عناصر الخطبة
العناصر 1/تحذير من اتباع سبيل الكفار أو التشبه بهم 2/أقسام التشبه بالكفار وشروط ما أجازه العلماء 3/بعض مظاهر التبعية المحرمة 4/حكم مشاركة الكفار أعيادهم أو تهنئتهم؟اقتباس
إنَّ اللـهَ -سبحانه- قد أغنى المسلمينَ، وأنعمَ عليهم بشريعةٍ كاملةٍ شاملةٍ لكلِ مصالحِ الدِّينِ والدنيا، والإسلامُ مستقلٌ في شريعتِه منفردٌ في أخلاقِه ومبادئِه، ومن أعظمِ مقاصدِه تمييزُ الحقِّ وأهلِه عن...
الخطبة الأولى:
الحَمْدُ للـهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَرْشَدَهُ بِالوَحْيِ الحَكِيمِ إِلَى نَبْذِ التَّقْـلِيدِ العَقِيمِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللـهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مَا يَدْعُو إِلَى استِقْلالِ الفِكْرِ وَاتِّبَاعِ السُّـلُوكِ القَوِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، نَهَى عَنِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الجَزَاءِ.
أما بعد: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّـهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّـهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟".
آفةٌ تغَلغَلتْ في أَوساطِ بعضِ أفرادِ المُجتمعِ خاصةً عِندَ شبابِها وشاباتـِها، هي علامةُ وَهنٍ وضَعفِ شَخصيَّةٍ، بلِ هي أَمارةٌ على هزيمةٍ نفسيةٍ وفقدٍ للهويةِ، إنَّها آفةُ التَّبعيةِ المذمومةِ والتَقليدِ الأعمى، والاقتداءِ بالسفهاءِ والسَّاقطينَ من الرِّجالِ أو النِّساءِ.
عباد الله: إنَّ اللـهَ -سبحانه- قد أغنى المسلمينَ، وأنعمَ عليهم بشريعةٍ كاملةٍ شاملةٍ لكلِ مصالحِ الدِّينِ والدنيا، والإسلامُ مستقلٌ في شريعتِه منفردٌ في أخلاقِه ومبادئِه، ومن أعظمِ مقاصدِه تمييزُ الحقِّ وأهلِه عن الباطلِ وأهلِه وبيانُ سبيلِ الهدى والسنةِ والدعوِة إليه، وكشفُ سبيلِ الضلالةِ والتحذيرِ منه.
ولقد نهى اللهُ الأمةَ المؤمنةَ المسلمةَ عن اتباعِ سبيلِ الكافرينَ من اليهودِ والنصارى والمشركينَ وغيرِهم؛ فنهاهم عن التشبُّهِ بهم، وعن تقليدِهم، وعن التبعيَّةِ لهم في مواضعَ كثيرةٍ من الكتابِ الحكيمِ؛ فقال: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)[المائدة:49]، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)[الأحزاب: 1].
وتقليدُ الكفارِ والتشبُّهُ بهم من أعظمِ صورِ الطاعةِ لهم؛ وكان -صلى الله عليه وسلم- يُحذِّرُ من متابعةِ أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، ويأمرُ بمخالفتِهم في جميعِ أحوالِهم في العقائدِ والعباداتِ والعاداتِ والمعاملاتِ والآدابِ والسلوكِ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "خَالِفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى"(رواه البخاري).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ"(رواه البخاري ومسلم)، وحذَّر -صلى الله عليه وسلم- من التشبُّهِ؛ فقال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"(رواه أبو داود)، أي تزيَّى في ظاهرِه بزيِّهم، وسار بسيرتِهم وهديِهم في ملبسِهم وبعضِ أفعالِهم؛ قال أهلُ العلمِ: وهذا الحديثُ أقلُّ أحوالِه أن يقتضيَ تحريمَ التشبُّهِ بهم؛ كما في قولِه -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)[المائدة: 51].
عباد الله: إنَّ المخالفةَ للكفارِ فيما أُمرَ المسلمونَ فيه بالمخالفةِ مصلحةٌ في الدينِ، وإبقاءٌ عليه، وحفظٌ له من أسبابِ الانحلالِ، كما أن الموافقةَ فيما نُهي عن الموافقةِ فيه مضرَّةٌ بالدينِ، وإهانةٌ للأمةِ، وشعورٌ بالضعفِ والذلةِ، والتبعيةِ والدونيةِ، وموقِعةٌ في أسبابِ الانحلالِ، مع ما فيها من إظهارٍ لأديانِهم الباطلةِ ومعتقداتِهم الفاسدةِ، والمغلوبُ مولعٌ بتقليدِ الغالبِ.
والتشبُّهُ بالكفارِ على قسمينِ:
القسمُ الأولُ: التشبُّهُ المحرَّمُ، وهو فعلُ ما هو من خصائصِ دينِ الكفارِ مع علمِه بذلك، ولم يرد في شرعِنا؛ فهذا محرَّمٌ، وقد يكونُ من الكبائرِ، بل إنَّ بعضَه يصيرُ كفرًا بحسبِ الأدلةِ، سواءٌ فعلَه الشخصُ موافقةً للكفارِ، أو لشهوةٍ، أو لشبهةٍ تُخيَّلُ إليه أنَّ فعلَه نافعٌ في الدنيا والآخرةِ، والجاهلُ في هذا لا يأثمُ لجهلِه، لكنَّه يُعلَّمُ؛ فإن أصرَّ فإنَّه يأثمُ.
يقولُ ابنُ عثيمين -رحمه الله-: إذا فعل فعلًا يختصُّ بالكفارِ؛ فيكونُ متشبِّهًا بهم، سواءٌ قصد بذلك التشبُّهَ أم لم يقصد، وكثيرٌ من الناسِ يظنُّ أنَّ التشبُّهَ لا يكونُ إلا بالنيةِ، وهذا غلط؛ لأنَّ المقصودَ هو الظاهر.
القسمُ الثاني: التشبُّهُ الجائزُ، وهو فعلُ عملٍ ليس مأخوذًا عن الكفارِ في الأصلِ، لكنَّ الكفارَ يفعلونَه -أيضًا-؛ فهذا ليس فيه محذورُ المشابهةِ، والتشبُّهُ بأهلِ الكتابِ وغيرِهم في الأمورِ الدنيويةِ لا يُباحُ إلا بشروطٍ:
منها: ألا يكونَ هذا من تقاليدِهم وشعائرِهم التي يتميَّزونَ بها، وألا يكونَ ذلك الأمرُ من شرعِهم، ويثبتُ ذلك أنه من شرعِهم بنقلٍ موثوقٍ به، مثلُ أن يُخبرَنا اللهُ -تعالى- في كتابِه، أو على لسانِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، أو بنقلٍ متواترٍ.
وألا يكونَ في شرعِنا بيانٌ خاصٌّ لذلك؛ فأمَّا إذا كان فيه بيانٌ خاصٌّ بالموافقةِ أو المخالفةِ استُغنيَ عمَّا سواه بما جاء في شرعِنا، وألا تؤدِّي هذه الموافقةُ إلى مخالفةِ أمرٍ من أمورِ الشريعةِ، وألا تكونَ الموافقةُ في أعيادِهم، وأن تكونَ الموافقةُ بحسبِ الحاجةِ المطلوبةِ ولا تزيدَ عنها.
عباد الله: من مظاهرِ التبعيَّةِ لشرِّ البريَّةِ مشابهتُهم في أعيادِهم الموسميةِ؛ فقد كان لأهلِ الجاهليةِ يومانِ في السنةِ يلعبونَ فيهما؛ فلما قدمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ قال: "قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الْأَضْحَى"(رواه أبو داود).
فالعيدُ قضيةٌ عقديةٌ، وتخصيصُ أزمنةٍ بأعيادٍ حوليةٍ ليس إلا لربِّ البريَّةِ، وهذه الأعيادُ من أخصِّ ما تتميَّزُ به الشرائعُ، والمسلمون قد تميَّزوا بدينِهم وعيدِهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا"(رواه البخاري ومسلم).
والأعيادُ في الإسلامِ شعيرةٌ وعبادةٌ، لا تقبلُ التحريفَ والزيادةَ، وهي أعيادُ شكرٍ وذكرٍ لا غفلةٍ ولا شركٍ ولا كفرٍ؛ (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ)[الحج: 34].
والأعيادُ من جملةِ الشرعِ والمناهجِ والمناسكِ؛ بل هي من أخصِّ ما تتميَّزُ به الشرائعُ، ومن أظهرِ ما لها من الشعائرِ؛ (ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32].
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أما بعد:
عباد الله: من أعيادِ الكفارِ عيدُ الكريسماس، ورأسُ السنةِ الميلاديةِ، وهو الذي يحتفلُ فيه النصارى بميلادِ المسيحِ، الذي يزعمون أنه الربُّ أو ابنُ الربِّ، -سبحانه- وتعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
ولقد أجمع الصحابةُ الأخيارُ على إنكارِ أعيادِ الكفارِ. يقول عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله عنه-: "اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي عِيدِهِمْ؛ فَإِنَّ السُّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ"، وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: "مَنْ صَنَعَ مَهْرَجَانَهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ حُشِرَ مَعَهُمْ".
ومن شاركَ الكفارَ في أعيادِهم ولو بالتهنئةِ؛ فقد ألقى بدينِه إلى التهلكةِ؛ قال أهلُ العلمِ: أمَّا التهنئةُ بشعائرِ الكفرِ فحرامٌ بالاتفاق، مثل أن يُهنِّئهم بأعيادِهم؛ فيقول: "عيدٌ مباركٌ عليك"، أو "تهنأ بهذا العيد"، ونحوَ ذلك؛ فهذا إن سلمَ قائلُه من الكفرِ فهو من المحرَّماتِ، وهو بمنزلةِ أن يهنِّئه بسجودِه للصليبِ؛ بل ذلك أعظمُ إثمًا عند الله من التهنئةِ بشربِ الخمرِ وقتلِ النفسِ.
وقال ابنُ عثيمين -رحمه الله-: تهنئةُ الكفارِ بعيدِ الكريسماس إقرارٌ لما هم عليه من شعائرِ الكفرِ، وإجابةُ دعوتِهم بهذه المناسبةِ أعظمُ من تهنئتِهم، ويحرُم إقامةُ الحفلاتِ، أو تبادلُ الهدايا، أو التهنئةُ بالشعائرِ الدينيةِ؛ كأعيادِهم التي تكونُ على رأسِ السنةِ الميلاديةِ.
واستعمالُ الشعاراتِ المصاحبةِ لذلك العيدِ، كاتخاذِ شجرةِ الميلادِ وغيرِها من الطقوسِ والرموزِ، تشبُّهٌ بالنصارى في أخصِّ أعيادِهم، ولو لم يقصد بذلك إلا المرحَ؛ لأنَّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصدِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"(رواه أبو داود).
عباد الله: إنَّ المؤمنَ لا يقولُ الزورَ ولا يشهدُ الزورَ، وأيُّ زورٍ أعظمُ من الافتراءِ على الله بأنَّ له ولدًا؛ (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)[الفرقان: 72].
فاعتزَّ -عبدَ الله- بإيمانِك وشريعتِك، وإيَّاك وأعيادَ أعداءِ الله؛ فلا كريسماس ولا رأسَ سنةٍ، بل أنت مسلمٌ موحِّدٌ متَّبعٌ، تعتقدُ حقًّا بقولِ الله -تعالى-: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)[الإخلاص: 1–4].
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم