عناصر الخطبة
1/العبرة بتوالي الأيام والليالي 2/اهتمام المسلم بقبول العمل 3/الوصية بالمداومة على الطاعات ومجانبة السيئات 4/الفرح المشروع في العيداقتباس
مدارُ السعادةِ في طولِ العمرِ وحُسْنِ العملِ. ومداومةُ المسلمِ على الطاعةِ -من غيرِ قصرِها على شهرٍ مخصوصٍ أو مكانٍ فاضلٍ- من أعظمِ البراهينِ على القَبولِ وحُسْنِ الاستقامةِ. فزكُّوا أنفسَكم بفعلِ الطاعةِ والإخلاصِ في العبادةِ...
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرِّ والنجوى.
أيُّها المسلمون: تتوالى الأيامُ وتمضِي، وتَتتابعُ الشهورُ وتنقضِي؛ وفي تعاقُبِ الليلِ والنهارِ آياتٌ للمعتبرين؛ بالأمسِ كنا نترقَّبُ هلالَ رمضانَ، وها نحن نودِّعُه بطيِّ صحائفِه، ورحيلِ أيامِه ولياليهِ كأنها طيفُ الخيالِ. مَضَتْ ليالٍ بفضائلِها ونفحاتِ ربِّها، فاحفظوا ما عَمِلْتُمُوهُ فيها من صالحاتٍ بالإخلاصِ، والإقرارِ بالتقصيرِ، وطلبِ المغفرةِ والرضوانِ.
وكونوا بقَبولِ العملِ أشدَّ اهتمامًا منكم بالعملِ؛ فالمؤمنُ يجمعُ بين إحسانٍ ومخافةٍ، حالُه كما قال -سبحانه-: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[المؤمنون: 60].
قَالَتْ عائشةُ -رضي الله عنها-: يا رسولَ اللهِ؛ أَهُمُ الذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرقونَ؟ قال: "لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ"(رواه الترمذي).
وما أجملَ الطاعةَ تعقبُها الطاعاتُ، وما أَبهَى الحسنةَ تُجمَعُ إليها الحسناتُ! فاستدامةُ الطاعةِ وامتدادُ زمانِها زادُ المؤمنين، والطاعةُ ليس لها زمنٌ محدودٌ. والعبدُ مأمورٌ بعبادةِ الرحمنِ في كلّ حينٍ؛ قال -سبحانه-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الحجر: 99]، قيل للإمامِ أحمدَ -رحمه الله-: متى الراحةُ؟ قال: "عند وضعِ أولِ قَدَمٍ في الجنةِ".
والاستقامةُ على الطاعةِ صفةُ عبادِ اللهِ المؤمنينَ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)[فصلت: 30].
واللهُ أمرَ نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنينَ بالاستقامةِ، وحثَّهم على ملازمتِها فقال: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)[هود: 112]، وهي مِفتاحٌ للخيراتِ وسببٌ لحصولِ البركاتِ، قال -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)[الجِنِّ: 16].
ومَنْ عَمِلَ الصالحاتِ في رمضانَ فليداوِمْ عليها؛ "فَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ"(مُتفَق عليه). ومن فضلِ اللهِ أن الأعمالَ الصالحةَ في رمضانَ دائمةٌ طِوالَ العامِ؛ فصيامُ ستٍّ من شوالٍ كصيامِ الدهرِ، وصيامُ الاثنينِ والخميسِ وثلاثةِ أيامٍ من كلّ شهرٍ مرغَّبٌ فيه، وتلاوةُ القرآنِ العظيمِ مأمورٌ بها على الدوامِ، وقيامُ الليلِ مشروعٌ كلَّ ليلةٍ، والصدقةُ بابٌ مفتوحٌ، والدعاءُ لا غِنَى للمرءِ عنه في حياتِه.
والأزمنةُ والأمكنةُ الفاضلةُ لا تقدِّسُ أحدًا ما لم يعملْ صالحًا ويستقمْ ظاهرًا وباطنًا. ومدارُ السعادةِ في طولِ العمرِ وحُسْنِ العملِ. ومداومةُ المسلمِ على الطاعةِ -من غيرِ قصرِها على شهرٍ مخصوصٍ أو مكانٍ فاضلٍ- من أعظمِ البراهينِ على القَبولِ وحُسْنِ الاستقامةِ. فزكُّوا أنفسَكم بفعلِ الطاعةِ والإخلاصِ في العبادةِ؛ طمعًا في عظيمِ مغفرةِ اللهِ، وافرحوا بواسعِ رحمتِه وجزيلِ عطاياهُ.
أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يُونُسَ: 58].
بارَك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المسلمين من كلّ ذنبٍ؛ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيُّها المسلمون: في العيدِ تتجددُ أفراحُ المسلمينَ، وتتجلَّى نعمُ اللهِ ومواهبُه عليهم بتمامِ صيامِ فرضِهم وما مَنَّ به عليهم، فأظهِروا فيه السرورَ؛ فالفرحُ بفضلِه ورحمتِه تبعٌ للفرحِ به -سبحانه-. وأدخِلوا السعادةَ على غيرِكم، ووسِّعوا على أنفسِكم وأهليكم بما أُبِيحَ لكم. واجعَلُوا فرحتَكم بالعيدِ مصحوبةً بتقوى اللهِ ومراقبتِه؛ يَحصُلْ لكم الفلاحُ، وتتمَّ لكم الأفراحُ في الدارينِ. وكلُّ يومٍ لا يُعْصَى اللهُ فيه فهو عيدٌ، وكلُّ يومٍ يقطعُه المؤمنُ في طاعةِ مولاهُ وذكرِه فهو عيدٌ.
ثم اعلموا أن اللهَ أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه فقال في محكمِ التنزيلِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن خلفائهِ الراشدين، الذين قَضَوْا بالحقِّ وبه كانوا يَعْدِلُونَ: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ؛ وعن سائرِ الصحابةِ أجمعينَ، وعنا معهم بجودِك وكرمِك يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدينِ، واجعل اللهمَّ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمين يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ انصُرْ جنودَنا واحفَظْ حدودَنا وبلادَنا، واجعَلْ كيدَ الأعداءِ في نُحُورِهِمْ يا ربَّ العالمينَ، وانصرنا عليهم، واصرف عَنَّا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، واجعل بلادَ المسلمين بلادَ أمنٍ وأمانٍ يا ربَّ العالمين.
اللهمَّ وفِّق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهدِه لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِهما للبرِّ والتقوى، وانفع اللهمَّ بهما الإسلامَ والمسلمينَ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].
اللهمَّ تقبَّلْ منَّا الصيامَ والقيامَ وجميعَ الصالحاتِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.
عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكُرُوا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على آلائِه ونعمِه يزدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ.
التعليقات