رمضان الأخير

راكان المغربي

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-17 - 1447/08/29
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/موعد النهاية المصيري المحتوم 2/أوشك رمضان أن يصل 3/لابد أن نتعامل مع رمضان القادم أنه المحطة الأخيرة لفصول حياتنا.

اقتباس

إِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ؛ فَذَاكَ يَعْنِي أَنَّ أَعْظَمَ هَمِّكَ سَيَكُونُ التَّخَلُّصَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْبَةَ مِنَ الْآثَامِ، وَالرَّحِيلَ إِلَى اللهِ طَاهِرًا قَلْبُكَ، مُبْيَضَّةً صَحِيفَتُكَ، مَمْحُوَّةً سَيِّئَاتُكَ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، أَمَّا بَعْدُ:

 

كَثِيرٌ مِنَّا يَسْتَخْدِمُ تَقْوِيمَ الْجَوَّالِ، لِيُسَجِّلَ فِيهِ مَوَاعِيدَهُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ الْهَامَّةَ؛ وَبِذَلِكَ يَتَذَكَّرُ مَوْعِدَ الْمُسْتَشْفَى، وَتَارِيخَ الْمُنَاسَبَةِ، وَوَقْتَ الرِّحْلَةِ، وَسَاعَةَ الِاجْتِمَاعِ؛ وَلَكِنَّ ثَمَّةَ مَوْعِدًا مُسْتَقْبَلِيًّا أَشَدَّ أَهَمِّيَّةً، وَأَعْظَمَ شَأْنًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَنْ تَجِدَهُ مُسَجَّلًا فِي التَّقَاوِيمِ، وَلَا مَعْرُوفًا فِي الْأَذْهَانِ.

 

مَوْعِدٌ مَصِيرِيٌّ سَيَأْتِي عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا، وَسَنَتَفَاجَأُ بِهِ بِدُونِ إِشْعَارٍ مُسْبَقٍ، وَلَا نَغْمَةِ تَنْبِيهٍ؛ إِنَّهُ مَوْعِدُ الْمَوْتِ -يَا عِبَادَ اللهِ-، ذَاكَ الْمَوْعِدُ الَّذِي نَحِيدُ مِنْهُ وَهُوَ مُدْرِكُنَا، نَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ لَاقِينَا؛ (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[الجمعة: 8].

 

هَذَا هُوَ الْمَوْعِدُ الْمَحْتُومُ، وَالْأَجَلُ الْمَحْسُومُ؛ مَوْعِدٌ لَا نَسْتَطِيعُ التَّنَبُّؤَ بِوَقْتِهِ، وَلَا تَوَقُّعَ تَارِيخِهِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سِنِينَ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُبَاغِتُنَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ فِي كُلِّ آنٍ وَحِينٍ.

 

كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- يَمْشِي يَوْمًا؛ فَمَدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ الشَّرِيفَةَ وَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدَ اللهِ، كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ"؛ أي: اجْعَلْ حَالَكَ فِي الدُّنْيَا كَحَالِكَ فِي الْغُرْبَةِ، تَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَمْكُثَ طَوِيلًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى وَطَنِكَ وَمُسْتَقَرِّكَ، أَوْ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ، مَكَثْتَ يَسِيرًا فِي مَحَطَّةِ تَوَقُّفٍ تَتَرَقَّبُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ النِّدَاءَ لِإِكْمَالِ رِحْلَتِكَ إِلَى وِجْهَتِكَ النِّهَائِيَّةِ.

 

هَكَذَا؛ فَلْيَكُنْ حَالُكَ فِي الدُّنْيَا، تَعِيشُ مُتَرَقِّبًا لِنِدَاءِ الِانْتِقَالِ، وَإِكْمَالِ الرِّحْلَةِ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ؛ وَلِذَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ -لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَزُورُكَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ-، وَإِذَا أَصْبَحْتَ؛ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ -لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَزُورُكَ قَبْلَ أَنْ تُمْسِيَ-، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ".

 

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: هَا نَحْنُ عَلَى مَشَارِفِ أَشْرَفِ شُهُورِ الْعَامِ، وَأَعْظَمِ لَيَالِي الْعُمُرِ، وَأَوْفَرِ فُرْصَةٍ لِلِاسْتِعْدَادِ قَبْلَ النِّدَاءِ الْأَخِيرِ.

 

فِي رَمَضَانَ الْفُرَصُ مُوَاتِيَةٌ، وَأَبْوَابُ الْخَيْرِ مُفَتَّحَةٌ، وَنَوَازِعُ الشَّرِّ مَكْبُوتَةٌ؛ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ".

 

يَا الله! 

تَغَيُّرَاتٌ كَوْنِيَّةٌ، وَنِدَاءاتٌ تَحْفِيزِيَّةٌ، وَهِبَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ، السَّعِيدُ مَنْ نَالَهَا، وَالتَّعِيسُ الْمَحْرُومُ مَنْ ضَيَّعَهَا وَفَرَّطَ فِيهَا؛ مَا رَأْيُكُمْ -يَا عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَعِيشَ رَمَضَانَ هَذَا الْعَامِ وَكَأَنَّهُ آخِرُ رَمَضَانٍ سَنُدْرِكُهُ فِي حَيَاتِنَا؟

 

نُسَابِقُ فِيهِ وَكَأَنَّهُ آخِرُ لَحَظَاتِ السِّبَاقِ. نَسْتَثْمِرُ لَحَظَاتِهِ وَكَأَنَّهُ آخِرُ جَوْلَةٍ لِمَلْءِ رَصِيدِ الْحَسَنَاتِ. نَتَعَرَّضُ لِنَفَحَاتِهِ وَكَأَنَّهُ الْفُرْصَةُ الْأَخِيرَةُ لِلتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ حِينَ تَشْعُرُ بِذَلِكَ سَيَكُونُ صَوْمُكَ مُخْتَلِفًا، لِأَنَّكَ سَتَسْتَحْضِرُ تَمَامًا قَوْلَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي"؛ سَتَعْلَمُ أَنَّكَ تَصُومُ الْيَوْمَ، لِتَنَالَ الْجَزَاءَ وَالْهَنَاءَ فِي الْغَدِ الْقَرِيبِ، حِينَ تَلْقَى اللهَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُضَاعِفُ اللهُ أَجْرَهُ بِدُونِ حَدٍّ وَلَا عَدٍّ.

 

وَسَتَكُونُ حَرِيصًا عَلَى أَلَّا تَكُونَ حَصِيلَةُ صِيَامِكَ فِي الشَّهْرِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَقَطْ؛ بَلْ سَتَسْعَى لِمُضَاعَفَةِ أَيَّامِ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ بِتَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ".

 

عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تُفَرِّطَ -بِسُهُولَةٍ- فِي تَضْيِيعِ أَجْرِ هَذَا الصَّوْمِ، بِأَنْ تَجْرَحَهُ بِالسِّبَابِ وَالشَّتَائِمِ خِلَالَ زَحْمَةِ السَّيَّارَاتِ، أَوْ الْعَصَبِيَّةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ وَالْبَنَاتِ، أَوْ الْخِصَامِ فِي طَوَابِيرِ الْفُولِ وَالتَّمْوِينَاتِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"؛ فَالَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ مِنْكَ لَيْسَ هُوَ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَتَحْقِيقُ التَّقْوَى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

وَإِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ، فَسَتَكُونُ حَرِيصًا عَلَى أَلَّا تَضِيعَ مِنْكَ ثَوَانِي رَمَضَانَ وَدَقَائِقُهُ وَسَاعَاتُهُ إِلَّا فِي طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ.

وَمِنْ أَجَلِّ عِبَادَاتِ رَمَضَانَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ تَعْظِيمُ هَذَا الشَّهْرِ تَبَعًا لِعَظَمَةِ هَذَا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)[البقرة: 185].

 

تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فَضْلِهَا: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ آلم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ".

 

إِنَّ الصَّفْحَةَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ فِيهَا حَوَالِي خَمْسُ مِائَةِ حَرْفٍ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الصَّفْحَةَ الْوَاحِدَةَ إِنْ تَقَبَّلَهَا اللهُ مِنْكَ، سَيَكُونُ مِقْدَارُ ثَوَابِهَا حَوَالِي خَمْسَةُ آلَافِ حَسَنَةٍ، وَالْخَتْمَةُ الْوَاحِدَةُ لِكَامِلِ الْقُرْآنِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ مَلَايِينَ حَسَنَةٍ؛ فَمَا أَعْظَمَ فَضْلَ اللهِ!

 

فَبِاللهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ سَيُفَرِّطُ فِي هَذَا الْأَجْرِ الْعَظِيمِ، مَنْ يَضَعُ الْمَوْتَ نَصْبَ عَيْنَيْهِ، وَيَسْتَعِدُّ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّحْظَةِ الَّتِي سَيَلْقَى فِيهَا رَبَّهُ، وَيَنَالُ جَزَاءَ عَمَلِهِ؟!

 

وَحِينَ تَسْتَشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ، فَلَنْ تَتَضَجَّرَ مِنْ طُولِ قِيَامِ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَسَتُصَبِّرُ نَفْسَكَ حِينَ تَتَذَكَّرُ أُجُورَ كُلِّ رَكْعَةٍ وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ وَسُجُودٍ وَتِلَاوَةٍ وَسَمَاعِ قُرْآنٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَصُبُّ فِي مِيزَانِ الْحَسَنَاتِ، وَيُشْتَرَى بِهِ نَعِيمُ الْجَنَّاتِ؛ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ *  كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[الذاريات: 15–19].

 

حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالصَّحَابَةِ صَلَاةَ قِيَامِ رَمَضَانَ، قَامَ بِهِمْ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ؛ فَقَالَ الصَّحَابَةُ: "لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ" يَعْنِي: لَوْ أَكْمَلْتَ بِنَا الصَّلَاةَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ"؛ حِينَ تَعْرِفُ هَذَا الْأَجْرَ؛ فَإِنَّكَ سَتُحَاوِلُ مُصَابَرَةَ نَفْسِكَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حَتَّى يُكْتَبَ لَكَ قِيَامُ كَامِلِ اللَّيْلَةِ، فَيَتَضَاعَفَ أَجْرُكَ، وَيَثْقُلَ مِيزَانُكَ.

 

لَوْ اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّكَ مُقْبِلٌ عَلَى آخِرِ رَمَضَانٍ لَكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَلَا شَكَّ أَنَّكَ سَتَلْهَجُ إِلَى رَبِّكَ بِالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ رَاجِيًا رَحْمَتَهُ، خَائِفًا مِنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي وَسَطِ آيَاتِ الصِّيَامِ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة: 186].

 

وَلَعَلَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَضَرَّعُ بِهِ إِلَى رَبِّكَ أَنْ يُحْسِنَ مَصِيرَكَ الَّذِي أَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ، بِأَنْ يُسْكِنَكَ الْجَنَّةَ الَّتِي فُتِحَتْ فِي رَمَضَانَ أَبْوَابُهَا، وَيُنَجِّيَكَ مِنَ النَّارِ الَّتِي غُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا؛ فَتَكُونَ مِنْ ضِمْنِ جُمُوعِ الْمُعْتَقِينَ، الَّذِينَ يُكْرِمُهُمُ اللهُ بِأَعْظَمِ الْجَوَائِزِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ "وَلِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ".

 

أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ مَنْ يَعِيشُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَيَعِيشُ رَمَضَانَ الْقَادِمَ، كَأَنَّهُ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ؟ إِنَّهُ شُعُورٌ يَقِيكَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَيَدْفَعُكَ إِلَى الْعَمَلِ، وَيُوصِلُكَ إِلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّقْوَى؛ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[العنكبوت: 57–58].

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

إِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ، فَذَاكَ يَعْنِي أَنَّ أَعْظَمَ هَمِّكَ سَيَكُونُ التَّخَلُّصَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْبَةَ مِنَ الْآثَامِ، وَالرَّحِيلَ إِلَى اللهِ طَاهِرًا قَلْبُكَ، مُبْيَضَّةً صَحِيفَتُكَ، مَمْحُوَّةً سَيِّئَاتُكَ؛ 

إِذَا اسْتَشْعَرْتَ ذَلِكَ؛ فَلَنْ يَصْعُبَ عَلَيْكَ تَرْكُ الْمَعَاصِي، وَهِجْرَانُ الذُّنُوبِ، وَلَنْ تَهْتَمَّ حِينَهَا بِمُشَاهَدَةِ الْمُسَلْسَلَاتِ الْمَاجِنَةِ، وَالْأَفْلَامِ الْخَلِيعَةِ، الَّتِي تَجْمَعُ لَكَ مِنْ ذُنُوبِ مُشَاهَدَةِ الْعَوْرَاتِ، وَسَمَاعِ الْمُحَرَّمِ مِنَ النَّغَمَاتِ، مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ.

 

سَيَكُونُ كُلُّ هَمِّكَ الْإِقْبَالَ عَلَى اللهِ، وَتَحْصِيلَ الْمَغْفِرَةِ مِنْ أَبْوَابِهَا الْمُشْرَعَةِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ"، "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ"، "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ"، "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"؛ فَصِيَامُ الشَّهْرِ كَامِلًا بَابٌ، وَقِيَامُهُ كَامِلًا بَابٌ، وَقِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بَابٌ، فَمَنْ شُرِعَتْ لَهُ الْأَبْوَابُ، وَفُسِحَتْ لَهُ الطُّرُقُ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِلَى طُرُقِ الْمَعَاصِي، فَهَذَا وَاللهِ هُوَ الْمُبْعَدُ، الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ، وَيُؤَمِّنَ عَلَى ذَلِكَ خَيْرُ الْبَشَرِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْتُ: آمِينَ".

 

فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، أَقْبِلْ! قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْأَجَلُ، وَيَزُولَ الْأَمَلُ، وَيُغْلَقَ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[لقمان: 33–34].

 

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْفَائِزِينَ الْمَقْبُولِينَ.

 

 

المرفقات

رمضان الأخير.doc

رمضان الأخير.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات