الشماتة وموقف الإسلام منها

الشيخ د صالح بن مقبل العصيمي

2026-05-08 - 1447/11/21 2026-05-19 - 1447/12/02
عناصر الخطبة
1/التحذير من الشماتة وبيان خطرها 2/الحث على الأخوة وحفظ حقوق المسلمين 3/استعاذة النبي الكريم من الشماتة 4/عاقبة الشماتة تعود على صاحبها.

اقتباس

إِنَّ مِنَ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حَذَّرَ الإِسْلَامُ مِنْهَا الشَّمَاتَةَ؛ فَهِيَ مِنْ أَسْوَأ الأَخْلَاقِ وَأَقْبَحِ الصِّفَاتِ، خُلُقٌ ذَمِيمٌ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ قَلْبٍ مَرِيضٍ، يَتَّصِفُ بِهَا أَصْحَابُ الحِقْدِ وَالحَسَدِ؛ فَالحَاسِدُ إِذَا رَأَى نِعْمَةً بُهِتَ، وَإِذَا...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ، وَتَوَعَّدَ مَن ظَلَمَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ -صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ-، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا، أمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: مَا مِنْ خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَخُلُقٍ حَسَنٍ إِلَّا حَثَّ الإِسْلَامُ عَلَيْهِ، وَمَا مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ وَقَبِيحٍ إِلَّا وَحَذَّرَ الإِسْلَامُ مِنْهُ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حَذَّرَ الإِسْلَامُ مِنْهَا الشَّمَاتَةَ؛ فَهِيَ مِنْ أَسْوَأ الأَخْلَاقِ وَأَقْبَحِ الصِّفَاتِ، خُلُقٌ ذَمِيمٌ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ قَلْبٍ مَرِيضٍ، يَتَّصِفُ بِهَا أَصْحَابُ الحِقْدِ وَالحَسَدِ؛ فَالحَاسِدُ إِذَا رَأَى نِعْمَةً بُهِتَ، وَإِذَا رَأَى عُسْرَةً شَمِتَ.

 

وَمِنْ صُوَرِ الشَّمَاتَةِ: الفَرَحُ بِمَا يُصِيبُ مَنْ يُخَالِفُكَ أَوْ يُعَادِيكَ مِنْ مَصَائِبَ فِي دِينِهِ أَوْ نَفْسِهِ، أَوْ سُمْعَتِهِ أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ، وَرُبَّمَا صَاحَبَ هَذِهِ الشَّمَاتَةَ سُخْرِيَةٌ أَوْ تَشْوِيهُ سُمْعَةٍ؛ فَالشَّمَاتَةُ لَا يَتَحَلَّى بِهَا، وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا أَصْحَابُ النُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ وَالمَرَاتِبِ العَالِيَةِ، وَإِنَّمَا يُصَابُ بِهَا ضَعِيفُو الإِيمَانِ مِمَّنْ يَتَّصِفُونَ بِالحَسَدِ، وَالغِيبَةِ.

 

وَلِسُوءِ الشَّمَاتَةِ فِي الإِسْلَامِ؛ كَانَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَعِيذُ مِنْهَا، فَكَانَ يَقُولُ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ"(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)؛ فَمَا اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا، وَأَرْشَدَ لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا؛ إِلَّا لِأَنَّهَا خُلُقٌ ذَمِيمٌ، وَأَثَرُهَا النَّفْسِيُّ عَلَى المَشْمُوتِ عَظِيمٌ، وَلِمَا فِيهَا مِنِ اسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: الشَّمَاتَةُ تَنْكِئُ القَلْبَ، وَتَبْلُغُ مِنَ النَّفْسِ أَشَدَّ مَبْلَغٍ، وَتَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ الكَرِيمَةُ وَالقُلُوبُ السَّلِيمَةُ؛ فَلَيْسَ مِنَ الكَرَمِ أَنْ يَشْمَتَ الرَّجُلُ بِصَاحِبِهِ إِذَا زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ أَوْ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ؛ فَلَا يَفْرَحُ بِمُصِيبَةِ الآخَرِينَ إِلَّا لَئِيمُ الطَّبْعِ سَيِّئُ الخُلُقِ، سَلَكَ مَسْلَكَ الشَّيْطَانِ وَأَخَذَ مِنْ مَنْهَجِ أَهْلِ النِّفَاقِ؛ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران:120].

 

إِنَّ أَهْلَ الشَّمَاتَةِ خَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَانْتُزِعَ الحُبُّ مِنْ جَنَبَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَهْنَأُ مُسْلِمٌ إِذَا أُصِيبَ مُسْلِمٌ؟ فَهَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ، وَالأَعْجَبُ مِنْهُ أَنْ يَفْرَحَ لِمُصِيبَةِ ذَلِكَ المُسْلِمِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: "مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى"(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

وَقَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الحجرات:10]

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ التَّعَدِّيَ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[البقرة:190]، وَالشَّمَاتَةُ تَعَدٍّ عَلَى المُسْلِمِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ طَلَبَ هَارُونُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – مِنْ مُوسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – طَلَبًا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[الأعراف:150]؛ حَيْثُ قَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَضْعَفُونِي وَاحْتَقَرُونِي عِنْدَمَا نَهَيْتُهُمْ عَنِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ؛ فَلَا تُعَاتِبْنِي وَلَا تَغْضَبْ عَلَيَّ فَتُشْمِتَ بِيَ الأَعْدَاءَ وَتُفْرِحَهُمْ بِمَسْكِكَ إِيَّايَ وَنَهْرِكَ لِي، فَتَجْعَلَنِي فِي مُؤَاخَذَتِكَ مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وَأَنَا قَدْ نَهَيْتُهُمْ وَحَذَّرْتُهُمْ وَلَمْ أُقَصِّرْ فِي نُصْحِهِمْ".

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ عَلَى المُؤْمِنِ كَمَا أَنَّهُ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّمَاتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَهُ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: "اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلَامِ رَاقِدًا، وَلَا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ"(رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ لَا يَقِلُّ عَنِ الحَسَنِ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: المُؤْمِنُ يَفْرَحُ لِلنَّعِيمِ الَّذِي يُصِيبُ المُؤْمِنَ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"(رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

 

وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا"(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا.

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ-، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً، أمَّا بَعْدُ:

 

فَاِتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ أَعْظَمَ المُتَضَرِّرِينَ مِنَ الشَّمَاتَةِ هُوَ الشَّامِتُ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَفِي الحَدِيثِ: "لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ عَلَى أَخِيكَ؛ فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ"(قَالَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ بَازٍ: المَعْنَى صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ وَائِلَةَ وَشَوَاهِدُهُ قَدْ تَقْوَى عَلَى الحُسْنِ).

 

وَالمَشْمُوتُ بِهِ سَيَتَوَلَّاهُ اللَّهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ، قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)[الحج:38]، وَقَالَ -تَعَالَى-: (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[الأعراف:150]؛ فَشَمَاتَةُ الشَّامِتِ سَتَعُودُ إِلَيْهِ، وَكَمَا قِيلَ: "مَنْ سَلَّ سَيْفَ البَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ صَارَعَ الحَقَّ صُرِعَ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى الخَلْقِ ذَلَّ، وَعَلَى البَاغِي تَدُورُ الدَّوَائِرُ".

 

قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ-: "مَنْ ضَحِكَ مِنَ النَّاسِ ضُحِكَ مِنْهُ، وَمَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِعَمَلٍ ابْتُلِيَ بِهِ وَلَا بُدَّ".

 

وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ-: "رُبَّ سَاخِرٍ اليَوْمَ مَسْخُورٌ مِنْهُ فِي الغَدِ، وَرُبَّ مَفْضُولٍ اليَوْمَ يَكُونُ فَاضِلًا فِي الغَدِ، وَهَذَا شَيْءٌ مَشْهُودٌ".

 

وَفِي بَعْضِ الآثَارِ: "مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ).

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "صَعِدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-  المِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ).

 

وَلَقَدْ حَذَّرَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الِانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ، وَمِنَ الِانْتِقَامِ مِنَ الشَّامِتِ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا، وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَكَلَّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إِنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ؛ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).

 

فَالمُسْلِمُ يَتَرَفَّعُ عَنِ المُقَابَلَةِ بِالمِثْلِ، قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ بَازٍ -رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ-؛ كَمَا فِي شَرْحِهِ رِيَاضَ الصَّالِحِينَ: "هَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّعْيِيرِ وَالسَّبِّ، فَالمُؤْمِنُ لَا يُعَيِّرُ أَخَاهُ وَلَا يَسُبُّهُ، بَلْ يَحْفَظُ لِسَانَهُ، وَيَصُونُهُ عَمَّا يُسَبِّبُ الفِتْنَةَ وَالشَّحْنَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِ".

 

لِسَانُكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ *** فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا *** فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنٌ

 

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَأَيِّدْهُمَا، وَاجْعَلْ عَلَى أَيْدِيهِمَا الخَيْرَ الكَثِيرَ لِلْبِلَادِ وَالعِبَادِ.

 

اللَّهُمَّ كن لبِلَادَنَا بِلَادُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْ اللهم، فَاحْفَظْهَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهَا بِعِنَايَتِكَ، وَاكْلَأْهَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا، وَعِزَّهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَلَامٍ وَإِسْلَامٍ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهَا بِلَادَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَهُدًى، وَدَارَ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، فَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.

 

اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا وَمُجَاهِدِينَا وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَاجْعَلِ النَّصْرَ حَلِيفَهُمْ، وَالتَّأْيِيدَ رَفِيقَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.

 

اللَّهُمَّ اخْذُلْ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّ الدِّينِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرُدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَأَضْعِفْ قُوَّتَهُمْ، وَأَبْطِلْ كَيْدَهُمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.

 

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَأَكْلَأْنَا بِرِعَايَتِكَ، وَاحْطِنَا بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-.

 

اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَامْدُدْ عَلَيْنَا سِتْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَصْلِحْ لَنَا النِّيَّةَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ؛ (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[الفرقان:74].

 

اللَّهُمَّ احْفَظِ الأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُمْ بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمُؤَدِّي الزَّكَاةِ.

 

اللهم أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الدُّعَاءَ، وَاسْتَجِبْ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

المرفقات

الشماتة وموقف الإسلام منها.doc

الشماتة وموقف الإسلام منها.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات