السائلون عن الله

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-03-27 - 1447/10/08 2026-04-01 - 1447/10/13
التصنيفات: رمضان التوحيد
عناصر الخطبة
1/قرب الله من عباده 2/من معاني قرب الله من عباده 3/من ثمرات قرب الله من عباده 4/أقرب ما يكون العبد من ربه 5/فضل الدعاء والحث عليه 6/مما شرع في ختام رمضان

اقتباس

وعلى قَدْرِ شَرَفِ العَبْدِ يَكُونُ شَرَفُ مَسأَلَتَه، وهَلْ أَشْرَفُ مِنْ سائِلٍ يَسأَلُ عَنِ الله؟! فَيا أَيُّها السَّائِلُ عَنِ الله: أَقْبِلْ إِلى اللهِ مُسْتَجِيباً مُخْلٍصاً، خاشِعاً مُوقِناً، لا تَقْصِدْ غَيْرَ اللهِ في دُعائِك، ولا تَتَوَسَّلْ بِمَخْلُوقٍ لِيَشْفَعَ لَكَ عِنْدَ رَبِكَ لِيَمْنَحَكَ مَسأَلَتَك، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَرْشَدَكَ إِلى بَابِه...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

أيها المسلمون: سَأَلَ سائِلٌ عَنْ مَرْغُوبِه، سَأَلَ سائِلٌ عَنْ مَحْبُوبِه، سأَلَ سائِلٌ عَنْ اللهِ، وأَكْرَمُ السَّائِلِيْنَ مَنْ سأَلَ عَنِ اللهِ، وأَشْرَفُ السَّائِلِيْنَ مَنْ تَعَرَّفَ على اللهِ، وأَهْدَى السَّائِرِيْنَ مَنْ سارَ على بَصِيْرَة في طَرِيْقِهِ إِلى الله.

 

سأَلَ سائِلٌ عَنْ اللهِ -واللهُ يَسْمَعُ سُئْلَ مَنْ سأَل- سأَلَ سائِلٌ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ اللهِ، سُؤَالَ مُؤْمِنٍ يَبْتَغِيْ إِلى ذِيْ العرْشِ سَبِيْلاً؛ فَيَأتِيْ الجَوابُ مِنْ فَوْقِ السَّبْعِ الطِباقِ، يأَتِ الجَوابَ سَرِيْعاً مِنْ رَبٍّ الأَرْبابِ، مِنْ رَبٍّ على العَرْشِ اسْتَوى، يَعْلَمُ السِّرَ وأَخْفَى.

يأَتِيْ جَواباً مُحْكَماً، بِوَحِيٍ مُنْزَلٍ، فَما أَجَلَّهُ مِنْ جَوابٍ، وما أَكْرَمَهُ مِنْ مُجِيْبٍ، وما أَعْظَمَها مِنْ بُشْرَى؛ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة: 186].

 

مَضَى ذَاكَ السَّائِلُ ورَحَل، والسَّائِلُونَ عَنِ اللهِ لا زَالُوا يَتَوارَثُونَ سُؤَالَهُ، ولا زالُوا يَتَوارَثُونَ نَعِيْمَ الطُمأَنِيْنَةِ بِـما جاءَهُم عَن اللهِ مِنْ جَوابٍ. 

 

تَعَالَى اللهُ في عَلْيائِهِ، وجَلَّ اللهُ في عَظَمَتِه، وتَبارَكَ اللهُ في نَعْمائِهِ، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً، أَجابَ مَنْ سأَلَ عَنْهُ: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)؛ قَرِيْبٌ يَسْمَعُ دُعاءَ مَنْ دَعا، قَرِيْبٌ بِعِلْمِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وإِحاطَتِهِ، وقَرِيْبُ الإِجابَةِ لِمَنْ دَعا، وهُوَ القَرِيْبُ -سُبْحانَهُ- مِنْ عَبْدِهِ قُرْباً يَلِيْقُ بِجَلالهِ وعَظَمَتِه. 

 

فأَيُّ مِنَّةٍ امْتَنَّ اللهُ بِها على عِبادَهُ أَنْ أَكْرمَهُم بِقُرْبِهِ مِنْهُم، فَلا حَاجِبَ بَينَ اللهِ وبِيْنَهُم، ولا وَسِيْط بَينَ اللهِ وبِيْنَهُم، ولا شَفِيْع يَسْتَشْفِعُ بِهِ العِبادُ إِلى رَبِهِم لِيَسْمَعَ دُعاءَهُم ويُجِيْبَ لَهُ سُؤْلَهم، قَالَ اللهُ: (فَإِنِّي قَرِيبٌ). 

 

فَلا وَحْشَةَ في قَلْبِ عَبْدٍ اسْتَشْعَرَ قُرْبَ اللهِ مِنْهُ، ولا خَوْفَ في قَلْبِ مَفْزُوعٍ آمَنَ بِقُرْبِ اللهِ مِنْهُ، ولا يَأَسَ في قَلْبِ مكَرُوبٍ آمَنَ بِقُرْبِ اللهِ مِنْهُ؛ (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، فَما خَابَ مَنْ قَصَدَ رَبَه، وما عادَ مُعْدَماً مِنَ العَطاءِ مَنْ دَعاه.

 

(فَإِنِّي قَرِيبٌ) أَلا أَيُّها السَّائِلُ عَنِ الله، أَيُّها المُشْتاقُ لِمُناجَاةِ مَولاه: أَبْشِرْ؛ فَإِنَّ اللهَ قَرِيْبٌ، يَسْمَعُ إِسْرارَكَ، ويَعْلَمُ أَخْبارَك، ولا يَخْفَى عَلِيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِك، وهُوَ بِكَ لَطِيْفٌ، وهُوَ بِكَ رَحِيْم، وهُوَ لِدُعائِكَ مُجِيْب قَالَ اللهُ: (فَإِنِّي قَرِيبٌ).

 

عَنْ أَبِيْ مُوسى -رضي الله عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بالتَّكْبِيرِ -أَي يُبالِغُونَ في رَفْعِ أَصْواتِهِم بِالتَكْبِيْر- فَقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ -أَي: ارْفُقُوا بأنفُسِكم، واخْفِضُوا أَصْواتَكُم- إنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهو معكُمْ"(رواه البخاري ومسلم).

 

(فَإِنِّي قَرِيبٌ) اللهُ -تَعالَى- قَرِيْبٌ مِنْ عَبِدِهِ، والعَبْدُ أَقْرَبُ ما يَكُونُ مِنْ رَبِهِ حِيْنَ يَكُونُ سَاجِداً بَيْنَ يَدَيْهِ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -رضي الله عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَال: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"(رواه مسلم).

 

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وعلى قَدْرِ شَرَفِ العَبْدِ يَكُونُ شَرَفُ مَسأَلَتَه، وهَلْ أَشْرَفُ مِنْ سائِلٍ يَسأَلُ عَنِ الله؟! فَيا أَيُّها السَّائِلُ عَنِ الله: أَقْبِلْ إِلى اللهِ مُسْتَجِيباً مُخْلٍصاً، خاشِعاً مُوقِناً، لا تَقْصِدْ غَيْرَ اللهِ في دُعائِك، ولا تَتَوَسَّلْ بِمَخْلُوقٍ لِيَشْفَعَ لَكَ عِنْدَ رَبِكَ لِيَمْنَحَكَ مَسأَلَتَك، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَرْشَدَكَ إِلى بَابِه، وأَخْبَرَكَ بِقُرْبِه وقُرْبِ جَوابِه، وأَبانَ لَكَ أَعظَمَ أَسْبابِ لإِجابَةِ الدُّعاءِ؛ (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وعلى قَدْرِ اسْتِجابَةِ العَبْدِ لأَوامِرِ رَبِهِ، وعلى قَدْرِ إِيْمانِهِ بِرَبِه، يَسْتَجابُ لَهُ الدُّعاءُ.

 

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) مَنْ سَأَلَ عَنِ اللهِ، وابْتَغَى أَعْظَمَ سَبِيْلٍ يُوصِلُهُ إِلى الله، فاللهُ قَرِيْبٌ، وفي الثُلُثِ الأَخيْرِ مِنَ اللَّيْلِ كَمْ طَابَتْ للعَبْدِ مِنْ مُناجاةٍ، وكَمْ قُضِيَتْ لَهُ مِنْ حاجاتٍ، وكَمْ مُنِحَ مِنْ كراماتٍ، في الثُلُثِ الأَخيْرِ مِنَ الليْلِ، أَسْرارٌ لِخُلَّصِ العِبادِ المُقَرَّبِيْن؛ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[السجدة: 16]، قَالَ اللهُ -سُبْحانهُ- في بَيانِ كَرَامَتَهُم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة: 17].

 

في الثُلُثِ الأَخيْرِ مِنَ الليْلِ يَنْزِلُ رَبُنا -تَبارَكَ وتَعالَى- إِلى السَماءِ الدُّنْيا نُزُولاً يَلِيْقُ بِجَلالِهِ، نُزُولاً يَلِيْقُ بِعَظَمَتِهِ، نُزُولاً يَلِيْقُ بِعُلُوِّهِ وكَبْرِيائِه، نُزُولاً ليْسَ كَنُزُولِ المَخْلُوقِيْن؛ إِذْ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى: 11]، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -رضي الله عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنا -تَبارَكَ وتَعالَى- كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُوْلُ: مَنْ يَدْعُونِي؛ فَأَسْتَجِيبَ لَه؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَستَغْفِرُني؛ فأغْفِرَ له؟"(رواه البخاري ومسلم).

 

أَرَأَيْتُم كَرَمَ اللهِ على عِبادِهِ؟! أَرَأَيْتُم عَظِيْمَ إِحْسانِهِ إِليْهِم؟! يَدْعُوهُم لِدُعائِهِ، ويَدْعُوهُم لِمَسأَلَتِهِ، ويَدْعُوهُم لاسْتِغْفارِهِ، ويَعِدُهُم أَنَّهُ يَسْتَجِيْبُ لَهُم، ويُعْطِيَهُم، ويَغْفِرَ لَهُم؛ (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)[البقرة: 243].

 

وما مِنْ عَبْدٍ إِلا وهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلى رَبِهِ غَايَةَ الفَقْرِ، وما مِنْ عَبْدٍ إِلا وبَهِ إِلى اللهِ أَعْظَمُ فاقَة، وإِنْ مَلَكُ كُنُوزَ الدُّنْيا، وإِنْ نُعِّمَ فِيْهَا أَعْظَمَ نَعِيْم، فَالفَقْرُ للعَبْدِ وَصْفٌ لازِمٌ، والغِنَى للهِ وَصْفٌ لازِمُ، قَالَ الخَلِيْلُ -عليهِ السَلامُ- وهُوَ يُظْهِرُ مُنْتَهى فَقْرَهُ إِلى رَبِهِ وعَظِيْمِ رَغْبَتِهِ إِليهِ: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[الشعراء: 78 - 82].

 

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) أَلا مَا أَبْأَسَ مَنْ لَمْ يَسأَلْ عَنِ الله، أَلا مَا أَشْقَى مَنْ شَقِيَ بالبُعْدِ عَنْه؛ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غافر: 60].

 

سَلوا اللهَ أَمانِيْكُم، سَلُوهُ سَعادةً في الدُّنيا والآخِرَة، سَلُوهُ شِفاءَ سُقْمِكُم، سَلُوهُ زَوالَ كَرْبِكُم، سَلُوهُ صَلاحَ أَنْفُسِكُم، سَلُوه قَضاءَ حَوائِجِكُم، سَلُوه ما أَحْبَبْتُم، سَلُوهُ وسَلُوهُ، ثُمَّ سَلُوهُ وسَلُوه، واعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ ما سأَلْتُمُوهُ: الفْرْدَوسَ الأَعْلى، وأَعْظَمُ مِنَ الفِرْدَوسِ أَنْ تَسْأَلُوهُ أَنْ يَحِلَّ عَلِيْكُم رِضاه؛ (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 72].

 

أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم. 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً. 

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْن.

 

أيها المسلمون: وَما فَتَحَ اللهُ على عَبْدٍ حُبَّ الدُّعاءِ، وما أَعاَنُهُ على حُسْنِ المَسأَلَةِ؛ إِلا وسَيُكْرِمَهُ بِحُسْنِ العَطاءِ، وسَيُجازِيْهِ بِعَظِيْمِ الجَزاءِ، فَما الظَّنُّ باللهِ إِلا ذلِك، وكُلُّ ظَنٍ حَسَنٍ ظَنَنْتَهُ باللهِ، فإِنَّ اللهَ -تَعالى- فَوقَ ذَلِك.

 

ولَكِنَّ يَجِبُ على العَبْدِ أَنْ يَعْلَم: أَنَّ اللهُ -سُبْحانَهُ- عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ، وهُوَ لَطِيْفٌ كَرِيْمٌ، يُدَبِرُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنَ أُمُورَهُ، ويُمْضِيْ لَهُ في الأَقْدارِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، إِن رضِيَ العَبْدُ بِتدْبِيرِ الله لَه.

 

يَسأَلُهُ العَبْدُ مَسأَلَةً فَيُعْطِيه اللهُ ما سَأَل، ولَرُبَّما مَنَعَهُ مَسأَلَتَهُ لُيْكْرِمَهُ بِما هُو أَكْمَلُ لَهُ مِنْها، ولَرُبَّما مَنَعَهُ مَسأَلَتَهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ ضَرراً يَكْمُنُ لَهُ في طَيَّاتِها؛ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[البقرة: 216].

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا"، قَالُوا: إِذنْ نُكْثِرُ يا رَسُولَ اللهَ -أَيْ نُكْثِرُ الدُّعاءَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "اللهُ أَكْثَرُ"(رواهُ الإِمامُ أَحمدُ)؛ أَيْ: اللهُ أَكْثَرُ ثَواباً وجَزَاءً وعَطاءً، وأَوْسَعُ فَضْلاً وكَرَماً ومَنّاً لِمَنْ سأَلَه.

 

وفي هَذِهِ اللَّيالِ المُبارَكَاتِ، تَنْهَضُ هِمَّةُ المُؤْمِنِ لِيُبْدِيَ أَعْظَمَ افْتقاراً إِلى الله، ويُظْهِرُ أَعْظَمَ حاجَةً، ويَسْأَلُ كُلَّ مَسأَلَةٍ فيها صَلاحُ دِيْنِهِ ودُنْياه، وفيها صَلاحُ نَفْسِهِ وأَهْلِهِ ومالِهِ وولَدِه، وفَيِها صَلاحُ أُمَتِهِ، ورِفْعَةُ دِيْنِهِ، وعِزُّ الإِسْلامِ وذِلُّ الكَافِرِيْن؛ (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)[الفرقان: 77].

 

عبادَ الله: وفي خاتِمَةِ شَهْرِكُم شَرَعَ اللهُ لَكُمْ أَنْواعاً مِنَ العِبادَات، شَرَعَ لَكُم أَعْمالاً تَزِيْدُكُمْ عِنْدَهُ قُرْبَى، فَمِنْ ذَلِكَ زَكَاةُ الفِطْرِ، وَهِيَ صَدَقَةٌ وَاجبةٌ عَنِ الكَبِيْرِ والصَّغِيْرِ والذَّكَرِ والأُنْثَى والحُرِّ والعَبْدِ مِنَ المُسْلِمِين، صاعاً مِنْ الطَعامِ الذِيْ يَقْتاتُهُ أُهْلُ كُلِّ بَلَد، فَمَنْ كَانَ قُوتُهُم التَمْرُ أَخْرَج زكَاةَ الفِطْرِ تَمْراً، ومَنْ كانَ قُوتُهُم البُرُّ أَخْرَجَها بُراً، ومَنْ كَانَ قُوتُهُم الأُرْزُ أَخْرَجَها أُرْزاً؛ لِـحَدِيْثُ أَبِيْ سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ، وَالزَّبِيبُ، وَالْأَقِطُ، وَالتَّمْرُ"(رواه البخاري ومسلم).

 

زَكاةُ الفِطْرِ يُخْرِجُها الرجلُ عَنْ نَفْسِهِ وعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقُتُهُم، تُدْفَعُ لِلفُقَراءِ وَالمَسَاكِيْنِ خاصةً وليستْ لسائرِ أَصْنَافِ أَهْلِ الزكاةِ؛ لقولِ الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "طُهرةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللغْو وَالرَّفَث وَطُعْمَةٌ لِلمَسَاكِيْن"، وهِيَ زكَاةٌ واجِبَةٌ، يَجِبُ على المُسْلِمِ أَنْ يَتَحَرَّى مَنْ يَسْتَحقُّها، وأَنْ لا يَتَخَلَّصَ مِنْها بِدَفْعِها لَمْنْ لَمْ يَتَبِيَّن لَهُ فَقْرُه.

 

وزكاةُ الفِطْرِ مِنْ شَعائِرِ الإِسلامِ التي يَنْبَغِيْ أَنْ تُشْهَرَ بَيْنَ الأَهْلِ والأَولادِ؛ لِيَعْرِفُوا ما شَرَعَهُ اللهُ لَهُم ويَنْشؤُوا عليه، وأَفْضَلُ وقْتِهَا أَنْ تُؤَدَّى قبلَ خُرُوْجِ الناسِ لصلاةِ العيد، ويجوزُ أَنْ تُؤَدى قَبْلَ العيدِ بِيَوْمٍ أو يومين، ولا يجوزُ تأَخِيْرُها عَنْ صَلاةِ العيدِ، ويجوزُ أَنْ تُعْطَى زكاةُ الواحدِ لعددٍ مِنَ الفُقَراءِ، كما يجوزُ أَنْ تُعْطَى زكاةُ الجماعةِ لفقيرٍ واحد.

 

ومما شُرِعَ للمُسْلِمِيْنَ في خِتامِ شَهْرِهِم صَلاةُ العِيْدِ، وهُوَ يَومُ فَرَحٍ يشْتَركُ فيه عُمُومُ المُسْلِمِينَ في أَقْطَارِ الأَرْضِ، يَغْتَبِطُونَ فيهِ بما أَتَمَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ، وبِما أَنْعَمَ عَلِيْهِم في شَهْرِهِم، وصَلاةَ العِيْدِ من شَعائِرِ الإِسْلامِ العَظِيْمَةِ؛ لِذَلِكَ أُمِرَ المُسْلِمُونَ أَنْ يَخْرَجُوا إِليها جَمِيْعاً، قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْها-: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ"(متفق عليه).

 

وَيُسَنُّ لِلمُسْلِمِ في يَومِ العِيْدِ أَنْ يَأَكُلَ تَمَراتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلى المُصَلَّى، كَما يُشْرَعُ للمُسْلِمِيَن أَنْ يُكَبِرَوا مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَومٍ من رَمَضانَ حَتى يَدخل الإِمامُ لِصَلاةِ العِيْد؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185].

 

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

المرفقات

السائلون عن الله.doc

السائلون عن الله.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات