أويس القرني

الشيخ عبدالسلام الشويعر

2026-02-02 - 1447/08/14
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/الاقتداء بالصالحين 2/تأملات في قصة أويس القرني 3/أسباب تميُّز أويس بن عامر

اقتباس

لقد كان أويس من أصفياء الله وبررته، من الشعثة رؤوسهم، المغبّرة وجوههم، الخمصة بطونهم من كسب الحلال، من الذين إذا استأذنوا على الولاة لم يُؤذَن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم يُنْكَحوا، وإذا غابوا لم يُفْقَدوا، وإذا حضروا لم يُدْعُوا، وإن طلعوا لم يُفْرَح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدوا.....

الخطبةُ الأولَى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد عباد الله: فإن مِن عباد الله -تعالى- مَن آثر الآخرة على الأولى، والباقية على الفانية، فباع ملاذ الحياة برضا الله -جل وعلا-، حتى ترك كثيراً من المباحات لأجل ذلك، ناهيك عن مقاربة ما يُغْضِب الله ويُسخطه، أو الدنو مما يكرهه -سبحانه- (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)[الأنبياء: 49].

 

وإن النظر في سير أولئك لمِمَّا يُنَشِّط المُقِلّ، ويُنبّه الغافل، ويُسلِّي المُجِدّ:

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم*** إن التشبه بالكرام فلاح

 

فمن أولئك القوم رجل لم ينل فضل صحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يحصل من الدنيا شرفاً ولا حسباً، ولم يك ذا مال ولا زوج ولا ولد، كاد أن يمر كما مر غيره على ظهر هذه البسيطة ثم قضى فلم يبقَ من أثره شيء لا رسم ولا خبر، لولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نعته، وأخبر بشأنه ولما يره.

 

أخرج مسلم (في صحيحه 16/٩٥) أن النبي ذكر أويس القرني فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة هو بها بَرّ، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم"، وقال عنه: "لا يدع باليمن غير أُمٍّ له".

 

لقد كان أويس من أصفياء الله وبررته، من الشعثة رؤوسهم، المغبّرة وجوههم، الخمصة بطونهم من كسب الحلال، من الذين إذا استأذنوا على الولاة لم يُؤذَن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم يُنْكَحوا، وإذا غابوا لم يُفْقَدوا، وإذا حضروا لم يُدْعُوا، وإن طلعوا لم يُفْرَح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدوا.

 

جاء في وصفه أنه أشهل ذا صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معَبد القامة، آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رامٍ ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يُؤبَه به، متّزر بإزار صوف، ومرتدٍ برداء صوف، مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء.

 

قال علقمة: "وأما أويس القرني فإن أهله ظنوا أنه مجنون، فبنوا له بيتاً على باب دارهم فكانت تأتي عليهم السنة والسنون لا يرون له وجهاً، وكان طعامه مما يلتقط من النوى، فإذا أمسى باعه لإفطاره، وإن أصاب حشفة باعها لإفطاره"(زهد ثمانية من التابعين: ص74).

 

أخرج مسلم (95/16) عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مُراد ثم من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة، قال: نعم، قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبره؛ فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل".

 

قال عمر: فاستغفر لي، فاستغفَر له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألَا أكتب لك إلى عاملها، قال: أكون في غبراء الناس أحب إليَّ. 

 

قال: فلما كان من العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم، فوافق عمر فسأله عن أويس، قال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال عمر: سمعت رسول الله لي يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبره؛ فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل".

 

فأتى الرجل أويساً، فقال: استغفر لي، قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالح فاستغفر لي. قال الرجل: استغفر لي، قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالح فاستغفر لي، قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس فانطلق على وجهه.

 

قال أسير بن جابر: وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟ أي اتهمه الناس بسرقتها، فقالوا: انظروا إلى هذا المرائي لم يزل في الرجل حتى خدعه وأخذ رداءه. قال أسير: فقلت: ألا تستحيون لِمَ تؤذونه والله لقد عرضته عليه فأبى أن يقبله"(مستدرك الحاكم: 3/٤٥٦).

 

عباد الله: لقد رفع الله -عز وجل- أويسًا بأمرين: أحدهما: برّه بأُمّه كما ثبت ذلك في الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هو بها بَرّ"، وروى الإمام أحمد (الزهد 414) عن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويساً أن يقدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- برّه بأمه. والثاني: رفعه الله بإخلاصه وإخفاء عمله وكمال توكله على ربه.

 

روى أبو نعيم في الحلية (7/87) أن أويساً كان إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من فضل الطعام والثياب، ثم يقول: "اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به".

 

وروى الحاكم (3/458) أن رجلاً مِن مراد أتى إلى أويس القرني فقال: "السلام عليكم"، فرد السلام، قال: "كيف أنتم يا أويس؟" قال: "الحمد لله"، قال: "كيف الزمان عليكم"، قال: "لا تسأل الرجل إذا أمسى لم ير أنه يصبح، وإذا أصبح لم ير أنه يمسي. يا أخا مراد: إن الموت لم يُبْقِ لمؤمن فرحاً. يا أخا مراد: إن عرفان المؤمن بحقوق الله لم تُبقِ له فضة ولا ذهباً. يا أخا مراد: إن قيام المؤمن بأمر الله لم يُبقِ له صديقاً، والله إنا لنأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيتخذوننا أعداء، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعوانا، حتى والله لقد يقذفوننا بالعظائم، ووالله لا يمنعني ذلك أن أقول بالحق".

 

وروى أحمد في الزهد وأبو نعيم عن عبد الله بن سلمة قال: "غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ومعنا أويس، فلما رجعنا مرض علينا أويس فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا فإذا قبر محفور، فغسلناه وكفَّنَّاه وصلينا عليه ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فَعَلَّمْنا على قبره، فرجعنا فإذا لا قبور ولا أثر".

 

عباد الله: هذا من أصح ما ورد في خبر أويس القرني، وقد جعل في حياته وموته موعظة، فلا هو الساعي للشهرة ولا الباحث عنها، بل هو الخفي، وحينما مات أخفى الله قبره، لكي لا يكون ذريعة لجهلة الناس فيفعلوا عنده منكراً، أو يشهروه ويقصدوه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره ومن استن بسنته واهتدى بدعوته إلى يوم الدين.

 

أما بعد عباد الله: فاتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار.

 

واعلموا -عباد الله- أن خير الكلام كلام الله -جل وعلا-، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

 

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال -جل وعلا-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life