الزواج النبوي

د عبدالعزيز التويجري

2026-01-23 - 1447/08/04 2026-02-01 - 1447/08/13
عناصر الخطبة
1/الترغيب النبوي بالزواج للشباب 2/نماذج من زواج الجيل الذي تربى بين يدي محمد 3/الحث على التأسي بالأسوة الكاملة والقدوة الحسنة في الزواج.

اقتباس

الزواجُ النبوي لا يحتاج إلى وظيفةٍ مرموقة، ولا إلى تخرُّجٍ من جامعة؛ إنَّما يحتاج إلى خُلُقٍ راقٍ ودينٍ قويم؛ زوَّجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا؛ فلم يسأله عن شهادته ولا منصبه ولا دخله...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وجعلَ لكلِّ شيءٍ قدرًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلى، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُه، -صلى الله عليه وسلم- وباركَ عليه وعلى آله وأصحابِه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: ١].

 

عباد الله: الأسرةُ عمادُ المجتمع، والأسرةُ منطلقُ الإحسان والكرم، ومنبعُ الفضائل والشيم.

 

أُسَرٌ لها فوقَ السماءِ أَسِرَّةٌ *** ولِطِفْلِها الحابي هناكَ مُهودُ

قومٌ أقاموا سوقَ كلِّ فضيلةٍ *** كَسَدَتْ وقاموا والأنامُ قعودُ

 

بإنشاء هذه الأسر الصغيرة يروج سوقُ الفضيلة، وتنحسر في المجتمعات الرذيلة؛ إنَّ المؤمن ليستبشر حين تظهر السُّنَّة، وتُعلن الفضيلة، ويجتمع شملُ الأسرة.

 

تحيَّةُ إجلالٍ وإكبارٍ لشبابٍ استجابوا نداءَ رسولهم -صلى الله عليه وسلم- حين ناداهم باسمهم فقال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وأخرى لفتياتٍ عرفن طريقَ العفَّة والحشمة، وبناءَ المستقبل ببيتٍ يرفل بالأنس والنماء، والسعادة والصفاء؛ فامتثلن قولَ المعصوم -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رواه الترمذي).

 

قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إذا بلغتِ الجاريةُ تسعَ سنين فهي امرأة"؛ وزوَّجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ابنته سيِّدةَ نساءِ الجنَّة بعليِّ بن أبي طالب على درعه الحُطَمية؛ أترونَ هذا زهدًا بابنته؟ أو تحطيمًا لمستقبلها؟ كلا وربِّي، بل هذه نظرةُ العظماء الكبار العقلاء، ممَّن يرون الزواجَ مشروعَ حياة، وبناءَ مستقبلٍ تُصنع من خلاله الأجيال، وأنَّ البيوت تُبنى بالمعاني لا بالمباني. يُعلِّم أُمَّته أنَّ الزواجَ ليس معاوضاتٍ مالية، وإنَّما ميثاقٌ غليظ، وليس مباهاتٍ أُسَرية، وإنَّما مشروعُ حياة. الحياةُ بسيطةٌ عند العظماء، عظيمةُ القدر عند البسطاء.

 

وخلفهم أُناسٌ يرونه مباهاتٍ أُسَرية، ومفاخرةً اجتماعية، وأصبح في ظلِّ هذه الآصار التي فرضها الناس على أنفسهم طريقُ الحرام أيسرَ من الإعفاف بالحلال.

 

لا نتجاهل انفتاحَ وسائل التواصل في تسهيل الحرام وتأجيج الشهوات وضعف الرقابة؛ فيا ليت العقلاء يدركون أنَّ تعقيدَ أمر الزواج، وكثرةَ اشتراطاته لكلا الجنسين عملٌ غير صالح، ونذيرُ شؤمٍ يهدِّد المجتمع، وأنَّ العنوسة وتأخُّر سنَّة الزواج والعزوف عنه إذا استفحل؛ فإنَّه نذيرُ فواحش، وعلاقاتٍ غير مشروعة بين عناصر المجتمع.

 

وزوَّجَ عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- ابنه عبدَ الله في الثامنة عشرة من عمره، وتزوَّج أسامةُ بن زيد في السادسة عشرة من عمره، وتزوَّج جابرُ بن عبد الله قريبًا من ذلك، قال ابن حجر: "ولم يكن بين عبد الله بن عمرو وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة".

 

وعن زيد بن أسلم قال: قال عمرُ بن الخطاب: "زوِّجوا أولادكم إذا بلغوا، لا تحملوا آثامهم"؛ هذا في زمنٍ لا تُرى فيه النساء في الشاشات، ولا المتبرِّجات في الطرقات؛ الزواجُ النبوي لا يحتاج إلى وظيفةٍ مرموقة، ولا إلى تخرُّجٍ من جامعة؛ إنَّما يحتاج إلى خُلُقٍ راقٍ ودينٍ قويم؛ زوَّجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا؛ فلم يسأله عن شهادته ولا منصبه ولا دخله الشهري، قال له: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ" قال: لا، قال: "اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فذهب ثم رجع، فقال: ما وجدتُ شيئًا، فقال له: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" قال: معي سورةُ كذا وكذا، قال: "فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"(رواه البخاري).

 

فما بالُ أناسٍ من قومنا تبلغُ البنتُ عندهم قريبَ سنِّ العشرين، ويُلقى في روعها وحسِّها بأنَّها صغيرة لا تعرف شيئًا، والله قد كلَّفها بأحكام الإسلام الكبار، وخلق فيها الغريزة؛ سواءٌ علَّمناها أم تجاهلناها؛ وما ظهرت العلاقات غير الشرعية، والبحثُ عن تفريغ الغريزة الشخصية؛ إلا بتجاهل الأهل ضرورتها للبنت والشاب؛ فهي نارٌ تحرق إذا تعقَّد وتأخَّر طريقها الشرعي؛ وقد صدق رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ونصحنا بقوله: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رواه الترمذي).

 

أتدرون ما الفساد العريض؟ أن يصل الشابُّ إلى الحرام دون ديونٍ يتحمَّلها أو اشتراطاتٍ يكون رهينها، وأن تزلَّ قدمُ الفتاة بالرذيلة وقد حُرمت من العفاف من أجل إكمال دراسةٍ أو وظيفة.

 

لم يضعِ اللهُ الغريزةَ الفطرية؛ ليُعنِي بها أبناءَ الفقراء، ويسعدَ بها الأغنياء؛ بل هي فطرةٌ فطر الله الناس عليها، يحصل إعفافُها باليسير.

 

وحين يفشو مجاراةُ الآخرين؛ تتصعَّب الأمور، وحينها يُقتل العفاف، وتوأد الفضيلة بطريق الفساد، وهتك حجاب الستر والصيانة؛ إنَّها سوءاتٌ وخبائث لا تظهر، إلا إذا افتُعلت الحواجز، وتنوَّعت العوائق أمام الراغبين من البنات والبنين، وتكدَّست البيوت بالعوانس من الشباب والفتيات، وأصبحت العفَّة بالحلال لا تُنال إلا بجسرٍ من التعب.

 

إنَّ التفكير المشوَّش حول المستقبل، والتخوُّف الذي لا مسوِّغ له، وربطَه بالشهادات، والتعلُّق بالوظائف، وتأمين فرص العمل، والاشتغال بالترقِّي في سُلَّم التعليم، ومشاركة الوالدين في هذا التخوُّف، وقبول المجتمع له، والرضا عن هذا المسلك، يؤكِّد هذا الخلل في التفكير، والانقلاب في الموازين، وتزعزع الثقة بالله، وضعف النظر المتعقِّل؛ (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[النور: ٣٢]، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق:٧].

 

الزواج ليس جديدًا لا يعرفه الناس، ولا شيئًا خارقًا لا بد أن يكون مُبهِرًا؛ بل هو يتكرَّر في كلِّ ليلة وفي كلِّ بيت؛ فلا حاجة لإرهاق النفوس بدعوة القاصي والداني، وتثقيل الكواهل بالديون من أجله، بل السُّنَّة إعلانُ النكاح بدعوة الأقربين في مكانٍ متواضع. القصدَ القصدَ تبلغوا، ولنا في سُنَّة المرسلين قدوة: "أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ"(رواه البخاري).

 

وقال أنس -رضي الله عنه-: "مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا"(متفق عليه).

 

أترون ذلك بخلًا أو تقتيرًا؟ كلا وربِّي، وهو الذي يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر، وقد عُرضت عليه خزائن الأرض، ولكنَّه يصنع هذا ليُربِّي الأُمَّة بعمله، ويصنع البيوت بالفضائل لا بالمفاخر.

 

تبني الفضائلُ أبراجًا مشيَّدةً *** نُصْبُ الخيام التي أروعُ الخِيَم

إذا ملوكُ الورى صفُّوا موائدَهم *** على شهيٍّ من الأكلات والأُدُم

صففتُ مائدةً للروح مطعمُها *** عذبٌ من الوحي أو عذبٌ من الكلم

 

والترغيبُ بالزواج والحثُّ عليه عامٌّ لكلِّ أحد؛ (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)[النساء: ٣].

 

وفي صحيح البخاري قال سعيدُ بن جبير: قال لي ابنُ عباس: "تَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً"(رواه البخاري).

 

ولقي الخليفةُ الراشدُ عثمانُ بن عفان ابنَ مسعود؛ فقال له: "هل لك يا أبا عبد الرحمن أن نزوِّجك بكرًا تُذكِّرك ما كنتَ تعهد؟"(متفق عليه)، وعرض عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر، وكان لهما زوجات.

 

وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"(رواه مسلم).

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم وللمسلمين والمسلمات؛ فاستغفروه، إنَّ ربِّي غفورٌ رحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ وليِّ الصالحين، والصلاةُ والسلامُ على الرسولِ الكريم، وآله وصحبِه والتابعين، أمَّا بعدُ:

 

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب: ٢١]، "وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا"(رواه مسلم).

 

وباليسير والقناعة يحصل الإعفافُ والصونُ والكرامة، وفي الرضا عيشةٌ هنيَّة، وبالقناعة سعادةٌ أبديَّة، ولأجل بناء بيتٍ رغيدٍ سعيدٍ يُحسنُ من الوالدين تعليمُ البنت قبل الزواج وبعده بالتقدير القرآني للنفقة؛ (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)[الطلاق: ٧].

 

وعدمُ تكليف الزوج أو تحميل الأسرة كاهلَ الديون من أجل سفرٍ أو مجاراةٍ للآخرين؛ (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)[الطلاق: ٧].

 

وأنَّ الصبر في بعض ظروف الحياة يعقبه فرج؛ (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق: ٧]، وتذكيرُها بأنَّ من تستعجل رزقَها، وتكفر بنعمة ربِّها، وتنكر الجميل وتكفر بالعشير، مع الأيام تذوق وبالَ أمرها، ويكون عاقبةُ أمرها خُسرًا.

 

وأوَّلُ وصيَّةٍ وآخرُ وصيَّةٍ من ربِّنا هي التقوى؛ (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا)[الطلاق: ١٠–١١]

 

اللهم احفظنا بحفظك واسترنا بسترك، اللهم وفق الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، اللهم آمنا في دورنا وأصلخ ولاة امورنا.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

 

المرفقات

الزواج النبوي.doc

الزواج النبوي.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات