﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ تعميم وزاري
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدَ كُلَّهُ، وَلَهُ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَآلَاءٍ لَا يُحِيطُ بِهَا الْعَدُّ وَلَا الْإِحْصَاءُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْأَمْنَ أَسَاسَ الْعِمْرَانِ، وَسَبَبَ الِاطْمِئْنَانِ، وَقِوَامَ الْحَيَاةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ : اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، فَبِهَا تَسْكُنُ النُّفُوسُ، وَتَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وَيَأْمَنُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ.
إِنَّ الْأَمْنَ ضَرُورَةٌ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَيَاةِ، لَا يَسْتَقِيمُ دِينٌ وَلَا تَنْتَظِمُ دُنْيَا إِلَّا بِهِ، فَبِالْأَمْنِ تُقَامُ الشَّعَائِرُ، وَتُؤَدَّى الصَّلَوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَتُرْفَعُ رَايَةُ الْحَقِّ، وَتُحْفَظُ الضَّرُورِيَّاتُ الْخَمْسُ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعِرْضُ.
وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ فَقَالَ:﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ، فَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ نِعْمَتَيِ الرِّزْقِ وَالْأَمْنِ، لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِرِزْقٍ مَعَ خَوْفٍ، وَلَا هَنَاءَ لِعَيْشٍ مَعَ فَوْضَى.
عِبَادَ اللَّهِ:إِنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحِفْظِهَا، وَصِيَانَتِهَا، وَالِابْتِعَادِ عَنْ كُلِّ مَا يُهَدِّدُهَا، وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا:﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾،
فَالشُّكْرُ سَبَبٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَالْكُفْرَانُ سَبَبٌ فِي الزَّوَالِ ،وَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ: الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَالْتَعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَنَبْذُ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِ الْفُرْقَةِ، وَالِالْتِفَافُ حَوْلَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دَوَامِ الْأَمْنِ تَرْسِيخَ قِيَمِ الْوَسَطِيَّةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَتَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ عَلَى حُبِّ دِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ، وَتَحْذِيرَهُمْ مِنْ مَسَالِكِ الْغُلُوِّ وَالْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.
عِبَادَ اللَّهِ: تَأَمَّلُوا أَحْوَالَ بَعْضِ الْبِلَادِ الَّتِي فَقَدَتِ الْأَمْنَ، كَيْفَ تَعَطَّلَتْ فِيهَا الْمَصَالِحُ، وَتَوَقَّفَتِ الْمَسَاجِدُ عَنْ أَدَاءِ دَوْرِهَا، وَعَاشَ أَهْلُهَا فِي خَوْفٍ وَقَلَقٍ وَاضْطِرَابٍ ، فَنَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُدِيمَهَا عَلَيْنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَحْفَظُونَ نِعَمَكَ بِطَاعَتِكَ، وَيَصُونُونَهَا عَنِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ : احْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَحَوَاسَّكُم، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُهَدِّدُ الْأَمْنَ نَشْرَ الشَّائِعَاتِ، وَتَدَاوُلَ الْأَخْبَارِ دُونَ تَثَبُّتٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
فَالْوَاجِبُ رَدُّ الْأُمُورِ إِلَى أَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يُحْسِنُهُ الْإِنْسَانُ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
فَاحْذَرُوا مِنْ تَصْوِيرِ الْأَحْدَاثِ الْأَمْنِيَّةِ أَوْ نَشْرِهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِرْجَافًا وَإِثَارَةً لِلْخَوْفِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ إِعَانَةٌ لِأَهْلِ السُّوءِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَقِيَادَتَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَاحْفَظْ جُنُودَنَا الْبَوَاسِلَ، وَسَدِّدْ رَأْيَهُمْ وَرَمْيَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المرفقات
1772624630_سمّاعون.docx