على خطى القرامطة

مركز حصين للدراسات والبحوث

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-12 - 1447/10/24
عناصر الخطبة
1/التَّحذير من افتراق الأمة 2/خطورة القرامطة 3/الحذر من تدليس القرامطة المعاصرين 4/عوامل وَحدة المسلمين.

اقتباس

قامت الفرق الباطنية قديمًا وحديثًا على رفض الحق، وافتروا على كتاب الله بادعاء تحريفه وتبديله، ثم استحلوا دماء المسلمين وفرقوا جماعتهم، وسلكت فرقة القرامطة هذا السبيل؛ فآل بهم الأمر في...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الذي تفرَّد بالجلال؛ فلم يكن له شريكٌ ولا معين، وأنزل كتابه بالحق فحفظه من أيدي العابثين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغرِّ الميامين؛ الذين اصطفاهم فنصر بهم الإسلام والمسلمين، وجعل حبهم من صميم الدين، وبغضهم علامةً على المنافقين، أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

عباد الله: يقول العرباض بن سارية -رضي الله عنه-: "صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"(رواه أبو داود).

 

لقد جرت سنة الله في خلقه أن تُبتلى هذه الأمة بفتنٍ كقطع الليل المظلم، يُميَّز بها الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، ومن أعظم ما حذرنا منه نبينا -صلى الله عليه وسلم- التفرق والانقسام، والبعد عن الجادة التي سلكها خلفاؤه الراشدون، والرعيل المهتدون.

 

وقد بيَّن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- مآل هذا الاختلاف وحجمه، فقال: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة"، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"(رواه الترمذي).

 

إخوة الإيمان: إن أخطر ما واجهته الأمة في تاريخها ليس العدو الظاهر فحسب، بل أقوام ظهروا كخنجر يطعن في خاصرة الإسلام، لبسوا لباسه ليهدموا أركانه؛ منهم من حمل السلاح تكفيرًا وقتلًا، ومنهم من أنكر القدر، ومنهم من عطَّل صفات الله وكمالاته، ومنهم من طعن في الصحابة -رضي الله عنهم-، ومنهم من غلا في الصالحين أو آل البيت ودعاهم من دون الله، ومنهم من جمع ذلك فاجتمع فيهم الشر كله.

 

لقد قامت الفرق الباطنية قديمًا وحديثًا على رفض الحق، ورفض إمامة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وافتروا على كتاب الله بادعاء تحريفه وتبديله، وتطاولوا على مقام أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- بالإفك المبين، ثم استحلوا دماء المسلمين وفرقوا جماعتهم.

 

وكانت منهم فرقة "القرامطة" الذين سلكوا هذا السبيل؛ فآل بهم الأمر في القرن الرابع الهجري إلى العدوان على بيت الله الحرام؛ فقتلوا الحجاج في صحن الطواف، ورموا جثثهم في بئر زمزم، ثم اقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، وغيبوه اثنتين وعشرين سنة.

 

وإن لكل قوم وارثًا؛ فرأينا اليوم من يسير على تلك الخطى الباطنية؛ غلوًّا في البشر برفعهم إلى مرتبة الربوبية، وطعنًا في عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- بسب أزواجه، وتكفيرًا لصحابته الذين فتحوا البلاد وأرشدوا العباد؛ لكنهم تدثروا بدثار جديد، خدعوا به الجهلة والطغام؛ فرفعوا شعار الجهاد ومقاومة الصهيونية، والانتصار للقدس وفلسطين، يدعون أنهم إسلاميون، ويتاجرون بآلام المستضعفين؛ لتخدير العواطف وذر الرماد في العيون، وقد رأى القاصي والداني كيف وضعوا أيديهم بأيدي الغرب في غزو بلاد المسلمين، وغرسوا خناجرهم المسمومة في صدور جيرانهم المسالمين، واستذكروا ثارات التاريخ الدفين وفتنه، وحركوا أذرعهم وأذنابهم للتنكيل بالمستضعفين، ثم أدال الله الأمور عليهم بعدله وحكمته، وحقق فيهم قوله: (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الأنعام: 129]؛ فسلط عليهم عدوًّا أشد كفرًا منهم وأكثر طغيانًا.

 

فكيف يرجو النصر من الله من يستغيث بغيره؟! والله يقول: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً)[الأحقاف: 28]، ويقول: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ)[الأعراف: 197].

 

وكيف يرجو النصر من استحق لعنة الله بإيذاء رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟! قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[الأحزاب: 57].

 

وكيف يرجو النصر من تلطخت يده بدماء المسلمين؟! قال: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)[إبراهيم:13].

 

عباد الله: ومع وضوح حال هؤلاء القوم؛ فإن فئامًا من المسلمين لا تزال تعميهم الأكاذيب، وتخدعهم الشعارات.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: في ظل هذا العدوان، لا يجوز أن يغفل المؤمنون عن العدو الأكبر، وهم الصهاينة اليهود وأولياؤهم، الذين يوقدون الحروب ويستثمرونها لتحقيق مشاريعهم.

 

وإنه -والله- لا مخلِّص لنا إلا بالعودة إلى الوحدة والإيمان، والتوبة إلى الله من أسباب الفرقة.

 

إن الوحدة التي ينشدها الإسلام ليست شعارات، بل تقوم على أركان؛ أولها: التمسك بالكتاب والسنة، قال -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103].

 

ثانيها: اجتناب البدع والمعاصي؛ فإنها سبب الفرقة والخذلان، قال -تعالى-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)[آل عمران: 165].

 

ثالثها: ائتلاف القلوب وترك النزاع، قال -تعالى-: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا)[الأنفال:46].

 

رابعها: لزوم جماعة المسلمين، وطاعة ولاة الأمر بالمعروف.

 

خامسها: معرفة العدو والحذر منه، وعدم الاغترار بالشعارات، قال -تعالى-: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)[آل عمران: 150]، وقال (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)[هود: 113].

 

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق.

 

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المرفقات

على خطى القرامطة.doc

على خطى القرامطة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات