عناصر الخطبة
1/واجب المسلم تجاه القرآن 2/من بركات القرآن على أهله 3/حال النبي مع القرآن 4/حال السلف مع القرآن 5/الحث على تدبر القرآن والعمل بهاقتباس
فكل حياته -صلى الله عليه وسلم- عمل بالقرآن، حتى قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "كان خلقه القرآن"(رواه مسلم)، فحياته الشخصية، وتعامله، وجهاده، وعبادته، وعلاقاته، وقوله، وفعله -صلى الله عليه وسلم- كله عمل بالقرآن...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمدُ للهِ الذي جَعلَ القُرآنَ لِلقلوبِ ربيعاً، وللأسقامِ شفاءً ولكيد الشيطان منيعاً، أَنزلهُ بلسانٍ عربيٍّ مُبين، وجعلهُ هُدىً للمتقين، وحُجةً على العالمين، ما من قلبٍ سكنهُ إلا أضاء، ولا صدرٍ ضاقَ إلا به انشرحَ وفاء، هو مأدبةُ اللهِ في أرضه، وحبلُهُ الممدودُ من سمائه، من تمسكَ به نجا، ومن رغبَ عنه هلكَ وتردّى، نَحمدهُ -سبحانهُ- أن جعلنا من أهلِ كِتابه، ووفقنا لِتلاوةِ آياتِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، نطقَ القُرآنُ بتوحيده، وشَهدت الكائناتُ بتمجيده، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ، خيرُ من تلا الذِّكرَ وقام، وأفصحُ من نطقَ بآياتِ الملكِ السلام، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ الكرام، ما أضاء النورُ وانقشع الظلام.
أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
فقد انصب اهتمامنا في شهر رمضان على تلاوة القرآن الكريم وختمه، كما كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح، والواجب أن ينصب اهتمامنا الآن على تدارس القرآن الكريم وتدبره، والعمل به والعيش في ظله، والائتمار بأوامره والانتهاء عن مناهيه؛ فقد قال الله -تعالى- في محكم آياته: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)[ص: 29]؛ فبينت هذه الآية الكريمة أن المقصود من إنزال القرآن المبارك تدبر آياته، وتذكر معانيه، ثم العمل به؛ لذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "القرآن حجة لك أو عليك"، حجة إن قرأته، وعملت به؛ وقد قال الله -سبحانه-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)[الفرقان: 30]، وهجره يشمل هجر القراءة، وهجر العمل، وهجر التدبر.
وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"، فبعد التلاوة التدارس والتدبر، وبعدهما العمل، فما فائدة التدبر إن لم يتبعه عمل؟! فهؤلاء المستشرقون الذين يقرؤون القرآن ويتدارسونه لكن لا يؤمنون به ولا يعملون، لا حظ لهم في الإسلام، بل القرآن الكريم حجة عليهم، ومعارضاً لهم يوم القيامة.
فكما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتدارس القرآن الكريم مع جبريل كل عام في رمضان يراجع حفظه؛ حتى قال الله -سبحانه- له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)[القيامة: 16- 17]؛ أي: جمعه في صدرك وتلاوته، إلا أنه في أوقات أخرى غير رمضان يتدارسه بالتدبر؛ "فقد قام -صلى الله عليه وسلم- ليلة كاملة يقرأ قول الله -تعالى-: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[المائدة: 118]"(رواه أحمد والنسائي)، يتدبرها ويتأمل معانيها، وفي رواية لأحمد: قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها!، قال: "إني سألت ربي -عز وجل- الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهي نائلة -إن شاء الله- لمن لا يشرك بالله شيئا".
أما العمل بالقرآن فكل حياته -صلى الله عليه وسلم- عمل بالقرآن، حتى قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "كان خلقه القرآن"(رواه مسلم)، فحياته الشخصية، وتعامله، وجهاده، وعبادته، وعلاقاته، وقوله، وفعله -صلى الله عليه وسلم- كله عمل بالقرآن.
وقال أبو عبدالرحمن السُّلمي -رحمه الله- حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما -رضي الله عنهم-: "أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يتجاوزوها، حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعًا"، وروى الطبراني عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "القرآن شافع مشفّع، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار".
إن قيمة القرآن الحقيقية في قدرته على التغيير، وهذا بلا شك يستدعي فهم معانيه والتأثر بها والعمل بمقتضاها، يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به"، وإذا أردنا مثالًا لطريقة الصحابة في قراءة القرآن فإليك هذا الأثر، فعن أبي ذئب -رحمه الله- عن صالح قال: "كنت جارًا لابن عباس -رضي الله عنهما- وكان يتهجد من الليل، فيقرأ الآية ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذلك طويل، ثم يقرأ، قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل، يفكر فيه"، ويقول عباد بن حمزة: "دخلت على أسماء -رضي الله عنها- وهي تقرأ: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)[الطور: 27]، فوقفت عندها تعيدها وتدعو، فطال عليَّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي وهي تعيدها وتدعو بها".
إذن فليس معنى الانشغال بالقرآن هو كثرة قراءته باللسان دون تدبر معانيه بالعقل، أو تحريك القلب به، فهذا إن حدث فلن يحقق مقصود القرآن، وما نزل من أجل تحقيقه، قيل لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: "قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوم ليلة التمام، فيقرأ البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله -تعالى- ورغب، ولا يمر بآية فيها خوف إلا دعا واستعاذ".
لذلك كان همهم تدبر القرآن والعمل به، ولم يحفظه منهم إلا القليل؛ لعدم توفر وسائل القراءة والكتابة عندهم، ولأن الآيات لم تكن قد نزلت كلها، فلا يوجد صحابي شهد نزول كل القرآن، ومن انصب اهتمامه على حفظه كله فقد حفظه بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مع تقدم سنهم إذ ذاك، وانشغالهم بالغزوات، وتثبيت الإسلام، وفي هذا يقول ابن مسعود: "إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويعصب عليهم العمل به"، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا سورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به".
عملوا بالقرآن الكريم وبادروا، كقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "يَرحَمُ اللهُ نساءَ المُهاجِراتِ الأُوَلَ، لمَّا أنزَل اللهُ: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)[النور: 31]؛ شقَقْنَ أكثَفَ مُروطِهنَّ، فاختمَرْنَ بها"؛ أي: شققن بعض ثيابهن وأزرهن، فوضعنه على رؤوسهن وصدورهن.
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي -رضي الله عنه- أنه قال: "بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا، ونحن نشرب الخمر حلّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلّم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) إلى آخر الآيتين: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[المائدة: 90 - 91]، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)، قال: وبعض القوم شربته في يده، وقد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا.
الخطبة الثانية:
لا ينبغي أن يفهم هذا الكلام على أنه دعوة لإهمال الحفظ، بل المقصد منه أن يراجع كل منا نفسه في طريقة تعامله مع القرآن، فهدف القرآن وغايته الانتفاع بمعجزته العظمى في الهداية والشفاء والتغيير، وما القراءة أو الحفظ إلا وسائل مساعدة لهذا الانتفاع، ومن الخطأ بمكان أن نجعل الوسائل المساعدة غايات مقصودة، فيكون همنا قراءة أكبر قدر من آياته لا نجد فيه أي تغيير إيجابي ينتج من حفظ القرآن، أو كثرة قراءته باللسان.
لذلك فإن منهج السنة هو تحفيظ القرآن الكريم للصغار؛ لأنهم لا يقوون على التدبر، فإذا شبوا عاشوا معه في تدبره والعمل به؛ حتى يصبحوا جيل القرآن الكريم.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم