عناصر الخطبة
1/من أثر معية الله لخلقه وأمثلة عليه 2/معية الملائكة للمؤمنين من معية الله 3/من أدلة مصاحبة الملائكة للمؤمنين 4/الملائكة نور وقلب المؤمن نور 5/من وسائل تحصيل النور الإلهياقتباس
المؤمنون يحسُّون معية الله والملائكة بدفع الأذى عنهم؛ فتجد الله -سبحانه- يدفع عنهم كيد الكائدين، ويرد عنهم حقد الحاقدين، فينتقم الله من عدوّهم ويخذله، ويكله إلى نفسه، ويصير إلى ذل، والشواهد من القرآن الكريم أوضح مثال في أعداء الأنبياء...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].
أما بعد: الله -سبحانه وتعالى- مع المؤمنين، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، ولا ريب أن المؤمنين يحسُّون بوجود معية الله معهم، ووجود الملائكة معهم، يحسُّونهما بتوفيق الله لهم في أمورهم؛ فتجدهم موفقين في اختيارهم لأصحابهم ومساكنهم ودراستهم، وفي أعمالهم، وفي أولادهم وأهلهم، وفي ترتيب أوقاتهم.
ألا ترى الله -سبحانه- يختار لك أموراً قد لا تقتنع فيه ابتداءً، لكن عاقبتها تكون خيراً لك، وهذا هو التوفيق، والمثل يقول: "الخير فيما اختاره الله"، نعم، الرضا بالله رباً والرضا بالقدر هو الخير كل الخير؛ (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النساء: 19]، ألم تكن أم موسى -عليه السلام- خائفة على ابنها موسى -عليه السلام- من الغرق ومن قتل فرعون له؟ فماذا كانت النتيجة؟ غلبة موسى وهزيمة فرعون ونجاة بني إسرائيل.
ألم يكن يعقوب -عليه السلام- حزيناً على ابنه يوسف -عليه السلام-؟ فماذا كانت النتيجة؟ تمكين يوسف -عليه السلام- ورجوع أبويه وإخوانه.
ألم تكن أم سلمة حزينة أن مات زوجها ولا تتوقع أن تجد خيراً منه؟ فخطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ألم يكن الصحابة متضايقين أن فاتتهم عير قريش يوم بدر؟ فماذا كانت النتيجة؟ لقوا الجيش بقيادة زعماء قريش، فقتلوا جميعاً ونصر الله رسوله والمؤمنين ورفع قدرهم.
المؤمنون يحسُّون معية الله والملائكة بتيسير أمورهم: فتجد أمورهم ميسرة، ومقضية، وسلسة، وكثير من المصاعب تبتعد عنهم، وكثير من المصائب تجانبهم، تتيسر لهم أبواب الرزق، والعلم، والذرية، والعلاج؛ وقد قال -سبحانه-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق: 2 - 3].
المؤمنون يحسُّون معية الله والملائكة بدفع الأذى عنهم؛ فتجد الله -سبحانه- يدفع عنهم كيد الكائدين، ويرد عنهم حقد الحاقدين، فينتقم الله من عدوّهم ويخذله، ويكله إلى نفسه، ويصير إلى ذل، والشواهد من القرآن الكريم أوضح مثال في أعداء الأنبياء -عليهم السلام- والصالحين.
المؤمنون يحسُّون معية الله والملائكة بهدايتهم وتثبيتهم؛ فتجدهم مثبتين على الحق، محبين للخير دائمين دائبين عليه، ولولا معية الله لهم لما ثبتوا؛ قال -سبحانه-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)[إبراهيم: 27].
تأتيه الإغراءات والشبه والخواطر والنماذج الممسوخة من المفتونين، فيصرفها الله عنهم، قال الصحابة -رضي الله عنهم- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به"، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أو قد وجدتموه؟"، قالوا: "نعم"، قال: "ذاك صريح الإيمان"(رواه مسلم)، وفي رواية: جاء رجلٌ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسولَ اللهِ، إنَّ أحدَنا يجدُ في نفسِه يعرضُ بالشيء، لأن يكونُ حممةٌ أحبَّ إليه من أن يتكلَّم به"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ!، الحمدُ للهِ الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ"(رواه أبوداود)، كل تلك أدلة على مصاحبة الملائكة للمؤمنين، وحومها حولهم.
وعن النواس بن سمعان -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ضربَ اللهُ -تعالى- مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنْبَتَيِ الصراطِ سورانِ، فيهما أبوابٌ مُفَتَّحَةُ، وعلَى الأبوابِ ستورٌ مُرْخَاةٌ، وعلى بابِ الصراطِ داعِ يقولُ: يا أيُّها الناسُ، ادخلوا الصراطَ جميعًا ولَا تَتَعَوَّجوا، وداعٍ يدعُو مِنْ فَوْقِ الصراطِ، فإذا أرادَ الإِنسانُ أنْ يفتحَ شيئًا مِنْ تِلْكَ الأبْوابِ قال: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ؛ فإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ حدودُ اللهِ، والأبوابُ الْمُفَتَّحَةُ محارِمُ اللهِ -تعالى-، وذلِكَ الدَّاعِي على رأسِ الصراطِ كتابُ اللهِ، والداعي مِنْ فوقٍ واعظُ اللهِ في قلْبِ كُلِّ مسلِمٍ"(رواه أهل السنن بسند صحيح)، واعظ الله -سبحانه- في القلب هو الدليل على التوفيق، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ لِلملَكِ بقلب ابن آدم لَمَّةً، وللشيطان لَمّةً، فلمّةُ الملَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، ولَمَّةُ الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق"(رواه الترمذي).
الملائكة تأوي إلى قلوب المؤمنين؛ لأنها خلقت من نور، وقلوب المؤمنين مليئة بالنور، نور الوحي الذي يهديهم في الدنيا في ظلمات المعاصي والفتن، ويضيء لهم في الآخرة في المحشر وعلى الصراط؛ كما قال الله -سبحانه-: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)[الحديد: 12 - 13].
وهذا النور من القوة الكافية لدحر أي شيطان، وكشف أي ظلمة؛ قال -سبحانه-: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[النور: 35].
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
أيها المسلمون: كيف نحصل على هذا النور؟ وكيف تكون قلوبنا مضيئة صافية؟.
أولاً: بتقوية الإيمان بالله -سبحانه-؛ لأنه -سبحانه وتعالى- النور؛ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[النور: 35]، وحجابه النور؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "حجابه النور"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "نور أنى أراه"، وبقدر إيمانك بالله -سبحانه- يزيد النور في قلبك، والضياء في حياتك.
ثانياً: بكثرة العبادة لله -سبحانه-؛ لأن العبادات تنوّر ظاهر العبد وباطنه؛ قال -صلى الله عليه وسلم- "الصلاة نور"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجّلين من أثر الوضوء"، فمن أكثر الوضوء والصلاة والذكر والصدقة والعمرة وصلة الرحم والإحسان للخلق ازداد نوره.
ثالثاً: بتلاوة القرآن وختمه؛ لأن القرآن نور؛ قال -سبحانه-: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)[المائدة: 15]، وقال -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)[النساء: 174]، بينما أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ -رضي الله عنه- لَيْلَةً يَقْرَأُ في مِرْبَدِهِ، إذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، قالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أَرَاهَا، فلما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "تِلكَ المَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ ما تَسْتَتِرُ منهمْ"(رواه مسلم).
رابعاً: بحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- واتباعه وتوقيره؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نور؛ قال -سبحانه-: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)[الأحزاب: 45 - 46]؛ فهو -صلى الله عليه وسلم- سراج لأمته بهدايتها، أنار لها الطريق وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقال كعب بن زهير بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-:
إن الرسول لسيفٌ يستضاء به *** مهند من سيوف الله مسلول
فكافأه وألبسه بردته.
خامساً: بالدعاء، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ "اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعنْ يميني نورًا، وعنْ يساري نورًا، ومنْ فوقي نورًا، ومنْ تحتي نورًا، ومنْ أمامي نورًا، ومنْ خلفي نورًا، واجعلْ لي في نفسي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا"(رواه البخاري ومسلم).
فليس نور المؤمن في قلبه فقط؛ بل في كل جوانحه وجوارحه، يبدأ النور من القلب، ثم ينتقل للأطراف والجوارح، والمقصود بهذا النور العلم والهداية؛ كما استدل القرطبي -رحمه الله- بقوله -تعالى-: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)[الزمر: 22]، وقال -سبحانه-: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)[الأنعام: 122]؛ يعني أن كل عضو يضع الله فيه نوراً يهديه للحق، ويمنعه ويبعده من الباطل.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم