عرفة ويوم العيد

د. منصور الصقعوب

2026-05-22 - 1447/12/05 2026-05-18 - 1447/12/01
عناصر الخطبة
1/تعلق القلوب بالحج والعمرة 2/رغبة القاعدين في أجر الحج 3/أعمال صالحة وفرص عظيمة في عشر ذي الحجة 4/فضائل يوم عرفة 5/فضائل يوم النحر 6/تأملات في معاني التكبير ودلالاته.

اقتباس

دُعَاؤُهُ خَيْرُ الدُّعَاءِ، وَسَاعَاتُهُ أَشْرَفُ سَاعَاتِ الزَّمَانِ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَصُومَهُ، وَيَصُومَهُ أَهْلُ بَيْتِكَ؛ عَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ... تَفَرَّغْ فِيهِ مِنْ شَوَاغِلِكَ، وَأَقْبِلْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَجِدَّ فِيهِ؛ عَلَّكَ تَلْحَقُ بِرَكْبِ الْحَجِيجِ بِالثَّوَابِ، وَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُعْتِقَ فِيهِ مِنَ النَّارِ رَقَبَتَكَ...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

مَعْشَرَ الْكِرَامِ: قلوب الكثير متعلقة بالمشاعر، وأعينهم ترمق الحجاج وهم يتهيأون ونفوسهم تودّ لو كانت مع الراحلين، يَحْدُوهم لذلك حبّهم البيت الحرام، برغم ما يعلمون من مشقة الأمر، وشدة الحرّ ووعثاء السفر، لكن ذلك يهون في سبيل الرحيل للحج.

 

ولكنهم وقد حِيلَ بين الكثير وبين ذلك يُؤمّلون مِن ربهم أن يُنيلهم ثواب الحجاج وهم في ديارهم، وأجر الملبّين وهم في أوطانهم؛ لحُسن ظنّهم بكرم ربهم، وأنهم ما أقعدهم إلا العذر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا نَزَلْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ"، قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ".

 

ومع هذا فمن كرم ربنا وحكمته أنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْقَاعِدِينَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرَاتِ، بَلْ جَعَلَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَضْلًا عَظِيمًا يُدْرِكُونَهُ، يُشَابِهُونَ بِهِ أَهْلَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ لِيُشَارِكُوهُمُ الْأَجْرَ، وَيُضَاهُوهُمْ فِي الْعَمَلِ، وَيَقْرُبُوا مِنْهُمْ فِي الثَّوَابِ؛ لِيُعَوِّضَهُمُ اللَّهُ -تَعَالَى- عَمَّا يَجِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ حَسْرَةِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِمُ الْحَجَّ.

 

فَيَا مَنْ قَعَدْتُمْ فِي الدِّيَارِ، لازلتم في أشرف الأيام الَّتِي قَالَ فِيهَا -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ...".

 

وبين أيديكم يَوْمُ عَرَفَةَ، الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ فِي السَّنَةِ خَيْرٍ مِنْهُ، الْيَوْمُ الَّذِي بِهِ أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ، وَأَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْعَالَمِينَ آيَاتٍ تُتْلَى إلى يَوْمِ الدِّينِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)[الْمَائِدَةِ: 3].

 

وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إلى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)؛ فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي عَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ".

 

يوم عَرَفَةُ هُوَ يَوْمُ الذُّلِّ لِلشَّيْطَانِ؛ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الرَّحْمَنِ، هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُبَاهِي اللَّهُ فِيهِ بِالْعِبَادِ، وَتَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ وَالْكَرَامَاتُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْقِفِ.

 

دُعَاؤُهُ خَيْرُ الدُّعَاءِ، وَسَاعَاتُهُ أَشْرَفُ سَاعَاتِ الزَّمَانِ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَصُومَهُ، وَيَصُومَهُ أَهْلُ بَيْتِكَ؛ عَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، كَمَا وَرَدَ فِي قُولِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ ذُنُوبَ السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ".

 

تَفَرَّغْ فِيهِ مِنْ شَوَاغِلِكَ، وَأَقْبِلْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَجِدَّ فِيهِ؛ عَلَّكَ تَلْحَقُ بِرَكْبِ الْحَجِيجِ بِالثَّوَابِ، وَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُعْتِقَ فِيهِ مِنَ النَّارِ رَقَبَتَكَ، فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ".

 

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: "يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، فَيُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ النَّارِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِيهِ عِيدًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِهِمْ؛ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمُ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعِتْقِ وَالْمَغْفِرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ".

 

وَثَانِي الْيَوْمَيْنِ -أَيُّهَا الْمُبَارَكُ- يَوْمُ النَّحْرِ، خَاتِمَةُ الْعَشْرِ، وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الدَّهْرِ فِي حَقِّ الْقَاعِدِينَ، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ حِينَ تَسْتَعِدُّ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِأَحْسَنِ الثِّيَابِ، ثُمَّ تَخْرُجُ لَهَا مُصَلِّيًا مَعَ النَّاسِ، فَلِتِلْكَ الصَّلَاةِ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، وَلَئِنْ كَانَ عِيدُ الْحُجَّاجِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ عِيدَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ.

 

وَلَنْ تَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ؛ إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْتِي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ أَيَّامُ طَاعَةٍ وَذِكْرٍ، قَالَ فِيهَا -صلى الله عليه وسلم-: "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"، فَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَمَنْ سَبَقَ فِيهَا مَعَ السَّابِقِينَ.

 

اللهم اجعلنا منهم، وأعنا على ذكرك وشكرك

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْكِرَامُ: أيامكم هذه شعارها التكبير، رغّب به فيها ربنا في القرآن، ونص عليه نبينا -عليه السلام-.

 

ولعمري إنها لكمة وإن قلّت حروفها إلا أن معناها يهز القلوب الحية لو أنها وَعَت، ويدكّ الجبال الرواسي.

 

الله أكبر كلمةٌ عظيمةٌ، خفيفةٌ على اللسان، ثقيلةٌ في الميزان، يقولُها المُسلم في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، ويسمعها من الإمام والمُؤذِّن أكثر من مائة مرَّة، وتتردَّدُ في الأذكار عشرات المرات.

 

بالتكبير يقوى اليقين، وتعظم الصلة بالله، ويترسخ الإيمان، وتفتح أبواب الخير للعبد، وتفتح أبواب السماء.

 

التكبير مشروعٌ في المواطِن الكِبار، والمواضِع العِظام، في الزمان والمكان والحال.

مشروعٌ في أيام العشر، وموسم الحج ومواطن المشاعر.

 

التكبيرُ مشروعٌ لدفع شياطين الإنس والجنِّ، ولدفع النار.

التكبيرُ شِعارُ المُسلمين في أذانهم، وصلواتهم، وأعيادهم، ومعارِكهم.

 

إنها تعني للمسلم أن الله أكبر من كل شيء، هو أكبر من همومك فاطمئن، هو أكبر من خصومك فبه استعن، هو أكبر من محبوباتك فعليه أقبل ولا تغفلن.

 

هو أكبر من حوائجك فأنزلها به وأيقن.

هو أكبر من الدنيا بما فيها، فلا يشغلك الشيطان في صلاتك عنه -سبحانه-، فيأخذ بقلبك في كل وادٍ وتغيب عن الخشوع.

 

هو الكبير -سبحانه- فلا تخف إلا منه، إذا خشيت البشر، وَهِبْت الخلق، ورهبت العظماء، فاذكر الله الكبير يَهِنْ أمامك كلُ عظيم، ويصغر لديك كل رفيع.

 

 فإذا كبّرت في هذه الأيام وعلى الدوام فكبّر بقلب حاضر، كبّرة بلسانك وبقلبك، كبِّره –سبحانه- تكبيراً، يليق بجلاله وكبريائه، كبّره وأنت تستشعر الحجيج إذ يلبّون، وحين يرمون، وحين يقفون ويفيضون، كبّره وأنت تستشعر الناس إذ يذبحون، ولربهم يتقربون، يُهرقون الدماء طلباً لرضا العلي الكبير، واذكر بقلبك قول ربك: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)[الحج: 37]؛ واحمده -سبحانه- أنْ للدين هداك وللخير وفقك وأعانك.

 

وبعد: فنحن في أزمنة حرٍّ شديد، فينبغي على الحجاج أن يأخذوا الأهبة، وأن يرفقوا بأنفسهم ولا يُعرّضوها للعنت، فما يمكن أن يؤدّى في غير عزّ الظهيرة فلْيُؤدَّى، وفي أحكام المناسك سعة في الوقت، فليتحرَّ الحاج الوقت الذي يؤدي فيه المناسك بلا مشقة، رفقاً بنفسه وبمن معه.

 

تَقَبَّلْ الله مِنَ الْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، وردهم سالمين مقبولين، ومِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ضَحَايَاهُمْ وأخلف عليهم ما ينفقون.

 

المرفقات

عرفة ويوم العيد.doc

عرفة ويوم العيد.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات