خطبة عيد الفطر 1447هـ

الشيخ محمد بن مبارك الشرافي

2026-03-20 - 1447/10/01 2026-03-16 - 1447/09/27
التصنيفات: الفطر
عناصر الخطبة
1/شكر نعمة إكمال الشهر 2/اكتمال الدين وأركانه الاعتقادية والعملية 3/أصول مهمة يقوم عليها دين الإسلام 4/وحدة الكلمة واجتماع الصف 5/التحذير من البدع المتعلقة بالموت والدفن والقبور 6/المحافظة على العمل الصالح بعد شهر رمضان 7/ وصايا للمرأة المسلمة.

اقتباس

وَأَرْكَانُ هَذَا الدِّينِ الْعَمَلِيَّةُ خَمْسَةٌ وَأَرْكَانُهُ الاعْتِقَادِيَّةُ سِتَّةٌ؛ فَأَمَّا الْخَمْسَةُ فَهِيَ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ، وَأَمَّا أَرْكَانُ الْإِيمَانِ: أَنْ نَؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَنُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ...

الخطبةُ الأولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّين، اللهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا هَلَّ هِلَالٌ وَأَبْدَر، اللهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا صَامَ صَائِمٌ وَأَفْطَر، اللهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا تَرَاكَمَ سَحَابٌ وَأَمْطَر، اللهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا نَبَتَ نَبَاتٌ وَأَزْهَر، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَر، اللهُ أَكْبَر.

 

الْحَمْدُ للهِ الذِّي سَهَّلَ لِعِبَادِهِ طَرِيقَ الْعِبَادَاتِ وَيَسَّر، وَوَفَّاهُمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ مِنْ خَزَائِنِ جُودِهِ التِي لا تُحْصَر، أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَدَ وَيُشْكَرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ الْأَكْبَرُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ فِي الْمَحْشَرِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهَّر، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الذِينَ هُمْ  خَيْرُ صَحْبٍ وَمَعْشَر.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ مَنَّ عَلَيْنَا بِإِتْمَامِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، فَنَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- وَنَشْكُرُه وَنَسْأَلُهُ الْقَبُولَ وَالرِّضَا عَنْ أَعْمَالِنَا وَسَعْيِنَا، وَأَنْ لا يَرُدَّنَا خَائِبِينَ وَلا مِنْ بَابِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ مَحْرُومِينَ.

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ دِينَنَا الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الذِي ارْتَضَاهُ اللهُ لَنَا، وَأَرْسَلَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَمْ يُتَوَفَّ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- إِلَّا وَقَدْ كَمُلَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة: 3].

 

 وَأَرْكَانُ هَذَا الدِّينِ الْعَمَلِيَّةُ خَمْسَةٌ وَأَرْكَانُهُ الاعْتِقَادِيَّةُ سِتَّةٌ، فَأَمَّا الْخَمْسَةُ فَهِيَ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ، وَأَمَّا أَرْكَانُ الْإِيمَانِ: أَنْ نَؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَنُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

 

وَمَبْنَى هَذَا الدِّينِ عَلَى أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ هُمَا الإِخْلَاصُ للهِ وَالْمُتَابَعَةُ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَنْ أَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ وَوَافَقَ هَدْيَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ عَمَلُهُ مَقْبُولًا، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الكهف: 110]، وَعَكْسُ ذَلِكَ الشِّرْكُ وَالْبِدْعَةُ، فَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللهِ أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ، وَمَنْ تَعَبَّدِ للهِ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَقَعَ فِي الْبِدْعَةِ.

 

وَالشِّرْكُ وَالْبِدْعَةُ خَطَرٌ عَظِيمٌ؛ قَالَ اللهُ -تَعَالَى- (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[المائدة: 72]، وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "‌مَنْ ‌أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّنَا الآنَ فِي حَالَةٍ لا تَخْفَاكُمْ مِنْ حَرْبٍ لا نَاقَةَ لَنَا فِيهَا وَلا جَمَلَ، لَكِنَّهَا فُرِضَتْ عَلَيْنَا، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُجَنِّبَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْخَلِيجِ شَرَّهَا، وَإِنَّنَا فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ لِلالْتِفَافَ حَوْلَ وَلَاةِ أَمْرِنَا وَعُلَمَائِنَا، وَإِنَّ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ لا نَصْدُرَ إِلَّا عَنْ تَوْجِيهَاتِهِمْ وَلا نَسْمَعَ إِلَّا لَهُمْ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء: 83]، ثُمَّ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، فَهَلْ تَجِدُ أَحَدًا يَحْرِصُ عَلَى مَصلَحَتِكَ وَأَمْنِكَ أَكْثَرَ مِنْ وُلَاةِ أَمْرِكَ؟

 

فَيَجِبُ أَنْ نَثِقَ بِرَبِّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- وَنَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَنَعْلَمَ أَنْ بِلادَنَا -بِحَمْدِ اللهِ– يُدِيرُهَا رِجَالٌ حَرِيصُونَ عَلَى مَصْلَحَتِنَا، وَيَحْسِبُونَ لِكُلِّ خُطْوَةٍ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ، وَيَعْرِفُونَ مَتَى يَدْخُلُونَ فِي الْحَرْبِ، وَمَتَى يَتَحَلَّوْنَ بِضَبْطِ النَّفْسِ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنَ الْأَصْوَاتِ التِي لا تُرِيدُ لَنَا إِلَّا الشَّرِّ، وَيُظْهِرُونَ النُّصْحَ لَنَا وَالْغِيرَةَ عَلَى بِلادِنَا، وَهُمْ يَدُسُّونَ السُّمَّ فِي الْعَسَلِ، فَلْنَكُنْ عَلَى قَدْرِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَنَعْرِفْ عَدَوَّنَا مِنْ صَدِيقِنَا.

 

ثُمَّ لَوْ رَأَى وُلَاةُ أَمْرِنَا -حَفِظَهُمْ اللهُ– الدُّخُولَ فِي الْحَرْبِ، فَيَجِبُ أَنْ نَقِفَ صَفًّا وَاحِدًا، وَأَنْ نُشَجِّعَ جُنُودَنَا وَنَشُدَّ مِنْ أَزْرِهِمْ، وَلا يَكُونُ الْكُفَّارُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ أَشَدَّ بَأْسًا مِنَّا، فَإِنَّهُمْ يَأَلْمُونَ كَمَا نَأْلَمُ، لَكِنَّنَا نَرْجُو مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ، فَقَتْلانَا نَحْنُ أَهْلُ السُّنَّةِ شُهَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ -بِإِذْنِ اللهِ-، وَقَتْلَى الْكُفَّارِ فِي النَّارِ.

 

وَأَسْلَافُنَا مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَظْهَرُوا صُنُوفَ الشَّجَاعَةِ وَالْبَسَالَةِ فِي الْحُرُوبِ، وَلِسَانُ حَالِهِمْ يَقُولُ:

فَلَسنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا *** وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدّمَا

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

 

أيها المسلمون: اعْلَمُوا أَنَّ الْمَوْتَ مُصِيبَةٌ لا بُدَّ مِنْ لِقَائِهَا؛ فَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعِدَّ لِذَلِكَ وَنُكْثِرَ مِنَ ذِكْرِ الْمَوْتِ.

 

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ بَابَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتَى وَالْقُبُورِ هُوَ البَابُ الذِي تَكْثُرُ بِسَبَبِهِ الْبِدْعَةُ وَالشِّرْكُ وَالْخُرَافَاتُ وَالْمُخَالَفَاتُ، وَلِذَلِكَ نُنَبِّهُ عَلَى عِدَّةِ أُمُورٍ نَرْجُو اللهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِهَا، فَأَوَّلًا: يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ التَّعْزِيَةَ مَشْرُوعَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ طُقُوسًا تُمَارَسُ وَتُحَدَّدُ بِأَيَّامٍ، وَأَنَّ التَّجَمُّعَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُعَزّى أَهْلُ الْمَيِّتِ بِدُونِ اجْتِمَاعَاتٍ أَوْ وَلائِم.

 

ثَانِيًا: مَا صَارَ يَحْدُثُ بَعْدَ تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ مِنَ التَّجَمُّعِ لِتَقْبِيلِهِ وَتَوْدِيعِهِ لَيْسَ سُنَّةً، بَلْ فِيهِ تَأْخِيرٌ لِتَجْهِيزِهِ وَفَتْحٌ لِبَابِ الْبِدَعِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّهُ يَكُونُ هُنَاكَ طَابُورٌ مِنَ النِّسَاءِ وَطَابُورٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَلا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُحْدَثٌ، وَأَمَّا الاحْتِجَاجُ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيُقَبِّلَهُ، وَإِنَّمَا لِيَتَأَكَّدَ مِنْ مَوْتِهِ.

 

 ثُمَّ إِنَّ التَّقْبِيلَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- زَوْجَتِهِ، وَلا مِنْ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- ابْنَتِهِ، وَلا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَاحْذَرُوا مِنْ فَتْحِ بَابِ الْمُحْدَثَاتِ.

 

ثَالِثًا: زِيَارَةُ الْقُبُورِ سُنَّةٌ وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّهَا لِلرِّجَالِ فَقَطْ دُونَ النِّسَاءِ، ثُمَّ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، فَتُزَارُ الْقُبُورُ فِي أَيِّ يَوْمٍ وَفِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ لِيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَتَخْصِيصُ يَوْمٍ كَالْعِيدِ أَوِ الْجُمْعَةِ للِزِّيَارَةِ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ وَيَأْثَمُ بِذَلِكَ الْإِنْسَانُ، ثُمَّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ تَكُونُ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا وَالاعْتِبَارِ بِحَالِهِمْ، فَكَمَا كَانُوا مَعَنَا بِالْأَمْسِ فَهُمْ قَدْ فَارَقُونَا، فَكَذَلِكَ نَحْنُ نَزُورُهُمْ الْيَوْمَ وَغَدًا يَزُورُنَا النَّاسُ وَقَدْ دُفِنَّا فِي الْقُبُورِ.

 

رَابِعًا: اعْلَمُوا أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُقَدَّمُ لِلْمَيِّتِ هُوَ الدُّعَاءُ، وَلَيْسَ الْحَجَّ عَنْهُ أَوِ الْعَمْرَةَ أَوِ الْوَقْفَ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لَكِنَّ الْأَفْضَل الدَّعَاء، وَلأَنَّ  الْحَيَّ أَحْوَجُ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، وَمِنَ الْخَطَأِ مَا صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُهُ، حَيْثُ صَارَ كُلُّ نَافِلَةٍ يَنْوِيهَا عَنِ الْأَمْوَاتِ وَيَتْرُكُ نَفْسَهُ، فَيَعْتَمِرُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيَضَعُ وَقْفًا عَنِ الْمَيِّتِ، وَرُبَّمَا قَرَأَ خَتْمَةً عَنِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا خِلَافُ الْأَفْضَلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ ‌صَالِحٍ ‌يَدْعُو ‌لَهُ".

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ قَدْ حَصَلَ خَلَلٌ عَظِيمٌ وَتَقْصِيرٌ كَبِيرٌ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَدْعُو لِلْقَلَقِ وَعَلَامَةُ شَرٍّ وَنَذِيرُ شَؤُمٍ، فَكَيْفَ يَرْضَى الرَّجُلُ السَّوِيُّ الْقَوِيُّ أَنْ يَتْرُكَ بَيْتَ اللهِ وَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَيَفُوتُهُ الْأَجْرُ وَيَكْسِبُ الْإِثْمَ وَالْوِزْرَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[النور: 35- 36].

 

 وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ".

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتِغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

 اللهُ أَكْبَرُ (7 مرات)

 

 أَيَّتُهَا الْمُسْلِمَةُ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى وَوَعَدَ مَنْ أَطَاعَ بِالثَّوَابِ وَتَوَعَّدَ مَنْ عَصَى بِالْعِقَابِ، وَجَعَلَ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَثَوَابَ الآخِرَةِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي طَاعَتِهِ -سُبْحَانَهُ-، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97]، حَافِظِي عَلَى صَلاتِكِ فِي وَقْتِهَا، وَأَطِيعِي زَوْجَكَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَاحْفَظِي نَفْسَكَ تَدْخُلِي جَنَّةَ رَبِّكِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا فَلْتَدْخَلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ"(رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيةِ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْه-، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).

 

أَيَّتُهَا الْمُسْلِمَةُ: كُونِي صَالِحَةً مُصْلِحةً، قُدْوَةً لِأَهْلِ بَيْتِكِ وَلِمَنْ حَوْلَكِ مِنَ الأَقَارِبِ أَوِ الْجِيرَانِ، احْذَرِي اللِّسَانَ وَغَوَائِلَهُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ"، وَاعْلَمِي أَنَّ حِجَابَكَ سِتْرٌ لَكِ وَبَيْتُكِ خَيْرٌ لَكِ، وَأَنَّ الدُّنْيَا قَصِيرَةٌ زَائِلَةٌ وَأَنَّ الآخِرَةَ قَرِيبَةٌ بَاقِيَةٌ.

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ: إِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَنْ يَنْقَطِعَ بِانْقِضَاءِ رَمَضَانَ، بَلْ لا نَزَالُ نَتَعَبَّدُ لِرَبِّنَا -سُبْحَانَهُ- بِالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ حَتَّى نَلْقَاهُ وَهُوَ رَاضٍ عنا، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الحجر: 99].

 

 وَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ: صِيَامَ سِتٍّ مِنْ شَوَّالِ؛ قَالَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"، فَيَجُوزُ صِيَامُهَا مُتَفَرّقَةً وَمُجْتَمِعَةً، مِنْ أَوّلِ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ، لَكِنَّ الأَفْضَلَ أَنْ تَكُونَ مُتَتَابِعَةً وَتَكُونَ مُبَاشَرَةً بَعْدِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلا يَبْدَأُ بِصِيَامِ السِّتِّ حَتَّى يَقْضِي مَا عَلَيْهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: افْرَحُوا بِعِيدِكُمْ، وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ، وَهَنِّئُوا بَعْضَكُمْ بِيَوْمِكُمْ، وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يُهَنِّئُ بَعْضَهُمُ بَعْضَاً بِقَوْلِهِ: "تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ"، وَلا بَأْسَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَارَاتِ التِي لا مَحْظُورَ فِيهَا، وَإِنَّ الْعِيدَ فُرْصَةٌ لِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَزِيَارَةِ الأَهْلِ وَالأَصْدَقَاءِ، وَفُرْصَةٌ لِإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ، وَفُرْصَةٌ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ[1].

 

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ وَالْقُرْآنَ، وَأَعِنَّا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَجَنِّبْنَا كُلَّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَاِم، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

 

 اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي َأسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا قَابِلِينَ لَهَا وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا وَأَصْلِحْ وُلاةَ أَمْرِنَا وَأَصْلِحْ لِوُلاةِ أَمْرِنَا بِطَانَتَهُمْ وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ الحُرُوبِ، وَشَرَّ الأَشْرَارِ وَكَيْدَ الفُجَّارِّ يَا قَويُّ يَا قَهْارُّ.

 

 سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ

 

[1] صاحب الفضيلة: إن اجتمع في هذا اليوم العيد مع الجمعة، فتكرم بقراءة التالي قبل الدعاء:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا العِيدُ وَالجُمُعَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ ‌رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ ‌فَلْيُصَلِّ"، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ حَضَرَ صَلَاةَ العِيدِ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي عَدَمِ حُضُورِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَيُصَلِّيهَا ظُهْرًا فَي وَقْتِ الظُهْرِ، وَإِنْ صَلَّى مَعَ النَّاسِ الجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ العِيدِ فَلَا تَشْمَلُهُ الرُخْصَةُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَى صَلَاةِ الجُمُعَةِ.

 

 وَيَجِبُ عَلَى أَصْحَابِ الفَضِيلَةِ خُطَبَاءِ الجَوَامِعِ إِقَامِةُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، لِيَشْهَدَهَا مَنَ شَاءَ شُهُودَهَا، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ العِيدَ، وَلَا يُشْرَعُ فِي هَذَا الوَقْتِ الأَذَانُ إِلَّا فِي المسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا صَلَاةُ الجُمُعَةِ، فَلَا يُشْرَعُ الأَذَانُ لِصَلَاةِ الظُهْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

المرفقات

خطبة عيد الفطر 1447هـ.doc

خطبة عيد الفطر 1447هـ.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات