أخلاق حملة القرآن

أ. د حسن بن محمد شبالة

2026-03-06 - 1447/09/17 2026-03-31 - 1447/10/12
عناصر الخطبة
1/مكانة القرآن وشرف حملته 2/أهم أخلاق حامل القرآن في نفسه 3/أثر حامل القرآن في المجتمع 4/عظمة الأمانة وخطورة التفريط فيها.

اقتباس

ولينتبه الحافظ لهواه؛ فإن الهوى يعمي ويصم، وليحذر أن تغلبه نفسه؛ فإن الشهوة لها نزوة، ولينتبه من أن يعيش مع الجهل، وقد منحه الله مصادر العلم والمعرفة وهو القرآن؛ فلا يكتفِ بالحفظ، بل...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها الأحباب الكرام: لسائل أن يسأل عن أخلاق حامل القرآن، ما هي الأخلاق التي يجب أن يمتثلها ويسير عليها ويتخلق بها في المجتمع؟!

 

والجواب: هناك مجموعة كبيرة من الأخلاق إن شاء الله -تعالى- نعرض أهمها، ذلك؛ لأن القرآن الكريم نزل للعمل والتخلق، ونزل ليكون حاكماً في حياة الناس؛ ولم ينزل القرآن لمجرد أن يقرأ أو يحفظ أو يتلى للبركة -وإن كان ذلك من خصائصه- لم ينزل القرآن فقط؛ لأن يستشفى به -وإن كان ذلك من خصائصه- بل نزل القرآن ليكون دستوراً للأمة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها وجميع سلوكياتها؛ فالقرآن كتاب الله الكريم، اختص الله به هذه الأمة، وأنزله على خير خلقه، وجعله أعظم كتاب من كتبه، وحفظه من التحريف والتبديل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9]، إلى أن تقوم الساعة؛ وقد شرف الله به الأمة، وشرف به من يحمله؛ (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)[الزخرف: 44]؛ والذكر هنا بمعنى الشرف والمكانة، وجاء في الحديث: "أن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين"؛ فمن عمل به رفعه الله، ومن تركه خذله الله -سبحانه وتعالى-.

 

أيها الأحباب: وعلى ضوء ذلك، لا بد أن ينتبه حامل القرآن إلى مجموعة من الآداب والأخلاق التي يحرص على أن يتخلق بها ويتأدب بها ومن ذلك:

أن يحقق تقوى الله في السر والعلن؛ فيكون ورعاً في مطعمه ومشربه ومكسبه، وحافظاً للسانه، وأن يصلح ما فسد من أمره بالتوبة، ويتكلم بعلم ومعرفة، ويسكت لفائدة، ولا يكثر من الجدال ولا الخوض فيما لا يعنيه، وأن يحفظ لسانه من الغيبة والنميمة، وألا يكون مبتذلاً في خلقه بكثرة المزاح والضحك، بل لا بد له من الوقار والهيبة والسلوك الحسن بين الناس.

 

لا بد -أيضاً-: أن يكون مبتسماً للناس؛ فيكون طلق الوجه، يشعرهم بالأمان، ويُدخل عليهم السرور، ولا يكتفي بأن ينشرح صدره بحفظه للقرآن؛ بل يشرح به صدور الآخرين، ويفك عنهم الكربات، وليس بالضرورة أن يعطيهم مالاً؛ فكثير من حفاظ القرآن فقراء -ولله الحمد- لكنهم أغنياء بأخلاقهم وبما عندهم من الإيمان والتقوى، فوزّعوا على الناس من هذه الأخلاق ليشعروا بالسعادة كما شعرتم أنتم بها.

 

أيها الأحباب: لا بد أن يكون لحملة القرآن تأثير فيمن حولهم: وهذا فائدة الحفظ والعمل بالقرآن ولا تظن حفظ القرآن شأناً فردياً خاصاً بك، نعم في البداية أنت تريد أن تحفظ لنفسك وترفع به الجهل عن نفسك وتصلح به حالك؛ لكن إصلاح حالك لا بد أن يتطور إلى إصلاح أحوال من حولك.

فالمرتبة العليا ليست في الصلاح وإنما في المصلحين؛ قد تكون صالحاً في نفسك هذا شيء طيب، لكن أن تكون صالحاً في نفسك مصلحاً لغيرك؛ فهذه مرتبة أعلى من الأول؛ فإذا صلح حامل القرآن وأصلح غيره صلح المجتمع كله، وإذا فسد من يحمل القرآن فسد المجتمع، وهنا تكون الخطورة فمن ينتظر منه الناس الصلاح والإصلاح كان فاسداً وسبباً للإفساد؛ وهذا معنى وصف عائشة -رضي الله عنها- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كان خُلقه القرآن"؛ أي: إن أثر القرآن ظاهر على حياته وسلوكه -صلى الله عليه وسلم-.

 

وكذلك من آثار أخلاق حملة القرآن: أنهم يرغّبون الناس في القرآن وفي الاستقامة وفي الدين، بأقوالهم وأفعالهم؛ فأحياناً ندعو إلى الله بألسنتنا وننفّر عن الله بأفعالنا القبيحة؛ فالناس يتأثرون بالفعل أكثر من القول؛ فحملة القرآن يجب أن يكونوا هم المؤثرون في المجتمع؛ فلا تتركوا التأثير في المجتمع للتافهين والناشطين والمشهورين الذين لا أخلاق لهم.

 

-وأيضاً-: يجب على حامل القرآن أن يسعى في الإصلاح ولا يكن منطوياً على نفسه، بل يحاول أن يحل مشكلات من حوله، فالناس يثقون فيكم، يا حملة القرآن؛ فلا تنزووا عنهم فقد يكتب الله لكم من الأجر والفائدة في حل مشكلة في المجتمع أكثر من أجر تلاوة أجزاء من القرآن؛ فلا تتهربوا من حل مشكلات من حولكم ولا تتركوها للسفهاء والفساق؛ فعلى حامل القرآن أن يسعى في حل مشكلات من حوله من أهله، وأقاربه، وجيرانه، لأن الناس يثقون فيه، فالقرآن الذي تحمله به حل للمشكلات؛ فرب مشكلة حلت بتلاوة آية، أو بالتذكير بموعظة، أو بذكر حكم من الأحكام الشرعية.

 

وكذلك على حامل القران: أن يعتني بإصلاح الأخلاق؛ فعلى حامل القرآن أن يحذر من أن يقع في صفاتٍ تُناقض صفات وأخلاق حملة القرآن، حتى لا تشوّه هذه الصفوة المباركة، ويُنفّر عن القرآن؛ والمجتمع الذي يكثر فيه حملة القرآن مجتمع آمن مستقر؛ لأنهم علامة على الصلاح والخير، وفي الحديث: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"؛ ومعنى الحديث: أن المجتمع إذا كان صالحاً لا يهلك، فإذا وجد فيه الخبث وزاد على الصلاح هلك أهله.

 

أيها الأحباب: إن أخلاق حملة القرآن مهمة جداً للمجتمع كله؛ لكن أولى الناس بامتثالها هم من يحفظون القرآن، ثم ينشرون هذا الخلق، وينشرون هذا النور فيمن حولهم، فيكونوا القدوة الحسنة للمجتمع كله؛ فقد يأتيك إنسان لديه قلق واضطراب وأرق، ويجدك منشرح الصدر ساكناً هادئاً؛ فيقول: "لماذا أنت كذا، وأنا كذا؟"، قل له: "عليك بالقرآن": (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء: 82]، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد: 28]؛ وبذلك تكون قد نشرت النور في الناس، وجعلت الناس يشعرون بالراحة والهدوء.

 

عباد الله: لابد أن ندرك أن حملة القرآن هم الأمل في فتح نوافذ التفاؤل بالمستقبل الطيب للأمة؛ لأنهم ينظرون بنور الله، يتدبرون في الآيات الشرعية والكونية؛ فيعطون الناس أملاً وتفاؤلاً في المستقبل، وكم من مشكلات ضاق الناس بها ذرعاً؛ فقال لهم العلماء والصالحون وحملة القرآن: "اصبروا فالفرج قادم"؛ فيأتي الفرج بإذن الله -سبحانه وتعالى-.

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم؛ أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: أخلاق حملة القرآن؛ ليست خياراً نختاره أو لا، بل هي أمانة يجب أن نحملها بصدق وليست من باب الكمالات، بل هي ضرورة يجب أن تقوم بها، وإلا فإنها أمانة ويوم القيامة خزي وندامة.

 

إن الشرف الذي يمنحه القرآن لحملته ليس في عدد الآيات التي يحفظونها فقط؛ وإنما فيما يحفظون وفي السلوك والأخلاق التي يحملونها، ليس الجمال في صوتك، وإن كان جمال الصوت مطلوبا في القرآن، لكن الجمال في عملك وتأثرك بالقرآن، وإذا اجتمع جمال الصوت مع الإخلاص والاستقامة في القلب والجوارح فنور على نور؛ فقد تستمع لقارئ صاحب صوت جميل فتتأثر به؛ فإذا رأيته على سلوك غير حسن؛ فربما لن تتأثر به مرة أخرى؛ فالناس يراقبون السلوك، وأنتم تحت المجهر يا حفظة القرآن وحملته؛ فقد يغضون الطرف عن غيركم، ولكنهم لا يغضون الطرف عن الصالحين وعن حملة القرآن الكريم.

 

كما أن حملة القرآن هم المترجم للقرآن للناس؛ فأنتم -أيها الحفظة لكتاب الله- تمثّلون القرآن الذي تحملونه وتدعون إليه؛ فطوبى لمن حمل القرآن وتخلّق بأخلاقه وسار على دربه وطهر قلبه، ولسانه، وسائر جوارحه، وجعل القرآن أنيسه ورفيقه في السر والعلن.

 

ختاما -أيها المسلمون-؛ لينتبه حامل القرآن لهواه: فإن الهوى يعمي ويصم، وليحذر أن تغلبه نفسه؛ فإن الشهوة لها نزوة؛ ولينتبه من أن يعيش مع الجهل، وقد منحه الله مصادر العلم والمعرفة وهو القرآن؛ فلا يكتفِ بالحفظ، بل ينظر في معاني الآيات، ويقرأ شيئاً من التفسير، ويتدبر ما فيه من الأحكام والفوائد والهدايات.

 

وإياك -أيها الحافظ- من الجهل بالخلق؛ فتكون كثير الغضب أحمق السلوك؛ فإن هذه ليست من صفات حامل القرآن؛ فالقرآن يؤدي إلى السكينة والهدوء والاطمئنان للنفوس والانشراح للصدور، وقد تضعف هذه الصفات عند بعض حملة القرآن لأنهم لا يعتنون بها، وربما اكتفوا بحفظ الحروف دون حفظ الأحكام والعمل.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، ويذكّرنا منه ما نسينا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأن يذهب به غمومنا وهمومنا وأحزاننا، وأن يكون قائدنا ودليلنا إلى جنات النعيم، وأن يقينا من شر الانحراف عن أخلاق القرآن، وأن يقينا شر الأشرار وكيد الفجار، وأن يخلّقنا بأخلاق القرآن، وأن يرزقنا العمل بأحكام القرآن والدعوة إليه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه؛ فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

أخلاق حملة القرآن.doc

أخلاق حملة القرآن.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات