عناصر الخطبة
1/معنى اللعن وخطورته 2/الملعونون في القرآن والسنة 3/ آثار اللعن على الفرد والمجتمع.اقتباس
وتأتي أهمية الحديث عن هذا الموضوع لكثرة ما يقع فيه الناس اليوم، حتى أصبح اللعن يجري على ألسنة بعضهم في المزاح والجد والحديث العابر، بل صار لدى بعضهم عادة سيئة، وهذا من خطورته الكبيرة؛ فإن من طُرد...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[الأحزاب: 70]، أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون: حديثنا اليوم عن موضوعٍ عظيمٍ وخطير، تناولته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهو موضوع شديد الأهمية لما له من آثار بالغة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، إنه موضوع اللعن والملعونين، وقد ورد ذكر اللعن في مواضع كثيرة من القرآن الكريم؛ كما جاءت به أحاديث عدة في السنة النبوية، وهذا يدل على عظم شأنه وخطورته في حياة المسلم، وفي صلته بربه، وفي سلامة المجتمع.
فاللعن معناه الطرد من رحمة الله والإبعاد عنها، وإذا أُبعد الإنسان عن رحمة الله؛ فقد خسر خسرانًا عظيمًا في دنياه وآخرته، وما أضيق العيش بلا رحمة الله، وما أعظم الضرر الذي يلحق بالفرد حين ينحرف قلبه ولسانه عن نور الله ورضوانه، ويبتعد عن هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قيل:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
فاللعن لا يملكه إلا الله وحده؛ فهو الذي يطرد من يشاء من رحمته، ويرحم من يشاء من خلقه، وما يصدر عن المخلوقين من لعن فهو مجرد دعاء على سبيل النية، وما يصدر من الإنسان من سب وشتم؛ فهو دعاء قد يعود عليه بالضرر أحيانًا إذا كان فيه غيبة أو ظلم، ولهذا حرص الإسلام على ضبط اللسان وسلامته.
وتأتي أهمية الحديث عن هذا الموضوع لكثرة ما يقع فيه الناس اليوم، حتى أصبح اللعن يجري على ألسنة بعضهم في المزاح والجد والحديث العابر، بل صار لدى بعضهم عادة سيئة، وهذا من خطورته الكبيرة؛ فإن من طُرد من رحمة الله لا يُرجى منه خير، ولا لنفسه ولا لغيره، وأما في الآخرة فهو من أهل النار والعياذ بالله، كما أن اللعن يفسد اللسان ويخرجه عن كمال الإيمان واستقامة القول، ويبعد عن مكارم الأخلاق ومنافع الدين والدنيا.
وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذي"(رواه الترمذي)، وقال أيضًا: "لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة"(رواه مسلم)؛ فكان -صلى الله عليه وسلم- يُحرص على بيان خطورة اللعن وتحذير الناس من التعود عليه.
وقد أحسن من قال:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه *** فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ
ولهذا من المهم أن يعرف المسلم من لعنهم الله في كتابه، ليأخذ عبرة، ويبتعد عن أفعالهم، ولا يقع فيما يوجب اللعن والطرد من رحمة الله؛ فأول من لعنه الله -سبحانه- إبليس لاستكباره وعصيانه، قال تعالى: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ)[الحجر: 34-35]، ثم الكافرون عمومًا، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ)[الأحزاب: 64]، والمنافقون، قال تعالى: (وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ)[التوبة: 68]، ومن آذى الله ورسوله، قال تعالى: (لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[الأحزاب: 57].
وهكذا كل من يرتكب الكبائر ولا يتوب منها؛ كقاتل النفس المؤمنة عمدًا، قال تعالى: (وَلَعَنَهُ)[النساء: 93]، وقاذف المحصنات الغافلات المؤمنات، قال تعالى: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[النور: 23]، وقاطع الرحم المفسد في الأرض، قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)[محمد: 23]، ومن يرتد عن الإسلام ويموت على كفره، قال تعالى: (عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ)[آل عمران: 87]، والظالمون، قال تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[هود: 18].
كما لعن الله أقوامًا بأعيانهم بسبب كفرهم وفسادهم؛ مثل قوم عاد وفرعون ومن كانوا في زمانه من الظالمين، ولعن المرجفين في الأرض الذين ينشرون الفساد، ولعن الكاذب في اللعان؛ فهذه الأمثلة جاءت لتحذير الناس وتنبيههم إلى الاجتناب عن أسباب اللعن والطرد من رحمة الله، وقد قيل:
ومن يزرعِ الشرَّ لا يحصدِ إلا *** ندامةَ قلبٍ وذلَّ الحسابِ
الخطبة الثانية:
عباد الله: جاء في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن بعض الأفعال وأصحابها تحذيرًا منها وزجرًا عنها، ليبتعد عنها المسلم ولا يقع فيها؛ فقد لعن صلى الله عليه وسلم: من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثًا، ومن غير منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، وآكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والراشي والمرتشي، والسارق، والمتشبهين من الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وشارب الخمر وبائعها، وغير ذلك من الأفعال التي فيها فساد عظيم، وكل ذلك جاء ليبين خطر هذه الأفعال على الفرد والمجتمع.
ويُستفاد من ذلك أن اللعن من الكبائر، وأن من وقع فيه فقد عرض نفسه للطرد من رحمة الله، وأنه لا يجوز لعن شخص بعينه، وإنما يُلعن الفعل أو العموم، فيقال: لعن الله الظالمين، ولعن الله السارقين، ولا يقال: لعن الله فلانًا بعينه.
كما لا يجوز تعويد اللسان على اللعن؛ فإنه قد يعود على صاحبه، وربما لعن الإنسان نفسه، أو كان سببًا في لعن والديه، وقد قيل:
احفظ لسانك أيها الإنسانُ *** لا يلدغنّك إنه ثعبانُ
والواجب على المسلم أن يعتاد الكلام الطيب، وأن يربي نفسه وأهله على حسن القول، وأن يبتعد عن السب والشتم واللعن؛ فإن ذلك من سوء الأخلاق، ومن أسوأ ما يفسد السلوك الاجتماعي ويقطع صلاته بالمجتمع.
وعلى المسلم أن يراجع نفسه؛ فإن وجد في لسانه شيئًا من ذلك فليبادر بالتوبة، وليستغفر الله؛ فإن باب التوبة مفتوح، والله يقبل التائبين، والله لا يضيع أجر من أحسن العمل.
عباد الله: إن سلامة اللسان من أعظم أسباب النجاة في الدنيا والآخرة، وإن إطلاقه في اللعن والسب من أعظم أسباب الهلاك والضرر على النفس والمجتمع؛ فاحفظوا ألسنتكم، وأصلحوا ألفاظكم، وكونوا دعاة خير بأقوالكم وأعمالكم، وابتعدوا عن كل كلمة تجرح أو تسيء للآخرين؛ استبدلوا اللعن بذكر الله، والدعاء بالخير للناس؛ فإن الكلمة الطيبة صدقة، وبها تُرفع الدرجات وتُكفَّر السيئات، وتزداد بها حسناتكم، وتزداد المودة والمحبة بين الناس، وقد قيل:
وإنَّ لسانَ المرءِ ما لم تملِكْهُ *** يملِكْكَ، والقولُ الرصينُ دليلُ
عباد الله: أوصيكم ونفسي المقصرة أولًا؛ أن تحرصوا على مراقبة ألسنتكم، وأن تبتعدوا عن كل سب ولعن وشتم، وأن تعودوا أنفسكم وأهل بيتكم على الكلام الطيب، وحفظ الألفاظ من الغيبة والكذب والفساد؛ واعلموا أن الدعاء بالخير للآخرين يرفع مكانتكم عند الله، وأن الحث على الخير ونهي عن المنكر بالقول الطيب من أفضل القربات.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يطهر ألسنتنا من اللغو والباطل، وأن يجعلنا من أهل القول الحسن، وأن يباعد بيننا وبين أسباب اللعن، وأن يرزقنا الاستقامة في القول والعمل، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ويجعل أقوالنا وأفعالنا سببًا للنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، وأن يثبت ألسنتنا على الخير ويبعدنا عن الشر والفتن.
وصلوا وسلموا على نبينا محمد، كما أمركم الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم