رمضان ورفع نوعية مطالب الإنسان

الشيخ بن سالم با هشام

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-17 - 1447/08/29
عناصر الخطبة
1/رمضان بين مطالب الإنسان وعطاء الرحمن 2/استحباب ملازمة الدعاء في رمضان خاصة 3/المعين على الإقبال وسر قبول الدعاء.

اقتباس

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ"(رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى.. وقال -تعالى-: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: يقول -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غافر: 60].

 

تختلف مطالب الناس باختلاف مشاربهم، وباختلاف هممهم، وعلى قدر همتك تُعطى، فأيُّ شيءٍ طلبتَ في عمرك يا إنسان؛ أما سمعتَ قصة الزِّبْرِقان بن بدر سيد قومه، والحُطيئة الشاعر الهجّاء، حتى لا تكون مطالبك خسيسة وأنت لا تشعر؛ الزِّبْرِقان هو أحد وجهاء بني تميم وفرسانها وسادتها، وهو من الصحابة المخضرمين، جاء في كتاب الأغاني للأصفهاني، أن الزِّبْرِقان كان سيدًا من سادات الجاهلية، وله قدر عظيم في الإسلام، ورد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم وسلم-؛ فحسن إسلامه، وولاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدقات قومه، وحين ارتد الناس بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثبت هو مع قومه على الإسلام، وأحضر الصدقات لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-؛ فأقره خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الصدقات، وكذلك فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-

 

أما الحُطيئة؛ فكان شاعرًا هجّاء، بذيء اللسان، لم يترك شخصًا تعامل معه إلا وهجاه، هجا زوجته، ووالده، ووالدته، وخاله، وعمه، ولا أظنك ستتعجب كثيرًا بعد ذلك لو قلت لك إنه هجا حتى نفسه؛ وقد هجا الزِّبْرِقان، فقال فيه:

دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغْيتها *** واقعدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسي

 

فماذا حدث للحُطيئة بعد هجائه الزِّبْرِقان بذلك البيت الشهير؟ لقد شكا الزِّبْرِقان الحطيئة للخليفة عمر بن الخطاب، فأحضرهما معًا، واستمع إلى الزِّبْرِقان وهو يردد ذلك البيت، فقال عمر: ولكن أين الهجاء في هذا البيت، إنني لا أسمع هجاءً بل هو عتاب؟! قال الزِّبْرِقان: أكلُّ مروءاتي هي أن آكل وألبس؟! إنني إذًا نكرة لا قيمة لي بين الناس، ولا دور لي في خدمة الدين. وفي رواية أخرى، قال له عمر: أما ترضى أن تكون طاعمًا كاسيًا؟ وفي رواية ثالثة، قال له عمر: ولكنه مدحك. قال الزِّبْرِقان: أوما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس؟! قال عمر مخاطبًا أحد مساعديه: عليَّ بحسان بن ثابت، فهو شاعر، وأكثر دراية وفهمًا بالشعر وأغراضه، ولما جاء حسان ليحكم، عرض عليه الخليفة عمر بيت الحطيئة وسأله: هل هذا هجاء؟ فقال حسان: إنه لم يهجه؛ ولكن سلح عليه، أي تغوّط، كناية عن شدة الهجاء. ويقال: إن عمر سأل الشاعر لبيدًا كذلك، فأكد له أن ذلك البيت الذي قاله الحطيئة هو أشد أنواع الهجاء، فقال لبيد: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه، وأن لي حمر النعم. فأمر به عمر، فجعل في حفرة، وهذا هو السجن في تلك الأيام، ثم كان أن استشفع الشاعر الحطيئة الخليفة في قصيدته الرائية المؤثرة، فأطلقه، واشترى الخليفة أعراض الناس، واشترط عليه ألا يهجو الهجاء المقذع.

 

عباد الله: إن أكثر ما يلفت نظرنا في هذه القصة، هو استنكار الزِّبْرِقان لصفات لو قيلت لأغلب الأشخاص من أهل زماننا لطار بها فرحًا؛ فيكفي أن تقول عن شخص: إن فلانًا هذا في حاله، ولا هم له إلا إعالة أهله، وكافي خيره شره، ولكن هذا الرجل العربي المسلم الشهم، رفض أن يكون هذا هو فقط همه في الحياة، فأين هو من مطالب الآخرة؟ وأين هو من هموم أمته، والأخطار المحيطة بها من كل حدب وصوب؟ من يدفعها إن صار كل همه في الحياة هو توفير الطعام والكساء؟ لذلك فإننا لا نعجب كثيرًا من أن مثل هذا الجيل، هو الذي فتح العالم.

 

عباد الله: قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة: 185-186].

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ"(رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ"(رواه الترمذي)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ"(رواه الطيالسي).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها-: "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي"(رواه النسائي، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم).

 

 

الخطبة الثانية:

عابد الله: يقول الله -تعالى-: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[يونس: 62-64].

 

وقال -تعالى-: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[المائدة: 27]، وقال -تعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197]، وقال -تعالى-: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[المطففين: 26].

 

وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 183-184].

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

رمضان ورفع نوعية مطالب الإنسان.doc

رمضان ورفع نوعية مطالب الإنسان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات