُ، ثُمَّ يَظُنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ جُلُوسِهِ هُوَ الْبِرُّ.
أَمَّا مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ هَيِّنًا؛ كَالْكَلِمَةِ الْجَافَّةِ، وَالتَّنَهُّدِ، وَرَفْعِ الْحَاجِبِ؛ فَكُلُّهَا عُقُوقٌ وَقَسْوَةٌ، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
وَلَيْسَ الْعُقُوقُ دَائِمًا ضَرْبًا أَوْ صُرَاخًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ تَأْجِيلًا، أَوِ انْشِغَالًا، أَوْ تَقْدِيمَ جَلْسَةٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ صَدِيقٍ، عَلَى أُمٍّ تَنْتَظِرُ، أَوْ أَبٍ يَحْتَاجُ.
وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاطِنِ الِابْتِلَاءِ بَعْدَ الزَّوَاجِ: أَنْ يَبْقَى الْبِرُّ كَمَا كَانَ؛ فَلَا يَكُونَ الزَّوَاجُ سَبَبًا فِي الْجَفَاءِ، وَلَا الْخِلَافُ الزَّوْجِيُّ سَبَبًا لِقَطْعِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَا نَقْلِ الْمُشْكِلَاتِ إِلَيْهِمَا، وَلَا تَحْمِيلِهِمَا تَبِعَاتِ مَا لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِيهِ.
وَمِنَ الْبِرِّ الْحَكِيمِ:
أَنْ يُوَازِنَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ حَقِّ زَوْجَتِهِ وَحَقِّ وَالِدَيْهِ، فَيَزُورَ، وَيَتَوَاصَلَ، وَيَبَرَّ، وَيَمْنَعَ الْقَطِيعَةَ، وَيَحْفَظَ الْبَيْتَ مِنَ النِّزَاعِ، وَيَحْفَظَ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْجَفَاءِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْبِرِّ:
أَنْ يُرَبِّيَ أَبْنَاءَهُ عَلَى احْتِرَامِ أَجْدَادِهِمْ، فَيَمْنَعَ أَيَّ كَلِمَةٍ تَنْتَقِصُ مِنْهُمْ، وَيُعَلِّمَ أَبْنَاءَهُ تَقْبِيلَ رُءُوسِهِمْ، وَخِدْمَتَهُمْ، وَالدُّعَاءَ لَهُمْ؛ فَبِرُّكَ أَنْتَ بِوَالِدَيْكَ أَمَامَهُمَا تَرْبِيَةٌ صَامِتَةٌ لِأَوْلَادِكَ.
وَمِنْ صُوَرِ الْبِرِّ:
أَنْ تُبَوِّحَ لَهُمَا وَتُشْعِرَهُمَا صِدْقًا بِأَنَّ وُجُودَهُمَا فِي حَيَاتِكَ نِعْمَةٌ، وَأَنْ يَسْمَعَا مِنْكَ كَلِمَاتِ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ مُقَابِلَ فَضْلِهِمَا عَلَيْكَ، وَمَا بَذَلَاهُ مَعَكَ طِيلَةَ حَيَاتِكَ مِنْ تَضْحِيَةٍ وَعَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ؛ فَإِنَّهُمَا يُحِبَّانِ أَنْ يَسْمَعَا ذَلِكَ مِنْ أَبْنَائِهِمَا.
كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِأُمِّهِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّاهُ. فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ، وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا. رواه البخاري في الأدب المفرد
عِبَادَ اللَّهِ، الْبِرُّ لَيْسَ عَمَلًا عَظِيمًا نَنْتَظِرُهُ، بَلْ أَعْمَالًا صَغِيرَةً لَا نَنْتَبِهُ لَهَا، لَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلِيلَةٌ:
كَلِمَاتٌ طَيِّبَةٌ، وَزِيَارَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَاتِّصَالٌ صَادِقٌ، وَإِسْعَادُهُمَا، وَتَلَمُّسُ حَاجَاتِهِمَا، وَالسَّعْيُ فِي خِدْمَتِهِمَا، وَالْمُبَادَرَةُ فِي تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِمَا، وَدَوَاءٌ فِي وَقْتِهِ، وَمَوْعِدٌ لَا يُنْسَى، وَدُعَاءٌ لَهُمَا، وَاعْتِرَافٌ بِفَضْلِهِمَا، وَسَمَاعُ نُصْحِهِمَا، وَطَلَبُ الْمَشُورَةِ مِنْهُمَا، وَالِاسْتِئْنَاسُ بِرَأْيِهِمَا، وَغَيْرُ ذٰلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ الْمُتَعَدِّدَةِ.
الْبِرُّ فُرْصَةٌ لَا تُعَوَّضُ، فَمَنْ أَضَاعَهَا فِي حَيَاةِ وَالِدَيْهِ، عَرَفَ قِيمَتَهَا بَعْدَ الرَّحِيلِ، حِينَ لَا يَنْفَعُ نَدَمٌ، وَلَا تُغْنِي الدُّمُوعُ.
أقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهَ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.
وَبَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، فَمَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَنْتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَعْطَاهُ الدَّابَّةَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذِهِ. وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ.
فَقَالُوا لِابْنِ عُمَرَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعْطَيْتَهُ دَابَّتَكَ الَّتِي كُنْتَ تَرْكَبُ عَلَيْهَا، وَعِمَامَتَكَ الَّتِي تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ!
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ هَذَا كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ». رواه مسلم
وَأَمَّا مَنْ فَقَدَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَعَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُمَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
وَأَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَنْفَعُ الْمَيِّتَ، فَقَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مسلم
فَبَابُ الدُّعَاءِ مَفْتُوحٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، وَتَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِمَا، وَقَضَاءُ دَيْنِهِمَا، وَالْقِيَامُ عَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ الصِّغَارِ بَعْدَهُمَا، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا بَنَوْهُ مِنْ أَوَاصِرَ وَعَلَاقَاتٍ عَائِلِيَّةٍ، وَصِلَةُ أَصْدِقَائِهِمَا؛ كُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ مَشْرُوعٌ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
رَبَّنَا ارْحَمْ وَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا.
وَارْزُقْنَا الْبِرَّ بِهِمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
المرفقات
1767243112_وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا -للجوال.pdf