ولذكر الله أكبر

الشيخ عبدالله البرح
1447/12/04 - 2026/05/21 11:19AM

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

معاشر المسلمين: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما يسعد العباد، وما تصلح به أحوالهم، وتستنير به قلوبهم، وتستقيم به حياتهم ظاهرًا وباطنًا، في الدنيا والآخرة؛ ألا وإن مما حثت عليه الشريعة وأوصت به وأكثرت من الدعوة إليه: ذكر الله -تعالى- والتزود منه في كل وقت وحين، لما له من مكانة عظيمة وآثار جليلة وثمار مباركة على القلب والجوارح؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الأحزاب: 41-42]؛ فجلّ العبادات قُيِّدت بأوقات وأعداد، أما الذكر فبابه مفتوح لا ينقطع.

 

وإن مما يؤكد على أهمية ذكر الله -تعالى- ورود الكلمة الجامعة في قوله -سبحانه-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)[العنكبوت:45]، أي: أن ذكر الله أعظم من كل عبادة من جهة أثره، وأبقى من كل عمل من جهة ثوابه، وهو ميزان القرب من الله -تعالى-.

 

كما أن الشريعة ربطت ذكر الله -تعالى- بمواسم عظيمة حتى يصبح الزمن نفسه عبادة، ومن أعظم هذه المواسم: الأيام المعلومات والأيام المعدودات؛ فالأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، وسميت بذلك لأنها الأيام التي ميزها الله وفضلها على أيام الدنيا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ"(رواه البخاري).

 

وها نحن -أيها الأحبة- في الأيام المعلومات؛ فأحيوا قلوبكم بالتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار، وأكثروا من الذكر فيها؛ فإنها أيام عظيمة مباركة.

 

أما الأيام المعدودات؛ فهي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة)، وسميت معدودات لقلة عددها وسرعة انقضائها، قال -تعالى-: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 203]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ"(رواه مسلم).

 

وكأن هذه المواسم كلها جاءت لتجعل اللسان والقلب في اتصال دائم بالله -تعالى-، تحقيقًا لقوله -سبحانه وتعالى-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)[العنكبوت: 45].

 

ومن أراد أن يذكر الله؛ فليلتزم آداب الذكر من الإخلاص لله -تعالى-، وحضور القلب، والطهارة، وخفض الصوت، قال -تعالى-: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ)[الأعراف: 205].

 

أيها المؤمنون: فإنه ينبغي علينا أن نلتزم بآداب الذكر حتى نحظى بثماره الكبيرة وآثاره الجليلة، والتي في مقدمتها: أن الذكر سبب لزيادة الإيمان، ويورث الخوف والوجل من الجليل -سبحانه- قال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)[الأنفال: 2].

 

ومن آثار الذكر -معشر الذاكرين-: أن الله -تعالى- يذكر من ذكره، يقول -سبحانه وتعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[البقرة: 152].

 

ومن منافع الذكر ومغانمه: الطمأنينة التي يجدها الذاكر في قلبه، قال -تعالى-: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد: 28].

 

فذكر إله العرش سرا ومعلنــا *** يزيل الشقا والهم عنك ويطرد

ويجلب للخيرات دنيا وآجـــــلا *** وإن يأتك الوسواس يوما يشرد

 

ومن ثمار الذكر وآثاره: تكفير الذنوب والمعاصي؛ قال -تعالى-: (وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 35]، وجاء من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أَنّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ غُصْنًا، فَنَفَضَهُ، فَلَمْ يَنْتَفِضْ، ثُمَّ نَفَضَهُ، فَلَمْ يَنْتَفِضْ، ثُمَّ نَفَضَهُ فَانْتَفَضَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَنْفُضُ الْخَطَايَا كَمَا تَنْفُضُ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"(رواه أحمد).

 

ومن آثار الذكر: أن ذكر الله -عز وجل- غراس الجنة؛ كما صح عن النبي الكريم -عليه الصلاة والتسليم- أنه قال: "لَقِيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسْرِيَ بِي، فقال: يا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَك مِنِّي السلامَ، وأَخْبِرْهم أنَّ الجنةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قِيعانٌ، وأَنَّ غِراسَها سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ".

 

وأخبر أن الذكر غرس لأهله *** بجنات عدن والمساكن تمــــهد

وأخبر أن الذكر يبقى بجنــــة *** وينقطع التكليف حين يخلــــدوا

 

بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: فإن أعظم ما نخرج به في هذا المقام أن ندرك أن الذكر ليس أمرًا ثانويًا في الدين، ولا نافلةً من النوافل فحسب، بل هو روح الدين، ولبّ العبادة، وحياة القلب، ومفتاح الصلة بالله؛ فأكثروا من ذكر الله في هذه الأيام المباركة، في عشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق؛ فإنها مواسم تتنزل فيها الرحمات وتُضاعف فيها الحسنات.

 

ختاما -أيها المسلمون- أكثروا من ذكر ربكم في هذه الأيام المباركة وفي أيام التشريق، واحذروا من الغفلة عن الاجتهاد في الذكر والدعاء يوم عرفة خاصة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ"(رواه الترمذي)؛ فهو يوم مبارك؛ تتنزل فيه الرحمات، وتجاب فيه الدعوات، وتعتق فيه رقاب أهل البر والطاعات.

 

وفي فضل صيامه، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ"(رواه مسلم).

 

فهو يوم ذكرٍ ودعاءٍ وتوحيد، داخل في عموم قوله -تعالى-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)[العنكبوت:45]؛ فاغتنموه بالتكبير والتهليل والاستغفار والدعاء؛ فإنها ساعات لا تعوض.

 

اللهم وفقنا للإقبال وأكرمنا بالقبول.

 

اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين، اللهم اجعل ألسنتنا بذكرك رطبة، وقلوبنا بطاعتك عامرة، ولا تجعلنا من الغافلين.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

 

اللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا والذاكرات، اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك، وقلوبنا مطمئنة بطاعتك، اللهم بارك لنا في أيامنا المعلومات والمعدودات، ووفقنا فيها للعمل الصالح، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المشاهدات 115 | التعليقات 0