عناصر الخطبة
1/فضائل عشر ذي الحجة 2/الحث على كثرة التكبير وذكر الله تعالى 3/التكبير المقيد والتكبير المطلق 4/فضل صيام يوم عرفة 5/عظم الأجر في ذبح الهدي والأضاحي 6/من مقاصد الحج 7/أهمية التراحم في الحج.اقتباس
ويا للعجب! فيمن يتشوَّف إلى إكرام الأضياف، والمباهاة والمفاخرة في ذلك، وإذا جاءت الأضاحي ذهب يبحث عنها في الحِيَل يترك هذه القُربات؛ لأنه في إكرام الناس يجد منهم مدحًا أو اتقاء ذم، أما في هذه الأضاحي فليست إلا القُرَب، وأما اللحم والشحم والعظم فهو لك ولأهلك ولأولادك....
الخطبةُ الأولَى:
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فاللهم صلِّ وسَلِّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المرسلين، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بعروته الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].
أيها المؤمنون: أنتم في أيامٍ مباركات، أيام عشرٍ فاضلات العمل فيهن محبوبٌ إلى رب الأرض والسماوات؛ من قدَّم فيها خيرًا فلم يُعدمه عند ربه، قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما رواه البخاري عن ابن عباسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما- «ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله»، وفي روايةٍ «أفضل من هذه العشر»؛ قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء».
وفي روايةٍ لأحمد «ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أفضل من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التكبير والتحميد والتهليل»، والتكبير -يا عباد الله- والتحميد في هذه العشر يكون على ضربين كما ثبت ذلك عن الصحابة -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُم- بفعلهم يكون مطلقًا، ويبدأ من دخول هذا الشهر إلى غروب آخر أيام التشريق منه يوم الثالث عشر، كان ابن عمر وأبو هريرة -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُم- يخرجان إلى السوق في العشر فيُكبِّران، فيُكبِّر أهل السوق بتكبيرهما.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، في بيتك، وفي شارعك ومكتبك، وفي سوقك ومسجدك، في قيامك وقعودك وعلى جنبك.
ويبدأ التكبير المقيَّد -يا عباد الله- لغير الحجاج من صلاة الفجر يوم عرفة؛ يوم التاسع عقب الصلوات الخمس المفروضة تكبيرًا مقيدًا إثرها، فيشترك في هذه الأيام في أيام التاسع ويوم النحر وأيام التشريق يشترك فيها التكبيران المطلق والمقيد.
في هذه الأيام أداء الفرائض فيها فارقٌ عن غيره من الأيام، وكذلك النوافل، وكذلك ترك المحرمات، ومن ذلكم -يا عباد الله- صيامها وآكد ما يكون صيامه يوم عرفة لغير الحاج.
روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: سأل رجلٌ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن صيام يوم عرفة، قال: «أحتسب على الله أن يُكفِّر السنتين الماضية والباقية»؛ فاجتهدوا -عباد الله-، اجتهدوا بالأعمال الصالحات وسودوا فيها صحائفكم؛ لتبيض بها وجوهكم يوم أن تلقوا ربَّكم في آخرتكم.
واعلموا -عباد الله- أن من جلائل العمل الصالح يوم النحر: ذبح الهدايا، وذبح الأضاحي، أما الهدايا فللحجاج المتمتعين والقارنين وجوبًا عليهم ونافلةً في حق غيرهم، وأما الأضاحي فلكم أهل الآفاق ولكم يا مَن تسكنون الديار شكرًا لله وعبوديةً بالذبح على اسمه، وتوسعةً على أهليكم وعلى أنفسكم باللحم والشحم والعظم.
واعلموا -عباد الله- أنه لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، ويا للعجب! فيمن يتشوَّف إلى إكرام الأضياف، والمباهاة والمفاخرة في ذلك، وإذا جاءت الأضاحي ذهب يبحث عنها في الحِيَل يترك هذه القربات؛ لأنه في إكرام الناس يجد منهم مدحًا أو اتقاء ذم، أما في هذه الأضاحي فليست إلا القُرَب، وأما اللحم والشحم والعظم فهو لك ولأهلك ولأولادك.
فاتقوا الله عباد الله، وبادروا إلى محبوباته؛ تغنموا في دنياكم وفي أخراكم.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، الحمد لله الذي أعاد مواسم الخيرات على عباده تترى، فلا ينقضي موسمٌ إلا ويعقبه آخر مرةً بعد أخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادةً نرجو بها النجاة والفلاح في هذه الدنيا وفي تلكم الدار الأخرى، وأُصلي وأسلِّم على عبده المصطفى ونبيِّه المجتبى، فالعبد لا يُعبَد كما الرسول لا يُكذَّب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه أولي الفضل والنهى ما تعاقب ليلٌ وأدبر عليه نهارٌ وانتهى.
أما بعد: عباد الله: إن من أعمال الحج في هذه الأيام: سعي الحجيج إلى أداء ركنهم، وإن من مقاصد الشرع في هذه العبادة اجتماعهم عليها، ولما كان يكون في الاجتماع من المزاحمة والمدافعة، فإن رحمة هؤلاء الحجيج رحمةٌ منك بعباد الله، لا بل وإكرامٌ منك لوافد بيته، فقد روى بعض أهل السنن عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «الحاج وفد الرحمن».
وفي يوم عرفة ذلك اليوم العظيم، ذلك اليوم المهيب يوم المباهاة من الله -عَزَّ وَجَلَّ- عشيته لأهل عرفة في ملائكته، يومٌ خير الدعاء دعاؤه، وخير ما قال النبيون فيه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير».
وقف -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- رافعًا يديه إلى صدره هكذا كاستطعام المسكين يُظهِر لله الحاجة والفاقة والضراعة، فما زال كذلك حتى غربت الشمس وذهبت الحمرة قليلًا، ثم حرَّك -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فتزاحم الناس، فأشار بيده «أيها الناس، السَّكينة السَّكينة! فليس بالإيضاع»؛ أي: ليس البر بالعجلة والإسراع والاندفاع.
وشدَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- خطام راحلته، حتى إن رأسها ليصيب مورك قدمه، فإذا وجد لها فرصةً نصَّ لها، وأرخى؛ رحمةً منه للخلق أولًا، ورحمةً ثانيةً بهذه الناقة القصواء ثانيًا.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم