حرص السلف واهتمامهم بشهر رمضان

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-02-12 - 1447/08/24
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/استقبال شهر رمضان 2/فضائل شهر رمضان 3/الحث على اغتنام شهر رمضان 4/التوبة قبل شهر الصيام.

اقتباس

استقبلوا شهر رمضان بتوبة صادقة، وندم على ما فات، فكم من صلاة جماعة قد ضُيِّعت؟! وكم من غيبة وقعت؟! وكم من خطايا علينا قد سُجِّلت؟! رَقِّقُوا النَّفسَ وأذلوها للتوبة الصادقة بتذكر نفوسٍ كانت تعيش معنا فلاقت جزاء ما عملت وكسبت....

الخطبةُ الأولَى:

 

 

الحمد لله عالم الغيب والشهادة، العزيز الغفار، أحاط بكل شيء علماً، وجعل لكلِّ شيءٍ قدراً، أحمده -سبحانه- على نعمه التي لا تُحصى، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير العباد في الطاعة والإنابة إليه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله -تعالى- الذي يعلم سرّنا وجهرنا، امتثلوا لطاعته واجتنبوا لمحرماته، ظاهرة كانت أو باطنة.

 

 معشر المسلمين: إن الله -تعالى- جعل هذه الدنيا دار تكليف وامتحان وابتلاء؛ ليظهر الصادق في إيمانه والكاذب، ومن ذلك الشكر لنعمه والكفرُ بها، قال -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[الإنسان: ٢ – ٣]، وقال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك: ٢].

 

 فهو -تعالى- يختبرنا أيُّنا يعمل خيرًا، فيجازي المحسن، ويعاقب العاصي، ويتوب على مَن تاب إليه وأناب، فمع قوّته -تعالى- وعظيم جنابه يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

 

 وحيث إننا الآن بساحة شهرٍ عظيمٍ، شهر تقالُ فيه العثرات، وتضاعف فيه الحسنات؛ فعلينا أن نجدّ ونجتهد في الإنابة إلى المولى، والذلِّ بين يديه، والانكسارِ إليه، ولنتعرض لنفحاته -تعالى- بالرحمة والغفران والعتق من النيران، فكما في  صحيح مسلم، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الصلوات الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفراتٌ ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر".

 

 ولقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يُجِلُّون شهر رمضان ويُعظِّمونه ويستبشرون بقدومه، وذلك للاتجار فيه بصالح الأعمال، والتزود فيه بكريم الفعال، فيصومون نهاره، ويقومون ليله أفضل قيام، يتفرغون فيه لتلاوة القرآن، ويكثرون فيه من التسبيح والتهليل، ويبذلون فيه العطاء للفقراء والمحتاجين، فيا طالباً للخيرات هذه أوقاتها قد أقبلت، ويا منتظراً مواسم الأرباح ها هي قد دنت واقتربت.

 

أيها المسلمون: إن بلوغ شهر رمضان وصيامه نِعْمةٌ عظيمةٌ من الله على العبد المسلم الذي أقدره الله عليه، يدل على ذلك حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم، ثم مات الثالث بعدهما على فراشه، فرُئِيَ في المنام سابقاً لهما، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه فوالذي نفسي بيده: إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض".

 

 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أظلكم شهركم هذا، بمحلوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما مر بالمسلمين شهرٌ خيرٌ لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهرٌ شرٌ لهم منه بمحلوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن الله ليكتب  أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يعدُّ فيه القوت من النفقة للعبادة، ويعدُّ فيه المنافقُ اتباع غفلات المؤمنين، واتباعَ عوراتهم، فغنم يغتنمه المؤمن". وقال بُنْدارٌ في حديثه: "فهو غنم للمؤمنين يغتنمه الفاجر".

 

فأعدوا -رحمكم الله- النفقة لرمضان، واقضوا لوازمكم الدنيوية قبل دخوله لتتفرغوا فيه للعبادة والطاعة، واختاروا لصيامه وقيامه والطاعة فيه أفضل البقاع، وكونوا في النفقة معتدلين لا مسرفين ولا مقترين.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[لقمان: ٣٣]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله مُعِزّ مَن أطاعه واتقاه، ومُذِلّ مَن خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهادي من توجه إليه واستهداه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من اصطفاه الله واجتباه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثره واتبع هداه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله -تعالى- حق تقواه، وأعِدُّوا العدة لاستقبال الوافد الكريم: شهر رمضان المبارك، اقضوا ما فاتكم من الشهر الماضي، فشهر شعبان آخر وقت لقضاء ما فات من رمضان، وليكن صيامنا في البلاد الإسلامية وأفضل البقاع فإنه أحرى للقبول وأعظم في الأجر وأسلم للصيام، استقبلوه بتوبة صادقة وندم على ما فات، فكم من صلاة جماعة قد ضيعت؟! وكم من غيبة وقعت؟! وكم من خطايا علينا قد سجلت؟! رَقِّقُوا النَّفسَ وأذلوها للتوبة الصادقة بتذكر نفوسٍ كانت تعيش معنا فلاقت جزاء ما عملت وكسبت.

 

ذكّروا النفس التي أقدمت على معصية الله وقابلته بما لا يليق بقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)[الانفطار: ٦]؛ أي: أنها قد غرّها الجهل والشيطان حتى ضعف إيمانها بالجزاء والحساب، ولهذا قال -تعالى-: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ)[الانفطار: ٩]، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيرها: "أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي: تكذيبٌ في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب".

 

اللهم إنا نعوذ بك من الاغترار بالجهل والشيطان، ومن ضعف الإيمان.

 

اللهم ارزقنا الإيمان الصادق بالبعث والجزاء، ووفقنا للتوبة الصادقة من جميع ذنوبنا.

 

اللهم بارك لنا في شهر رمضان، وارزقنا فيه الرحمة والطهارة من الذنوب والعتق من النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life