المواقيت والإحرام

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-05-08 - 1447/11/21 2026-05-05 - 1447/11/18
عناصر الخطبة
1/مواقيت وأماكن الإحرام 2/ملابس الإحرام 3/أنواع النسك 4/إتمام الحج والعمرة 5/فضائل عشر ذي الحجة 6/الإكثار من العمل الصالح.

اقتباس

فاغتنموا -رحمكم الله- أيام العشر بالعمل الصالح فيها، من ذكر وصيام وصدقة وسائر أعمال البر، واحذروا من الانشغال فيها باللهو والترف وتوافه الأمور. لتظهر منا الأعمال الصالحة تصديقًا لإيماننا بها، ولتبرز جلية في مواسمها الشريفة، أشهدوا الخلائق بأعمالكم الطيبة، ولا تشهدوهم بالأعمال الباطلة....

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الكريم الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، أحمده -سبحانه- حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بادروا إلى طاعته برغبة واعتناء، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فإن الله -تعالى- لما جعل البيت الحرام معظماً مشرّفاً جعل له حصناً وهو مكة، وحِمًى وهو الحرم، وجعل للحرم حرماً وهي المواقيت، فلا تتجاوز المواقيت إلا بالإحرام؛ تعظيماً لبيت الله الحرام، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن  أراد الحج أو العمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها".

 

 وقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يلبس القُمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس"(متفق عليه). وعند البخاري "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين".

 

وعن ابن عمر -رضي الله عنه- في حديث له عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين"، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كنتُ أطيّب النبي -صلى الله عليه وسلم- عند إحرامه بأطيب ما أجد"، وفي رواية: "ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك"؛ فيُستحَب التطيب عند الإحرام ولو بقيت رائحته ولونه، ويحرم بعده كما يحرم الرفث وكذا التقليم لما فيها من الرفاهية.

 

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً قال: يا رسول الله مَن الحاج؟ قال: الشِّعِث التَّفِل، قال: فأي الحج أفضل؟ قال: العج والثج، قال: وما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"(رواه ابن ماجه).

 

أيها المسلمون: ولقد خيَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الأنساك الثلاثة، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل"(متفق عليه)، ففيه الإذن منه -صلى الله عليه وسلم- بالحج إفرادًا وقرانًا وتمتعًا.

 

وحكى النووي -رحمه الله- الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة، فيُعيّن الحاج أحدها عند الإحرام، ويرفع صوته بالإهلال والتلبية، فعن السائب بن خلاد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية"(رواه الخمسة)، وزاد ابن ماجه: "فإنها من شعائر الحج"، وفي رواية: "أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: كن عجاجًا ثجاجًا، والعجّ التلبية، والثج نحر البدن".

 

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من تلبيته سأل الله -عز وجل- رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار، فليس همّه مخيمه ورفاهيته كما هي حال الكثير في هذه الأزمان.

 

أيها المسلمون: لقد حرم الله صيد حَرَمي مكة والمدينة، وكذا تنفيره بهما، وحرّم -تعالى- الصيد على المحرم داخل مكة وخارجها، ابتلاءً منه -تعالى-، ليظهر ويتجلى من يخافه من عباده بالغيب، ومن يستهين بمحارمه ولا يبالي بها؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[سورة المائدة:94]؛ قال مقاتل: نزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكان الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون.

 

ويُباح للمحرم صيد البحر وصيد البر من الحلال إذا لم يصده لمحرم، قال -تعالى-: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[سورة المائدة:96]، وحمل أبو قتادة -رضي الله عنه- على حمر وحشية وهو غير محرم خارج الحرم على ساحل البحر فعقر منها أتان وأطعم أصحابه منها، وكانوا محرمين، وحملوا ما بقي منها، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: "منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فكلوا ما تبقى من لحمها".

 

عباد الله: على المسلم إتمام الحج والعمرة إذا شرع فيهما بإكمال أفعالهما بخشوع وإخلاص لله -تعالى- على الطريق المشروع، ولْيُعظِّم حرمات الله وشعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)[سورة البقرة:196]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله مُوفِّق من شاء لطاعته ومعينه عليها، فجعله راغبًا ونشيطًا في أدائها، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا صلاة ولا نسك إلا له ولا التجاء إلا إليه -تعالى-، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من صلى ونحر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذي قال فيهم نبي الله: لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فإن عشر ذي الحجة وقد قاربت الدخول ليست كسائر الأيام، ففي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله -عز وجل- من هذه الأيام يعني أيام العشر"، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء"، وفي لفظ عند الطبراني: "فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير".

 

 فيُشرع التكبير في كل عشر ذي الحجة، وكان ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما، فاغتنموا -رحمكم الله- أيام العشر بالعمل الصالح فيها، من ذكر وصيام وصدقة وسائر أعمال البر، واحذروا من الانشغال فيها باللهو والترف وتوافه الأمور.

 

عباد الله: لتظهر منا الأعمال الصالحة تصديقًا لإيماننا بها، ولتبرز جلية في مواسمها الشريفة، أشهدوا الخلائق بأعمالكم الطيبة، ولا تشهدوهم بالأعمال الباطلة، اللهم اجعل صلاتنا ونسكنا وسائر أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ووَفِّقنا للصواب فيها يا أكرم الأكرمين.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

المواقيت والإحرام.doc

المواقيت والإحرام.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات