يوم التأسيس السعودي... من فجر الدعوة إلى مجد الدولة

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/09/01 - 2026/02/18 13:42PM

يوم التأسيس السعودي... من فجر الدعوة إلى مجد الدولة

خطبة يوم الجمعة ١٣ / ٨ / ١٤٤٥هـ الموافق٢٣ / ٢ /٢٠٢٤ م جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني -رحمه الله تعالى- الاحساء -الهفوف -حي المزروع

الخطيب – د. أحمد بن حمد بن أحمد البوعلي  

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، سبحانه الذي جعل للأمم تاريخاً يورث العزيمة، وحضارة تشهد على جهود السابقين، وتنير دروب اللاحقين. نحمده سبحانه حمداً يليق بجلاله، ونشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونسأله الثبات على الحق، وأن يجعل قلوبنا معلقة بطاعته. ونصلي ونسلم على خاتم النبيين محمد بن عبد الله، الذي أعاد للعالم معنى الرسالة، وأقام دولة العدل والإيمان.

أما بعد:

يا أيها الإخوة، أوصيكم ونفسي المقصّرة أولًا بتقوى الله، فهي سببالفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْتُفْلِحُونَ" (البقرة: 2).

أيها الأحبة، اليوم نحتفل بذكرى عظيمة في تاريخ وطننا، وهو يومالتأسيس، الذي أسسه الإمام محمد بن سعود رحمه الله في منتصفالقرن الثامن عشر، ووضع أسس الدولة السعودية الأولى، بالتعاون معالعلماء والدعاة.

لقد كان الإمام محمد بن سعود رحمه الله مثالًا للقائد المؤمن، الذيجمع بين القوة السياسية والعزيمة الدينية، وجعل تأسيس الدولة علىكتاب الله وسنة نبيه، والعدل بين الناس، والحفاظ على الوحدة والتلاحمبين القبائل والمناطق. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "دوام الدولةعلى أمر الله هو سبب بقائها، وتركه سبب زوالها" (1).

 

أيها الإخوة، حب الوطن واجب ديني وأخلاقي، وهو من شكر الله علىالنعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يُبسط له في رزقهويُنسأ له في أثره فليصل رحمه"[2]، والأمن والاستقرار واجبان علىالجميع، لأن حفظ الوطن من صميم حفظ الحقوق الشرعية.

أيها المسلمون، حين ضاقت الطرق بالنبي صلى الله عليه وسلم فيمكة، وحُوصر أصحابه وعُذبوا، لم يكن الطريق واضحاً، ومع ذلكمضى صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله. وهذا درس بالغ، فقيامالحضارات يبدأ من يقين لا يتزعزع، ثم عمل شاق، ثم صبر طويل،وهكذا كان فجر الدولة الإسلامية الأولى.

ثم شاء الله أن يلتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل يثرب الذينفتح الله بصيرتهم، فبايعوه على نصرة الحق. قالوا: على ماذا نبايعك يارسول الله (3)، فذكر لهم السمع والطاعة، والنصرة، والغيرة علىالدين، فكانت بيعة التأسيس التي هيأ الله بها قيام دولة الإسلام، دولةالعلم والعدل والإيمان.

وهذا المعنى العظيم يعيدنا إلى قصة هذه البلاد التي نشأنا علىأرضها، المملكة العربية السعودية، التي نشأت من لقاء كلمة صادقةبين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ومنذ تأسيس الدولة السعوديةالأولى على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، اجتمع نور العلم معقوة العزم، فكان التأسيس قياماً على منهج واضح، لا تردد فيه ولاغموض.

وإذا تأملنا رموز يوم التأسيس رأينا أنها ليست رسوماً تراثية، بل هيمفاتيح لفهم مراحل البناء في مجتمعٍ عاش على التعاون والتكافل. العلم رمز وحدتنا، والسوق رمز حركتنا الاقتصادية، والصقارة رمزالحكمة والتواصل، والخيل رمز الفروسية، والنخلة رمز الصبر والنماء. وكل هذه الرموز تؤكد أن بناء الوطن كان جهداً جماعياً شارك فيهالعلماء، والزعماء، والمزارعون، والتجار، وأهل الحرف.

أيها المسلمون، نقف اليوم على أطهر بقعة في الأرض، بلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية، التي احتضنت بيت الله الحرام ومسجد رسوله، ومنها انطلقت أنوار الهداية إلى المشارق والمغارب. وإن نهضة هذه البلاد لم تكن وليدة صدفة، بل ثمرة جهود أجيال، وتضحيات رجال أسسوا دولة قامت على الكتاب والسنة.

أيها الإخوة، إن ذكرى يوم التأسيس ليست قصة محضة، بل دعوة إلى إدراك سر القوة، وأن ما نعيشه اليوم من أمن واستقرار وعمران ونماء هو ثمرة التزام بالشرع، ووحدة في الصف، وتلاحم بين القيادة والشعب. فالعلم والعمل معاً طريق الرفعة، والإخلاص للوطن عبادة حين يكون قائماً على حفظ الدين ورعاية الحقوق..

وفيما يلي نقاط تطبيقية عملية مناسبة يستحب ذكرها وتوجيه الناس إليها:

1. التأكيد على تربية الأبناء على حب الوطن والاعتزاز بتاريخه، من خلال البرامج الأسرية والتعليمية، وحرص المدارس والمراكز الدعوية على إدماج قيم الولاء في المناهج والممارسات.
2. حثّ الحضور على طلب العلم الشرعي والعام، فالعلم نور يقوّي الإيمان ويعزز القدرة على خدمة المجتمع.
3. دعوة إلى العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية، فالمساجد والمراكز الخيرية مدارسٌ للتآخي وبناء المجتمع، وكل عمل صالح بسيط يُعدُّ مساهمة في نهضة الوطن.
4. التنبيه على وحدة الصف والكلمة، والبعد عن الفرقة وإذكاء نعرات الجاهلية، فإن قوة الأمة في وحدتها.
5. الدعاء للقيادة الحكيمة بالتوفيق والسداد، والوقوف خلف ولاة الأمر بنصيحةٍ صادقةٍ وبعملٍ خالص لوجه الله.
عباد الله: اعلموا أن الله يعطي الدول بقدر ما تقوم به من عدل. ولذلكقال العلماء إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت غير مسلمة، ولاينصر الظالمة ولو كانت مسلمة. وهذه البلاد قامت على عدل الشريعة،وعلى إقامة الحقوق، وحفظ الأمانة، ولذلك كتب الله لها الثبات.

أيها الإخوة، إن يوم التأسيس يعلّمنا أن التغيير يبدأ من كل فرد، وربماترى نفسك بسيطاً، ولكنك في الحقيقة جزء من قوة هذا الوطن، تحسنفي عملك، تربي أبناءك، تحفظ لسانك، وتؤدي أمانتك، فتكون عنصراًمن عناصر البناء.

وأقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أيها الإخوة، إن يوم التأسيس السعودي يذكّرنا بأهمية الوحدة الوطنية،والتكاتف بين أبناء الأمة، وأن قوة الدولة لا تكون إلا بالتزام الناسبالشرع، وحبهم لوطنهم والعمل الصالح. قال الله تعالى: "وَاعْتَصِمُوابِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" (آل عمران: 103).

في عام 1157 هـ الموافق 1737م، أسس الإمام محمد بن سعود الدولةالسعودية الأولى في الدرعية، بعد أن جمع حوله العلماء والدعاة بقيادةالشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله. أسس الدولة على مبادئالإسلام، ونشر التوحيد، ونبه الناس للالتزام بالحق والعدل، وكانتوحدة الدين ووحدة الوطن أساسًا لتوحيد القبائل والمناطق.

ومن مآثره العظيمة: توحيد الكلمة، إقامة العدل، المحافظة على حقوقالناس، وحماية الأمن والاستقرار، والسعي لنشر العلم والدين. وقدوصفه العلماء بأنه "قائد حكيم مؤمن، جمع بين القوة السياسيةوالحكمة الشرعية"[4].

