أَنواع الظلم

الشيخ هلال الهاجري

2026-02-06 - 1447/08/18 2026-02-22 - 1447/09/05
عناصر الخطبة
1/حكم القاضي لا يقر أخذ الإنسان ما ليس له 2/عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة 3/نماذج من ظلم الإنسان لنفسه 4/أعظم الظلم الشرك بالله 5/دعوة الظالم إلى التوبة

اقتباس

يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا يَقتَحِمُ الصَّغَائرَ والكَبَائرَ جَمِيعَاً، ثُمَّ لا يَستَغفِرُ اللهَ ويَتُوبُ عَن ذُنُوبِهِ سَرِيعاً، وَقَد أَثنَى اللهُ -تَعَالى- فِي كَتَابِهِ عَلى آدَمَ وحُوَّاءَ، عِندَمَا اعتَرفُوا بالظُّلمِ وأَخلَصُوا لِلهِ الدُّعَاءَ؛ (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: انتَهَتْ الجَلسَةُ، وَحَكَمَ القَاضِي، وَصَدَرَ صَكُّ الحُكمِ، وَخَرَجَ أَطرَافُ القَضيَّةِ مِنَ المَحكَمَةِ، وَانصَرَفَ الشُّهودُ، وأُغلِقَ مَلَّفُ القَضيةِ، أَمَّا القَاضِي فَقَد حَكَمَ بِمَا ظَهرَ إليه، وَقَد قَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّما أنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكونَ أبْلَغَ مِن بَعْضٍ أقْضِي له بذلكَ، وأَحْسِبُ أنَّه صَادِقٌ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أوْ لِيَدَعْهَا"، وَأَمَّا تَفَاصِيلُ القَضيَّةِ الخَفيَّةِ، فَاللهُ -تَعَالى- وَحدَهُ أَعلَمُ بِهَا.

 

لَقَد صَدَرَ الحُكمُ عَلى مَا كَانَ في القَضيَّةِ مِن قَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ، وَعَلَى مَا فِيهَا مِن شُهُودٍ وَتَفصِيلٍ، وَقَد يَكُونُ المُدَّعِي صَاحِبَ ذَكَاءٍ وَجِدَالٍ، أَو قَد أَتَى بِالمُحَامِينَ الجَهَابِذَةِ الأَبطَالِ؛ فَكَسَبَ القَضيَّةَ بَغيَّاً وَعُدوَانَاً، وَأَخذَ حَقَّ أَخيه ِظُلماً وَطُغيَانَاً، فَخَرَجَ المُدَّعَى عَلَيهِ مَظلُومَاً مَقهُوراً، وَخَرَجَ المُدَّعِي ظَالماً مَغرُورَاً.

 

فَهَل انتَهَتِ القَضيَّةُ حَقَّاً، وَقَد ظُلمَ فِيهَا خَلْقَاً؟ وَالجَوَابُ: لا، وَأَلفُ لا؛ أَمَّا فِي الدُّنيا فلا زَالَ المَظلُومُ يَدعُو عَلى ظَالِمِهِ، وَقَد جَاءَ في الحَدِيثِ: "وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".

 

لا تَظلِمَنَّ إذا مَا كُنتَ مُقتَدِرًا *** فَالظُّلمُ تَرجِعُ عُقبَاهُ إلى النَّدَمِ

تَنَامُ عَينُكَ وَالمَظلُومُ مُنتَبِهٌ *** يَدعُو عَلَيكَ وَعَينُ اللهِ لم تَنَمِ

 

كَانَ يَزِيدُ بنُ حَكِيمٍ يَقُولُ: "مَا هِبتُ أَحدًا قَط، هَيبَتي رَجُلًا ظَلمتُه، وَأَنَا أَعلَمُ أَنَّهُ لا نَاصِرَ لَهُ إلا اللهُ، فَقَالَ: حَسبِي اللهُ، اللهُ بَينِي وَبَينِكَ، فَلا إلهَ إلا اللهِ، وَاللهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ تَقشَّعِرُ مِنهَا الأَبدَانُ".

 

وَأَمَّا يَومَ القِيَامَةِ فَهُنَاكَ جَلسةُ استئنافٍ لِبَعضِ القَضَايا، سَتُفتحُ فِيهَا المَلَّفَاتُ وَالخَفَايَا، في مَحكَمَةِ العَدلِ التي لا ظُلمَ فِيهَا؛ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47]، وَسَيُؤتَى فِيهَا بِصَحِيفَةِ الدَّعوَى الحَقِيقِيَّةِ، التي لا كَذِبَ فِيهَا وَلا تَزويرَ، وَتُعطَى لِلمُدَّعي لِيَقرَأَهَا عَلَى رُؤوسِ الأَشهَادِ؛ (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)[الإسراء: 14]، وَالشُّهُودُ يَومئذٍ هُم أَعضَاءُهُ الذينَ لم يُفَارِقُوهُ طَرفَةَ عَينٍ؛ (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النور: 24]، وَهُنَاكَ سَيَصدُرُ الحُكمُ العَادِلُ النِّهَائيُّ في القَضِيَّةِ.

 

أَيَّهَا الأَحِبَّةُ: الظُلمُ أَنواعٌ وأَصنَافٌ كُلُّهَا قَبيحَةٌ ذَمِيمَةٌ، ولَقَد حَرَّمَ اللهُ الظُلمَ وَحَذَّرَ مِن عَواقِبِهِ الأَلِيمَةِ؛ فَقالَ --تَعَالى-- فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا"، وَحَذَّرَ مِنهُ نَبيُّنَا -عَلَيِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فَقَالَ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

 

قَد يَستَشعِرُ الإنسَانُ شَنَاعَةَ الظُّلمِ الوَاقِعِ عَلَى الآخَرِينَ، لَكِن قَد لا يَستَشعِرُ أَنَّهُ أيضَاً ظُلمٌ للنَّفسِ بِتَعَدِّ حُدُودِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ قَالَ -تَعَالى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1]، فَيَسألُ أَحَدُهُم مُتَعَجِّبَاً: وَهَل يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ؟!.

 

والجَوَابُ: نَعَم، يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا لا يُؤَدِّي إليهَا حُقُوقَهَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"، فَهِيَ أَمَانَةٌ مِنَ اللهِ -تَعَالى- للإنسَانِ، فَيَنبَغِي أَن تُحفَظَ الأَمَانَةُ وتُصَانُ، وَمِن أَعظَمِ الحُقُوقِ أَن تَسلُكَ بِهَا دَربَ النَّجَاةِ، حَتى لا تَندَمَ حِينَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا جَاهٌ؛ كَمَا قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[النحل: 118].

 

يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا يَقتَحِمُ الصَّغَائرَ والكَبَائرَ جَمِيعَاً، ثُمَّ لا يَستَغفِرُ اللهَ ويَتُوبُ عَن ذُنُوبِهِ سَرِيعاً، وَقَد أَثنَى اللهُ -تَعَالى- فِي كَتَابِهِ عَلى آدَمَ وحُوَّاءَ، عِندَمَا اعتَرفُوا بالظُّلمِ وأَخلَصُوا لِلهِ الدُّعَاءَ؛ (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف: 23]، وهَكَذَا هُم أَصحَابُ الجَنَّةِ؛ كَمَا قَالَ -تَعَالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران: 135].

 

يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا تَضِيعُ الحَسَنَاتُ والمَغَانِمُ، فِي تَفرِيقِهَا يَومَ القِيَامَةِ عَلى أَصحَابِ المَظَالِمِ، وَاسمَعُوا لِلشَّفِيقِ بِأُمَّتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيه، مِنْ عِرضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قبْلَ أنْ لاَ يَكُونَ دِينَار وَلاَ دِرْهَمٌ؛ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيهِ"، فَالخَلاصَ اليَومَ مِنَ المَظْلُمَاتِ، قَبلَ أَن تَذهَبَ غَدَّاً الحَسَنَاتُ.

 

يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا يُضَيُّعُ الزَّوجَةَ والأولادَ، ولا يَقُودُهم إلى الخَيرِ وَطَاعَةِ رَبِّ العِبادِ؛ كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".

 

يَظلِمُ الإنسَانُ نَفسَهُ عِندَمَا يُفَرِّطُ فِي الوَظِيفَةِ والأَمَانَةِ، تَعطِيلاً لمَصَالحِ النَّاسِ، وَأكلاً لِلحَرامِ وخِياَنَةً؛ وَقَد قَالَ اللهُ -تَعَالى-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال: 27]، وقَالَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ"، فَإيَّاكُم وَظُلمَ أَنفُسِكُم.

 

أَقُولُ مَا تَسمَعُونَ، وَأَستَغفِرُ اللهَ لي وَلَكُم وَلِسَائرِ المُسلِمِينَ مَن كُلِّ ذَنبٍ، إنَّه هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى أَشرَفِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَعَلَى آلهِ وَأَصحَابهِ وَالتَّابِعِينَ، أَمَّا بَعدُ:

 

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: وأَمَّا أَشنَعُ وأَقبَحُ أَنوَاعِ الظُلمِ عَلى الإطلاقِ، هُو أَن تَجعَلَ شَريكَاً لِلهِ الخَالقِ الرَّزَاقِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الأنعام: 82]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالُوا: ‌أَيُّنَا ‌لَمْ ‌يَظْلِمْ ‌نَفْسَهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: (يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13].

 

أَليسَ مِنَ الظُّلمِ أَن يَرزُقَكَ وَأَنتَ فِي بَطنِ أَمِّكَ وحِينَ تَخرُجُ صَغِيراً، ثُمَّ تَطلُبُ الرِّزقَ مِن غَيرِهِ عِندَمَا تَصبِحُ كَبِيراً؟! (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)[فاطر: 3].

 

أَليسَ مِنَ الظُّلمِ أَن يَخلُقَ البَهِيمَةَ، ويُنزِلُ لَهَا المَطَرَ، ويُنبِتُ لَها العُشبَ والشَّجَرَ، ثُمَّ تَذبَحُهَا لِغَيرِهِ مِن وَلِيٍّ أَو قَبرٍ أَو جِنٍّ أَو حَجَرٍ؟! (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)[الأنعام: 136].

 

أَليسَ مِنَ الظُّلمِ أَن يَسألَكَ الدُّعَاءَ الخَالصَ بِقَلبٍ حَاضِرٍ وَيَقِينٍ، ويَعِدُكَ الإجَابَةَ فِي آيَاتِ الكِتَابِ المُبِينِ، ثُمَّ تَدعُو مِن دُونِهِ المَخلُوقَ الضَّعِيفَ المِسكِينَ؟! (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)[الزمر: 38].

 

وَهَكَذَا يُنعِمُ اللهُ -تَعَالى- عَلَيكَ نِعَمَاً لا تُحصِيهَا -أَيَّهَا الإنسَانُ-، ثُمَّ تَكفُرُ ولا تَشكُرُ مَن لَهُ الفَضلُ والإحسَانُ؛ (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[إبراهيم: 34]، فَهَل تَعلَمُونَ ظُلمَاً أَعظَمُ مِن هَذَا الظُّلمِ؟.

 

فَإليكَ يَا مَنْ ظَلَمَ ولا زَالَ، لا يَغُرَّنَّكَ حِلمُ الكَبِيرِ المَتَعَالِ؛ (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)[إبراهيم: 42]، وبَادِرْ بالتَّوبَةِ اليَومَ قَبلَ أَن تَسمَعَ التَّأذِينَ؛ (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[الأعراف: 44].

 

اللهمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الظُّلمِ، اللهمَّ لا تَجعَلنَا مَعَ القَومِ الظَّالمينَ، اللهمَّ ارفَع الظُّلمَ عَنِ المَظلُومِينَ، اللهمَّ انصُرْ كُلَّ مَظلُومٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهمَّ أَصلِحْ أَحوَالَ المُسلِمِينَ في كُلِّ مَكَانٍ، اللهمَّ اجمَعْ قُلُوبَهم عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهمَّ انشُرْ الأَمنَ والاستِقرَارَ في بُلدانِ المُسلِمِينَ، اللهمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَاعصِمنَا مِنَ الظُّلمِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهمَّ مَن أَرَادَ بِلادَنَا وَبِلادَ المُسلِمِينَ بِسُوءٍ، فَأَشغِله بِنَفسِهِ، وَاجعَل كَيدَهُ في نَحرِهِ، اللهمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنَا، وَسَدِّدْ أَقوَالَهم وَأَعمَالَهم، وَلا تَكِلهُم إلى أَنفُسِهِم ولا إلى أَحَدٍ مِن خَلقِكَ طَرفةَ عَينٍ يَا رَبَّ العالمينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

المرفقات

أَنواع الظلم.doc

أَنواع الظلم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات