واتقوا الظلم

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

2026-02-15 - 1447/08/27
التصنيفات: المنهيات
عناصر الخطبة
1/ حقيقة الظلم ومعناه 2/حرمة الظلم وبيانه أنواعه وصوره 3/دعوة وتحذير من الظلم.

اقتباس

إِنَّ ظُلْمَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالتَّمَادِي فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَوَامِرِهِ وَالإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ لَدَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ وَتَوْحِيدِهِ؛ وَإِلاَّ فَإِنَّ مَنْ رَسَخَ تَوْحِيدُ اللهِ فِي قَلْبِهِ وَعَظُمَ إِيمَانُهُ وَقَوِيَ يَقِينُهُ أَحَبَّ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر: 18].

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: تَنْطَوِي النُّفُوسُ عَلَى أَخْلَاقٍ مُتَبَايِنَةٍ، وَتَحْمِلُ صِفَاتٍ مُخْتَلِفَةً مُتَضَادَّةً، مِنْهَا صِفَاتُ خَيْرٍ وَبِرٍّ، وَمِنْهَا صِفَاتُ فُجُورٍ وَشَرٍّ، وَإِذَا كَانَ العَدْلُ مِنْ أَشْرَفِ الصِّفَاتِ وَأَكْمَلِهَا، وَعَلَيْهِ قَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ وَأَرْذَلِ الأَخْلَاقِ، وَأَدَلِّهَا عَلَى مَا فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ مِنْ لُؤْمٍ وَخُبْثٍ.

وَالظُّلْمُ؛ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهُوَ دَرَكَاتٌ بَعْضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ، وَإِنَّ أَسْفَلَهَا وَهُوَ أَعْظَمُهَا جُرْمًا الشِّرْكُ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَالَ -تَعَالَى- عَنْ لُقْمَانَ: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان:13].

 

وَقَالَ -تَعَالَى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلَامِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)[الصف: 7].

 

وَمِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ الَّتِي هِيَ دُونَ الشِّرْكِ؛ لَكِنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صَفَاءِ التَّوْحِيدِ، ظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالتَّجَرُّؤِ عَلَى المُخَالَفَاتِ، وَالتَّفْرِيطِ فِي الفَرَائِضِ وَالكَسَلِ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالتَّهَاوُنِ بِحُدُودِ اللهِ وَتَعَدِّيهَا، وَالإِصْرَارِ عَلَى المَعَاصِي شُهُورًا أَوْ سَنَوَاتٍ دُونَ خَوْفٍ مِنَ اللهِ وَلا وَجَلٍ؛ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق:1].

 

أَجَلْ -أَيُّهَا المُسْلِمُونَ- إِنَّ ظُلْمَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالتَّمَادِي فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَوَامِرِهِ وَالإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ لَدَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ وَتَوْحِيدِهِ؛ وَإِلاَّ فَإِنَّ مَنْ رَسَخَ تَوْحِيدُ اللهِ فِي قَلْبِهِ وَعَظُمَ إِيمَانُهُ وَقَوِيَ يَقِينُهُ أَحَبَّ اللهَ -تَعَالَى- وَأَحَبَّ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ وَأَبْغَضَ مَا يُبْغِضُهُ وَكَرِهَهُ وَنَفَرَ مِنْهُ وَاجْتَنَبَهُ، ثُمَّ إِنْ حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ نِسْيَانٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ مَرَّةً أَوْ ضَعُفَتْ بَعْضَ الوَقْتِ فَارْتَكَبَ مَعْصِيَةً أَوْ قَصَّرَ فِي طَاعَةٍ؛ فَإِنَّهُ سُرْعَانَ مَا يَتَذَكَّرُ رَبَّهُ وَيَسْتَحْضِرُ عَظَمَتَهُ فَيَفْزَعُ إِلَى التَّوْبَةِ وَيُسَارِعُ بِالإِنَابَةِ، قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)[الأعراف: 201].

 

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[آل عمران: 133-136]؛ وَظُلْمُ النَّفْسِ بِالمَعَاصِي الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللهِ -تَعَالَى-.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ..

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ المُحَرَّمِ تَفْرِيطَ المُوَظَّفِ فِي عَمَلِهِ وَتَقْصِيرَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَشَرٌّ مِنْ هَذَا اسْتِغْلَالُ صَاحِبِ المَنْصِبِ لِمَنْصِبِهِ وَتَعْطِيلُهُ مَصَالِحَ النَّاسِ لِيُلْجِئَهُمْ إِلَى الخُضُوعِ لَهُ بِشَفَاعَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ؛ فَهُوَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأَكْلِ الحَرَامِ، وَيَظْلِمُ الآخَرِينَ بِتَعْطِيلِ مَصَالِحِهِمْ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ مَعَ إِذْلَالِهِمْ وَإِهَانَتِهِمْ.

 

أَلا؛ فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنَتَجَنَّبِ الظُّلْمَ؛ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَعَوَاقِبُهُ مُعَجَّلَةٌ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ قَبْلَ مَمَاتِهِ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه: 111].

 

وَقَالَ -تَعَالَى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الأنعام:82].

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life