ربط القيم الإسلامية بحب الوطن:

حب الوطن واجب، إذا كان في طاعة الله، ويظهر ذلك في المحافظةعلى الأمن، وتعليم الصغار القيم الإسلامية والوطنية، وخدمة المجتمعبالعمل الصالح. قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "حب الوطن والاعتزازبه واجب على المسلم، ما دام ذلك في حدود الشرع"[4].

 

أيها الإخوة، يجب أن نغرس في نفوس أبنائنا قيم الولاء والانتماء،ونعمل على نهضة وطننا، بالعلم والعمل والأخلاق، مع المحافظة علىتعاليم الدين، لأن الدولة القوية هي التي تجمع بين الدين والوطنيةوالأخلاق.

أيها الأحبة في الله، إن يوم التأسيس مناسبة نعيد فيها اكتشافأنفسنا، ونسأل: ماذا قدمنا لديننا ووطننا؟ هل كنا كما ينبغي لأبناءدولة قامت على التوحيد، وتاريخ من ثبات الرجال. إن الأمم لا تبنىبالكلمات، بل تبنى حين يشعر كل فرد أن له دوراً في حماية الأمن،ونشر العلم، وبناء الأخلاق.

وهذه الدولة مرت بمراحل صعبة، وواجهت تحديات كثيرة، ولكنها فيكل مرة تعود أقوى مما كانت، لأن أساسها ثابت، يقوم على شريعةتحفظ الحقوق، وتنشر الوسطية، وتحارب التطرف والانحراف، وتجمعالأمة على منهج واحد.

فلنحرص على:

​•​الحفاظ على الأمن والاستقرار.

​•​التعاون على البر والتقوى.

​•​نصرة الحق والمستضعفين.

​•​السعي لإصلاح المجتمع والتعليم والتوعية.

واعلموا عباد الله، أن الاحتفال بيوم التأسيس ليس مجرد ذكرىتاريخية، بل فرصة لتجديد العهد مع الوطن، وتعزيز قيم الوحدة والولاءالصادق، والعمل الصالح، خدمةً للدين والوطن معًا.

ومن واجبنا تجاه هذه الذكرى أن نعلم أبناءنا كيف قامت هذه الدولة، ولماذا صمدت، وكيف اجتمعت فيها الكلمة بعد فرقة، وكيف صار الأمن بعد خوف، والرخاء بعد شدة، وأن نغرس فيهم الفرق بين البناء والهدم، وبين النقد الصادق والسلوك العدمي، وأن نربيهم على أن حب الوطن لا يكون بشعارات، بل بالعمل، والجد، والإخلاص، وطاعة ولي الأمر، واحترام النظام، والغيرة على مصالح الأمة، وأن ما بلغته المملكة مننهضة علمية واقتصادية ليس بعيدا عن جذورها الأولى في الدرعية،فكما نهض العلم هناك، نهض اليوم في جامعات المملكة ومراكزها،وكما ازدهرت الأسواق قديماً، ازدهرت اليوم باقتصاد حديث يتعاملمع العالم كله، وهذا دليل على أن البناء الحقيقي ممتد لا ينقطع.

وإن من تمام الوفاء في هذا اليوم المبارك أن ندعو لولاة أمرنا، وأن نقف معهم بالحق، وأن نكون عوناً لهم في الخير، فهم بعد الله سبب أمننا ووحدتنا واستقرار بلادنا.

اللهم احفظ لنا وطننا آمناً مستقراً، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين بتوفيقك ونصرك، اللهم من أراد وطننا أو بلاد المسلمين بسوء فاشغله بنفسه ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الفهارس

1- ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، ج1، ص45.

2- رواه البخاري ومسلم، صحيح البخاري: 5985، صحيحمسلم: 2559.

3- أخرجه أحمد في مسنده، (3\322)، والبيهقي في السنن، (9\9)، وابن حبان في صحيحه، (1686) من حديث جابر بن عبد الله.

4- عبد الرحمن العثيمين، الولاية والسياسة في الإسلام، ص32.

5- ابن باز، فتاوى نور على الدرب: حب الوطن.

 

المشاهدات 208 | التعليقات 0