فضل عشر ذي الحجة ويوم عرفة

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-05-15 - 1447/11/28 2026-05-13 - 1447/11/26
عناصر الخطبة
1/اغتنام مواسم الخيرات 2/العمل الصالح في عشر ذي الحجة 3/كثرة أبواب الخير والعمل الصالح 4/فضل يوم عرفة 5/سنن الأضحية وآدابها.

اقتباس

انظروا إلى مَن جمع الدنيا ومنعها، كيف انتقلت إلى غيره بعدما تعب عليها، تفكروا في عواقب مَن دانت لهم الأمور وأسكرهم الجهل والغرور، قد غرَّهم بالله الغرور، فانتهكوا حرمات الله؛ فما أسرعهم حين انتقلوا من تلك الدور إلى القبور المظلمة الملائمة لأعمالهم الموحشة، يتمنون العودة للتوبة وأنَّى لهم ذلك، لقد أُسبِل عليهم الحجاب ولاقوا رب العباد.....

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابةً للناس وأمنًا، وفرَض حجّه على الناس في العمر مرة لمن استطاع إليه سبيلاً، أحمده -سبحانه- على ما أولاه مِن فَضْل، وما أسداه من نِعَم، وأشكره على ما مَنَّ به من إسلام وإيمان وإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى- وأطيعوه، وابتغوا ما كتب الله لكم وما مَنَّ به عليكم من الخيرات في هذه الأيام العشر، شاركوا الحجاج في هذه الأيام الفاضلة بالدعاء والتهليل والتكبير والتحميد، وسائر أنواع الذكر والدعاء، فربكم قريب مجيب؛ يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، اغتنموا -رحمكم الله- مواسم العبادة قبل فواتها، فالحياة مغنم والأيام معدودة والأعمار قصيرة.

 

 أكثروا من ذكر هادم اللذات، فما ذكره عبد إلا وكبرت عليه آخرته، وهانت عليه دنياه، لا تطمعوا في البقاء في هذه الدنيا، فكل مَن عليها فان، والبقاء لله وحده، وإنما الطمع في من طال عمره وحَسُن عمله.

 

 انظروا إلى مَن جمع الدنيا ومنعها، كيف انتقلت إلى غيره بعدما تعب عليها وتحمل مسؤوليتها، تفكروا في عواقب مَن دانت لهم الأمور وأسكرهم الجهل والغرور، قد غرَّهم بالله الغرور، فانتهكوا حرمات الله؛ فما أسرعهم حين انتقلوا من تلك الدور إلى القبور المظلمة الملائمة لأعمالهم الموحشة، يتمنون العودة للتوبة وأنَّى لهم ذلك، لقد أُسبِل عليهم الحجاب ولاقوا رب العباد.

 

 فتنبّه -يا عبد الله- ما دام الأمر ممكنًا، فأنت على قيد الحياة، وقادر على الإنابة إلى ربك والرجوع إليه، وفي أيام شريفة تُقال فيها العثرات، وتُكفّر فيها السيئات، وتُضاعَف فيها الحسنات، وتُرفَع فيها الدرجات، وتُجاب فيها الدعوات، فيها يوم عرفة المخصوص بالفضل العظيم الواسع، فاغتنم نفحات المولى فيه، واحذر الموانع والقواطع.

 

 في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى ثم يتباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟"؛ زاد رزين في جامعه: "اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم".

 

وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "إن الله -عز وجل- يُباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا لعبادي شعثًا غبرًا".

 

 وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".

 

فأكثروا -رحمكم الله- من ذِكْر الله في هذه الأيام الشريفة، وإن لم نكن مع الواقفين بتلك المشاعر فلا نيأس من رحمة الله وفضله وعفوه، وقبول دعاء الصالحين لعموم المسلمين في تلك المشاعر وغيرها، ولا ننسى أيضًا اشتراك الجميع في التقرب إلى الله في عيد الأضحى المبارك بالنسك والتهليل والتكبير، وما يحصل من غفران لمن قَبل الله منه نسكه وصلاته وسائر أعماله الصالحة.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[سورة الحج:34-35]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي شرع لنا أحسن السنن، وفضَّل هذه الأمة على غيرها من الأمم، أحمده -تعالى- وأشكره، وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العظيم القائل في محكم كتابه عن القرابين: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)[سورة الحج:37].

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ نبي بادر بإحياء سنة إبراهيم -عليه السلام-، وعمّم فضحى عن نفسه وآله وعن أُمّته، بكبشين أملحين أقرنين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله حق التقوى وتمسكوا بالعروة الوثقى، واحذروا من أسباب سخط الله، فإن أجسامكم على النار لا تقوى، توبوا إلى ربكم توبة نصوحًا، وتقربوا إليه بالصلاة والزكاة والنسك، أحيوا سنة أبيكم إبراهيم -عليه السلام-؛ فإن الله شرعها لإبراهيم -عليه السلام- فداء ولده قال -تعالى-: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)[سورة الصافات:107].

 

وهي سُنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فكان يُضحّي بكبشين يذبحهما بعد صلاة العيد، روى ابن ماجه والحاكم وغيرهما عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: قال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم" -صلوات الله وسلامه عليه-، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة".

 

 وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم".

 

فاختاروا الطيّب منها وطيبوا بها نفسًا؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأحسنوا النية والذبحة واحضروها، ولا يتولى الذبح مَن لا تحل ذبيحته، ولا تؤذوا الجيران والمارة بدمها وروثها، فالدم المسفوح نجس والروث نتن، فلا ترسلوهما بالماء إلى الطرق، فإن ذلك منافٍ لكمال الإيمان؛ الذي هو "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، فكيف إذن بمن يضع الأذى في الطريق وقد يسر الله له أسبابا كثيرة لكف الأذى.

 

 واعلموا -رحمكم الله- أن وقت الذبح من بعد صلاة العيد إلى نهاية اليوم الثاني بعده، وفي اليوم الثالث على القول الراجح، ويشرع الأكل منها والتصدق والإهداء؛ لقوله -تعالى-: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)[سورة الحج:36]، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فكلوا وأطعموا وتصدقوا".

 

 اللهم تقبل منا ما يسَّرته وتيسره لنا من ذكر وصيام وصدقة ونسك، واجعلنا من الراشدين، ومُنّ علينا بفضلك وعفوك يا أرحم الراحمين.

 

 (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

فضل عشر ذي الحجة ويوم عرفة.doc

فضل عشر ذي الحجة ويوم عرفة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات