الظلم والتحذير منه

محمد بن سليمان المهوس

2026-02-22 - 1447/09/05
عناصر الخطبة
1/الظلم من أقبح الخصال 2/تعريف الظلم وذكر بعض مساوئه 3/من صور الظلم 4/عواقب الظلم والظالمين 5/تحذير السلف من الظلم

اقتباس

وَمِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ الْمُحَرَّمِ: تَفْرِيطُ الْمُوَظَّفِ فِي مَهَامِّهِ وَوَاجِبَاتِهِ، وَاسْتِغْلَالُهُ لِمَنْصِبِهِ، وَتَعْطِيلُهُ لِمَصَالِحِ النَّاسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ بِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَظُلْمٍ لِلْغَيْرِ بِتَعْطِيلِ مَصَالِحِهِمْ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ...

الخُطْبَةُ الأُولَى: 

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَسْوَءِ الْأَخْلَاقِ، وَأَقْبَحِ الْأَعْمَالِ وَالْفِعَالِ، خُلُقُ الظُّلْمِ بِأَنْوَاعِهِ وَصُوَرِهِ، الَّذِي نَفَاهُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[فصلت: 46]، وَقَالَ : (إِنَّ الْلَّهَ لَا يَظْلِمُ الْنَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ الْنَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُوْنَ)[يونس: 44]، وَحَرَّمَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِبَادِهِ؛ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ، وَعَاقِبَتُهُ سَيِّئَةٌ؛ فَهُوَ مَنْبَعُ الرَّذَائِلِ، وَمَصْدَرُ الشُّرُورِ، يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، وَيَمْحَقُ الْبَرَكَةَ، وَيَجْلِبُ الْوَيْلَاتِ، وَيُورِثُ الْعَدَاوَاتِ، وَيُسَبِّبُ الْقَطِيعَةَ وَالْعُقُوقَ، فَمَتَى فَشَا الظُّلْمُ فِي أُمَّةٍ أَهْلَكَهَا.  

                                                                      

وَالظُّلْمُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَوَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَكُلُّ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ شِرْكًا بِاللهِ، أَوْ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَمَظَالِمِ الْعِبَادِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْحَدِّ.

 

وَأَعْظَمُ الظُّلْمِ، وَأَشَدُّهُ خَطَرًا عَلَى الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ -تَعَالَى-؛ لِأَنَّهُ وَضْعٌ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَصَرْفٌ لَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا؛ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13].

 

وَمِنَ الظُّلْمِ كَذَلِكَ: ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَالتَّفْرِيطِ فِي الْفَرَائِضِ وَالطَّاعَاتِ، وَالتَّهَاوُنِ بِحُدُودِ اللهِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1].

 

وَمِنَ الظُّلْمِ: ظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(رَوَاهُ مُسْلِم).

 

وَمِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ الْمُحَرَّمِ: تَفْرِيطُ الْمُوَظَّفِ فِي مَهَامِّهِ وَوَاجِبَاتِهِ، وَاسْتِغْلَالُهُ لِمَنْصِبِهِ، وَتَعْطِيلُهُ لِمَصَالِحِ النَّاسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ بِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَظُلْمٍ لِلْغَيْرِ بِتَعْطِيلِ مَصَالِحِهِمْ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال: 27].

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُجَنِّبَنَا الظُّلْمَ بِأَشْكَالِهِ وَصُوَرِهِ، وَأَنْ تَرْزُقَنَا الْعَدْلَ فِي أَهْلِينَا وَمَا وُلِّينَا، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى-، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَالظُّلْمُ سَبَبٌ لِلْبَلَاءِ وَالْعِقَابِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هود: 102].

 

وَالظَّالِمُ مَصْرُوفٌ عَنِ الْهِدَايَةِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[المائدة: ٥١]، وَالظَّالِمُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا؛ قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[الأنعام: ٢١]، وَالظَّالِمُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ؛ قَالَ -تَعَالَى-:(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)[غافر: ٥٢]، وَالظَّالِمُ يُحْرَمُ مِنَ الشَّفَاعَةِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ)[غافر: ١٨]، وَالظَّالِمُ تُصِيبُهُ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَلَا تُخْطِئُهُ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَلِأَجْلِ هَذَا عَظَّمَ السَّلَفُ أَمْرَ الظُّلْمِ، وَجَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْبُعْدِ عَنْهُ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، قَالَ رَجُلٌ لِمُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "عَلِّمْنِي"، قَالَ: "وَهَلْ أَنْتَ مُطِيعِي؟"، قَالَ: "إِنِّي عَلَى طَاعَتِكَ لَحَرِيصٌ"، قَالَ: "صُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَاكْتَسِبْ وَلَا تَأْثَمْ، وَلَا تَمُوتَنَّ إِلَّا وَأَنْتَ مُسْلِمٌ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ"(حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ)، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ أَظْلِمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيَّ نَاصِرًا إِلَّا اللَّهَ"(الْعِقْدُ الْفَرِيدُ).

 

وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ - رَحِمَهُ اللهُ -تَعَالَى-: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ"، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَقُولُ:(أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[هُودٍ: ١٨]، وَهُوَ ظَالِمٌ"(تَنْبِيهُ الْغَافِلِينَ)، وَبَكَى عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ -رَحِمَهُ اللهُ -تَعَالَى- يَوْمًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: "أَبْكِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي إِذَا وَقَفَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ"(سُنَنُ الصَّالِحِينَ لِلْبَاجِي).

 

اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الظُّلْمَ، وَارْزُقْنَا الْعَدْلَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُقْسِطِينَ.

 

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"(رَواهُ مُسْلِمٌ)، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ، وَالاعْتِصَامَ بِالْحَبْلِ الْمَتِينِ، حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life