عناصر الخطبة
1/أهمية التاريخ الهجري 2/سر عظمة التاريخ الهجري 3/خصائص التاريخ الهجري ومميزاته 4/دوافع وأسباب التمسك بالتاريخ الهجري 5/الثناء على التاريخ الهجرياقتباس
كل عام هجري جديد ليس تكرارًا لما مضى، بل وعدٌ متجدد بأن رسالة الإسلام باقية، وأن هذا الدين باقٍ ما بقيَ الليل والنهار، وأن القرآن والسُّنة هما دستور هذه الأمة عبر العصور والدهور والأزمان، وأن نور القرآن والسنة لا يخبو مهما طال الليل، وخيَّم الظلام....
الخطبة الأولى:
الحمد لله....
يمثل التاريخ الهجري أكثر من كونه وسيلةً لعدِّ الأيام والسنين؛ فهو رمز لهُوية الأمة الإسلامية وذاكرتها الحضارية، انطلق هذا التقويم من حدث عظيم هو هجرة النبي -صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-، من مكة إلى المدينة، وهذا التاريخ الهجري هو حدثٌ جسَّد معانيَ التضحية، والصبر، وبناء الدولة، ونصرة الحق.
التاريخ الهجري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعبادات والشعائر الإسلامية؛ مثل: الصيام في رمضان، والحج في ذي الحجة، وصيام يوم عاشوراء في محرم، مما يجعله تقويمًا حيًّا يتفاعل معه المسلم في عبادته وسلوكه طوال العام، كما أن اعتماده على حركة القمر، يذكِّر المسلم بعظمة الكون ودقة النظام الذي أودعه الله فيه.
كما أن عظمة هذا التاريخ الهجري تتمثل في بساطته وثبات معناه، فهو يربط الزمن بالقِيم، ويجعل من كل عام فرصةً لتجديد الإيمان واستحضار دروس السيرة والتاريخ الإسلامي؛ لذلك يبقى التاريخ الهجري شاهدًا على عمق الحضارة الإسلامية واستمرارها عبر القرون.
إن التاريخ الهجري هو نبضُ أمةٍ كتبت مسيرتها بالإيمان، وسطرت فصولها بالتضحية والصبر، إن تاريخنا الهجريَّ وُلِدَ من الهجرة، تلك اللحظة التي انتصر فيها المعنى على المكان، والعقيدة على الخوف، فصار الزمن شاهدًا على بداية نهضةٍ غيَّرت وجهَ العالم.
في صفحات ذلك التاريخ تسير القِيَم جنبًا إلى جنب مع الأيام، وتتعاقب الشهور والسنون وهي تحمل في طيَّاتها ذكرى رجال ونساء صنعوا المجدَ، حين آمنوا بالله وصدَّقوا برسالة الصادق الأمين -عليه صلوات الله وسلامه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.
فكل عام هجري جديد ليس تكرارًا لما مضى، بل وعدٌ متجدد بأن رسالة الإسلام باقية، وأن هذا الدين باقٍ ما بقيَ الليل والنهار، وأن القرآن والسُّنة هما دستور هذه الأمة عبر العصور والدهور والأزمان، وأن نور القرآن والسنة لا يخبو مهما طال الليل، وخيَّم الظلام.
إن عظمة التاريخ الهجري تكمن في كونه ذاكرةَ روحٍ، لا سجلَ أرقام؛ إن تاريخ أمتنا؛ التاريخ الهجري، ليس في كونه أرقامًا تسجَّل، ولا شهورًا تتعاقب، بل في روحه التي تنبض بمعاني الإيمان، وفي جذوره الضاربة في قلب الرسالة الربانية التي بُعث بها خير البرية محمد بن عبدالله -صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.
إن تاريخ أُمتنا؛ التاريخ الهجري تقويمٌ استُخلص من حدث عظيم غيَّر مجرى التاريخ؛ إنه حدث الهجرة النبوية الذي نقل الأمة المحمدية من ضيق الاضطهاد إلى سَعة البناء، ومن الضعف إلى قيام دولةٍ، أساسها العقيدة الصحيحة والمنهج القويم، والسلوك الفريد، وتحقيق العبودية الحقة والتامة لله -تعالى-، وإقامة النظام الإسلامي الذي مصدره ومرجعه كتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله -صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-، وتحقيق العدل، ومحاربة الظلم، ونشر القيم الإسلامية في أوساط المجتمعات.
التاريخ الهجري زمنٌ يتحرك على ضوء القمر، كأنه يعلِّم الإنسان أن يسير في حياته على هُدى القرآن والسنة، بالتاريخ الهجري تُضبط العبادات، وتُستحضر الطاعات، فيصبح الوقت عبادةً، واللحظات قُربى إلى رب الأرض والسماء، فرمضانُ ليس شهرًا فحسب، بل موسم صفاء، وذو الحجة ليس أيامًا معدودة، بل نداء وحدة يتردد في أرجاء الأرض.
في كل هلال جديد يُطِلّ على هذه الأرض، تتجدّد الذاكرة، ويُستدعى التاريخ حيًّا نابضًا، يُذكِّر الأمة بمن تكون، ومن أين بدأت، وإلى أيّ غاية تسير، إنه تقويم هُوية، وسجل حضارة، وشاهد صدقٍ على رسالة خالدة لا يحدُّها زمان، ولا يُطفئ نورَها تعاقبُ السنين.
إن التاريخ الهجري هو ذاكرة أُمَّة بدأت بالهجرة، حين تحول الإيمان إلى فعل، واليقين إلى طريق، إن تاريخنا الهجري هو شاهد على أن التغيير يولَد من التضحية، وأن البدايات العظيمة قد تنطلق من أصعب اللحظات.
في كل عام هجري نتذكر أن الزمن في الإسلام رسالة، وأن السَّير إلى الله هو أعظم رحلة في التاريخ، إن هذه الأمة تتميز بتاريخها الهجري؛ لأن هذا التاريخ مرتبط بهُويتها الدينية والحضارية، وله أسباب عميقة؛ منها:
1- ارتباطه بالهجرة النبوية.
2- دلالة التاريخ الهجري دلالة روحية، بخلاف كثير من التقاويم التي ترتبط بملوك أو أحداث دنيوية، أما تاريخنا الهجري فإنه مرتبط بتضحية وإيمان ورسالة، مما يعكس القيم الإسلامية؛ حيث جعل الإسلام التاريخ الهجري أساسًا للعبادات؛ مثل:
• الصيام (رمضان).
• الحج.
• الزكاة.
• العِدَد والكفَّارات.
قال -جل جلاله-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)[التوبة: 36].
3- توحيد الأمة عبر الزمن؛ حيث إن التاريخ الهجري يربط المسلمين في كل مكان وزمان بتوقيت واحدٍ، وشعائر مشتركة، مهما اختلفت بلدانهم وثقافاتهم.
4- التاريخ الهجري فيه حِفظ للهُوية الإسلامية؛ حيث يذكِّر المسلمين بتاريخهم ورسالتهم، ويمنع الذوبان الكامل في التقاويم والثقافات الأخرى.
فالمسلم متميز في عقيدته، ومتميز في أخلاقه وسلوكه، ومتميز في منهجه، ومتميز في أداء عبادته لربه، ومتميز في أداء الحقوق التي عليه، فحضارتنا قائمة على أصول الإيمان، ومستمَّدة من القرآن والسُّنة، ومن أساسيات حضارة هذه الأمة، إقامة العدل ومحاربة الظلم، وصبغ الحياة كل الحياة بكلمة التوحيد: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.
إن أول من أقرَّ واعتمد التاريخ الهجري هو الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فعلى هذه الأمة أن تعتز بدينها وإسلامها، وكتاب ربها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وألَّا تنصهر في ثقافات أُمم الضلال، وأن تكون هذه الأمة متميزة في عقيدتها، وأخلاقها، وتعاملاتها، وفي كل شؤون الحياة؛ (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[محمد: 38].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
أما بعد: فلقد حظي التاريخ الهجري بتقدير كبير من العلماء والمؤرخين والمفكرين المسلمين؛ لأنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسلام، وبتنظيم حياة المسلمين الاجتماعية والدينية؛ يقول المؤرخ ابن خلدون عن التقويم الهجري: "هو تقدير زمني فريد يميز الأمة الإسلامية، لأنه يربط الأحداث بذكرى الهجرة النبوية التي تعتبر نقطةَ تحول مركزية في تاريخ الإسلام".
ويقول المؤرخ الكبير الإمام الذهبي مادحًا التاريخ الهجري؛ لكونه مرتبطًا بالهجرة النبوية، وقال -رحمه الله- إنه: "عمدة الأمة في حساب السنوات"؛ لأنه يجمع بين الدلالة التاريخية والدينية، ويجعل لكل حدث تاريخًا دينيًّا متصلاً بالوعي الإسلامي.
وقال الآمدي في كتابه التفسير والتاريخ: "إن اعتماد المسلمين على السنة الهجرية يُعطي الأمة وحدةً زمنية"، ويُظهر حرص الأمة على تنظيم حياتها وفق حدثٍ محوريٍّ في تاريخها؛ وهو الهجرة.
أما المؤرخون المعاصرون فيشيرون إلى أن التقويم الهجري ليس مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، بل هو أداة تربط المسلمين بماضيهم وتراثهم، وتذكِّرهم بالقيم الإسلامية؛ مثل الهجرة، والصبر، والتضحيات.
الثناء على التاريخ الهجري يتركز حول كونه رمزًا للوحدة الإسلامية، ووسيلة لتقدير الأحداث التاريخية بدقة ووعيٍ، وربطًا دائمًا بين الحياة اليومية والمسار الديني للأمة.
لقد تحدثنا عن هذا الموضوع تحت عنوان: "التاريخ الهجري عنوان هذه الأمة"؛ لأن هذه الأمة لها خصوصياتها، وتتميز عن غيرها من الأمم، فهي أُمة حباها الله بفضائلَ عديدة، وميزات متعددة؛ حيث جعلها الله -تعالى- أمة وسطًا، وجعلها خير أمة أُخرجت للناس، وجعلها شاهدة على غيرها من الأمم، وحفظ الله -تعالى- دستورها "الكتاب والسنة": (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9]، ضاعف الله لهذه الأمة الأجر والثواب، وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة من أهل التوحيد، وأكرمها الله -تعالى- بخير الرسل وخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله، -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.
وها نحن نرى ونشاهد ملياراتٍ من البشر من غير المسلمين يحتفلون زورًا وبهتانًا بما يسمى لديهم "بعيد رأس السنة الميلادية"، ويسمونه "الكريسمس"، وفي احتفالاتهم هذه يُجسّدون صور الشرك بالله، ويدعون كذبًا وزورًا وبهتانًا أن لله ولدًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا)[الكهف: 5]، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)[التوبة: 30]، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، فلا يجوز لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقرَّ أولئك النصارى على شركهم وكفرهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
على المسلمين أجمعين أن يعتزوا بدينهم وإسلامهم ومقدساتهم، ومن مقدساتنا نحن أهل الإسلام: القرآن الكريم كلام رب العالمين، والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، والكعبة المشرفة، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وشخص وذات الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
ومن مقدساتنا تعظيم الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا، التعظيم المشروع الذي وردت نصوصه في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، وتعظيم زوجات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين أمهاتِ المؤمنين -رضي الله عنهن جميعًا- بما جاء في الوحيين، وكذلك احترام تراث هذه الأمة من كتب أهل العلم الثِّقات التي أُلفت في العقيدة والحديث، والفقه والتفسير، وسائر فنون العلم، وحفظ مكانة العلماء الثِّقات الذين يعملون بمنهج الكتاب والسنة.
هذه الأمة هي أمة الطُّهر والنَّقاء، أمة الخير والحقِّ والعدل، أمة التوحيد والعقيدة الصحيحة على ما كان عليه رسول الله، -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-، وعلى ما كان عليه أصحابه -رضي الله عنهم جميعًا-، أمة تُعظِّم الله، وتعظم ما عظَّمه الله، وتعتز بدينها وكتاب ربها وسنة نبيها -عليه الصلاة والسلام-، أمة شهِد الله لها من فوق سبع سماوات: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آل عمران: 110]، وأثنى عليها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين- بقوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وشهد لها عدوُّها قبل صديقها.
العالم ينتظركم أن تبلِّغوا دين الله -تعالى-، وأن تنقلوا إليهم منهجَ الله الخالد المحفوظ: كتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله، -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.
علِّموا الأجيال كتاب الله وسُنة رسوله، واغرسوا في قلوبهم حب الله وحب رسوله، وحب القرآن الكريم وحفظه، وحب السنة المطهرة وتعليمها، وحكِّموا الوحيين في حياتكم، وكونوا قدوات صالحة لهذه البشرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آل عمران: 110]، وإلا (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[محمد: 38].
ألا وصلوا وسلِّموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم