إذا غاب العدل وقع الظلم

د عبدالعزيز التويجري

2026-02-06 - 1447/08/18 2026-02-23 - 1447/09/06
التصنيفات: بناء المجتمع
عناصر الخطبة
1/موقف زينب بنت جحش في حادثة الإفك 2/من أنواع الظلم وصوره 3/التحير من الظلم الخفي وبيانه 4/الحث على التوبة من الظلم

اقتباس

أتدرون ما الظلم الخفي؟ الظلم المستتر، من يحامي ويدافع ويرافع من يعلمُ أنه لا حق للمطالِب في هذا المال أو القضية شيئاً؛ وإنما دفعه للمرافعة ما يعطى من مال أو نسبة إذا كسبها، في صحيح الإمام البخاري قالت أمُ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-...

الخُطْبَةُ الأُولَى: 

 

الحمد لله الولي الحميد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو العرش المجيد، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن تبعهم بإحسان على يوم الدين.

 

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[المائدة: 8]

 

لما رُميت الصديقةُ في الإفكِ وتأخرَ الوحيُ، وضاق الامرُ على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: "فكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟"، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، والله مَا عَلِمْتُ على عائشة إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ".

    

بعضُ المعادنِ قد غلت أثمانُها *** ما خالصُ الإبريزِ كالفخارِ

بين الخلائقِ في الخلالِ تفاوتٌ *** والشهدُ لا ينقاسُ بالجمارِ

 

فمن تقول من النساءِ لمن تساميها في المنزلةِ عند زوجِها أو من قريناتها: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا أعلم عن فلانة إِلَّا خَيْرًا؟ من يحتمي بالورعِ لا يقع في ظلم التشفي والتنقص؛ ليرتفع منزلة أو يحظى بجاهٍ؟ فينصف في كلامه ورأيه، فلا يقول عن قرينهِ في العملِ أو المنصبِ: "أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا أعلم عن فلانٍ إِلَّا خَيْرًا".

 

يقع الظلم بين الزوجين إذا ظهرت الأنانية، وأحضرت الأنفس الشح، ونُسي الحق، وقع الإضرار، وجرى الافتراء؛ (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)[الأنعام: 152]، الظلم لا يقع إلا إذا غاب العدل في النفوس، فمن لم ينصفك في كلامه لا ينصفك في مالك. 

 

لن يدرك المجد أقوام ذوو كرم *** حتّى يذلّوا وإن عزوّا لأقوام

 

العدل من النفس والرحمة للناس عزٌّ وشهامة، ورفعة وكرامة، والظلم والبغي ذلٌ ومهانة، وفي الآخرة نار وخسارة، ولو رآه الناس دهاءٌ شجاعة.

     

فكم قد رأينا ظالماً متكــــــبراً *** يرى النجم تيهاً تحت ظل ركابه

فلما تمارى واستطال بجــــــوره *** أناخت صروف الحادثات ببابه

فلا فضة تحميه عند انفضاضه *** ولا ذهب يثنيه عند ذهابـــــــه

 

وصدق الله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[البقرة: 270]، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)[الحج: 71]، لا يتجاسر عبد على الظلم والبغي إلا من انتزعت من قلبه الرحمة ومن يده الإحسان، فلا يرحم من يظلم، ولا يحسن من يبغي ويتجبر.

 

فكيف يرحم ويحسن من تضخمت أمواله من الاحتيال على من دونه في الحجة والبرهان، والقوة والسلطان، ورأى ذلك دهاء وذكاء؟! (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه: 111]، خاب سعيه؛ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[البقرة: 258]، وخاب مصيره؛ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)[الشعراء: 227].

 

لا تُنـجي كثرةُ السجدات والركعات، والطواف بالبيت والوقوف بعرفات، من كان لأموال العباد آكلاً، ولحقوقهم جاحداً، ولظلمه متأولاً بتنميته إن كان وراثاً أو قاصراً، قال -عليه الصلاة والسلام-: "يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا"(أخرجه البخاري).

 

(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[الشورى: 42]؛ أي بغي أشدُ على قريب من صغار أو نساء أن يؤكل مالهم، أو يُحرم حقهم بسبب وكيلٍ جائر ووصي جشع.

 

يُظلم الناسُ بتأخير معاملاتهم، أو تعقيد إجراءاتهم ومصالحهم، أو استيفاء ما عليهم وبخس مالهم؛ (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)[المطففين: 1 - 3].

 

أتدرون ما الظلم الخفي؟ الظلم المستتر، من يحامي ويدافع ويرافع من يعلمُ أنه لا حق للمطالِب في هذا المال أو القضية شيئاً؛ وإنما دفعه للمرافعة ما يعطى من مال أو نسبة إذا كسبها، في صحيح الإمام البخاري قالت أمُ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: سمعت النبيَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يقول: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ".

 

 

لا يغتر من وجد من ظلمه واحتياله وتأويله سعة في المال وانبساطا في الحياة، فإن هذا متاع قليل، وفي الآخرة عذاب شديد؛ (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)[الزخرف: 65]، و"مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ؛ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"(متفق عليه).

 

وما من يدٍ إلاّ يد الله فوقها *** وما ظالمٌ إلاّ سيبلى بظالم

 

أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات، فاستغفروه إن ربي رحيم ودود.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، وصلى الله وسلم على الرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليما كثيرا.

 

وأعظم الظلم وأشنعه أن تظلم في حق الله وما تفرد الله به، فتجعل لله شريكاً في خلقه أو تدبيره أو عبادته؛ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13]، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الزمر: 65]، والتفريط في حق الله ظلمٌ للنفس؛ (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1].

 

والرحمة منجاة من الظلم وموجبة للجنة، فمن رحم نفسه قادها للطاعات وكفها عن المعاصي والموبقات، وشهر رمضان قرب إهلاله وتلألأت أنواره، فمن أراد النجاة والمغفرة والرحمة فليتحلل من مظالمه ويرد الحقوق إلى أهلها، لعل الرحمة تصيبه، والمغفرة تغمره، والملائكة تحفه؛ "فإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"(أخرجه مسلم).

 

اللهم بلغنا رمضان على أحسن حال، وأعنا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، اللهم خلصنا من مظالم العباد، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، اللهم آمنا في دورنا وأوطاننا، ومن أراد بهذه البلاد وأهلها ونسائها سوء فأشغله، اللهم أصلح ولاة أمورنا واجعلهم نصرة لهذا الدين حربا على المفسدين.

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.

 

المرفقات

إذا غاب العدل وقع الظلم.doc

إذا غاب العدل وقع الظلم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات