عناصر الخطبة
1/فضل ملازمة العظماء والكبراء 2/نبينا أشرف العظماء وبعض صفاته 3/إكرام الصحابة برفقة النبي وبيان فضلهم 4/بشارات لمن اشتاق لصحبة رسول الله 5/من أسباب مرافقة النبي في الجنةاقتباس
وَلَئِنْ تَاقَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ لِرُؤْيَةِ وَمُصَاحَبَةِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وتَمَنَّى لُو أَدْرَكَها، فَلْيَبْشِر بِوَعْدِ اللهِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَمْسِكِيْنَ بِدِيْنِهِم، الثَّابِتِيْنِ على إِيْمانِهِم، المُتَّبِعِيْنَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِم، سَيُدْرِكُونَ فَضْلَ صُحْبَتِهِ ومُرافَقِتِهِ في دَارِ النَّعِيْم، وسَينْعَمُونَ بِقُرْبِهِ في جِوارِ...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
أيها المسلمون: مُصَاحَبَةُ العُظَماءِ، ومُلازَمَةُ الكُبَراءِ، ومُجَالَسَةُ ذَوِيْ الهَيْئَةِ والقَدْرِ والوَقَارِ؛ مَكانَةٌ تَتَطَلَّعُ إِليها النُّفُوْسُ وإِليْها تَتَشَوَّفُ.
يُمضْي امرؤٌ فترةً مِن حياتِه مُقرباً مِنْ عظيمٍ مِن العظماء، أو كبيرٍ من الكبراءَ، يُرافِقُهُ في الحلِّ والسفر، وفي الذَّهَابِ والإِيَابِ وفي التَنَقُّلِ والإِقَامَةِ، فَإِذَا ما انْقَضَتْ تِلكَ الفَترةُ وَوَلَّت، بَقِيَتْ تَفَاصِيْلُها عَالِقَةً في الذِّكْرَيَاتِ، يَرْوِي وَقَائِعَهَا للأَجْيَالِ مُغْتَبِطاً، فَيَقُولُ: "كُنا، وخرجنا، وذهبنا، وجلسنا، وأقمنا، وسافرنا".
يحكي نوادرَ حُقبةٍ يزهو بها *** في صحبةِ الكُبراءِ والشُّرَفاءِ
وَكُلَّمَا كانَتِ مَكَانَةُ الكَبِيْرِ أَسْمَى ومَقَامُهُ أَشْرَفُ، كانَتْ مُصَاحبَتُه أَرْقَى، ومُلازَمَتُه أَكُلَف، وأَكْرَمُ الكُبَراءِ، وأَشْرَفُ العُظَماءِ، وأَعْلَى العَالَمِيْنَ مَكَانَةً وَقَدْراً، رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الذِيْ رَفَعَ اللهُ لَهُ في الدَّارَيْنِ ذِكْرَه، واصْطَفَاهُ واجْتَبَاهُ، وَصَانَهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَطَهَّرَهُ وَزَكَّاه، شَرَّفَهُ بِحَمْلِ الرسالةِ، وفَضَّلَه بِتَلَقِّي القُرآن، أَضْفَى عَلِيْهِ اللهُ من الأَخْلاقِ الكَرِيْمَةِ أَكْمَلَهَا، ومِنَ والشَّمَائِلِ الشَّرِيْفَةِ أشملها، ومِن الفَضَائِلِ أتَمَّها وأَجَلَّها وأَعْلاها، رَسُولُ رَبِّ العَالَمِيْن، وخاتَمُ النَّبيينَ، وسَيِّدُ المُرْسَلِيْن.
رَحِيْمٌ رَفِيْقٌ، كَرِيمٌ لَيِّنٌ، عَظِيْمٌ مُهابٌ، تَـمْتَلِئُ القُلُوْبُ لَهُ مَـحَبَّةً وَتُوْقِيْراً وإِجْلالاً، قَادَ الأُمَةَ إِلى رَبِّـها، وَسَاسَهَا إِلى رُشْدِها، نَعِمَتْ نفوسٌ بمصاحَبَتِه، وقَرَّتْ عُيُوْنٌ بِـمُرَافَقَتِه، وانْشَرَحَتْ صُدُوْرٌ بِـمُلازَمَتِه؛ (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران: 159].
صَحِبوا رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَحَبُّوْهُ، وَعَزَّرُوْهُ وَنَصَرُوْهُ، وَفَدَوْهُ بِأَرْوَاحِهِمْ وأَمْوَالِهِم وأَهْلِيْهِم، فَمَا يَرَوْنَ في الوُجُوْدِ جمالاً أجملَ منه، ولا يُبْصِرُونَ في الكونِ ضِياءً أتَمَّ مِنْه.
صَحِبوا رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَنَعِموا بِقُرْبِه، ورُفِعوا بِمُؤازَرَتِهِ، صَحِبُوْه في خَوْفِه وأَمْنِه، وفي حَرْبِه وسِلْمِه، في شِدَّتِهِ وَرَخَائِهِ، وفي سَفَرِه وفي إِقَامَتِه، قَرِيْرَةٌ به عُيُوْنُهُمْ، مُنْشَرِحَةٌ بِهِ صُدُوْرُهُم، هَانِئَةٌ بِهِ حَيَاتُهم، يَنْهَلُوْنَ مِن مَعِيْنِ الإِيْمَانِ، وَيَرْتَوُوْنَ مِنْ وَحْيِ القُرْآنِ.
فكلُ كَرْبٍ وكُلُّ حربٍ، وكُل عُسْرٍ وكُل شِدّةٍ، وكُلُّ ضيقٍ وكُل بلاءٍ يلاقونه في سبيل اللهِ، تجْلُوْ نَصَبَهُ صُحبةُ رسولِ اللهِ، وتـُهَوِّنُ قسوتَهُ مرافقةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 88 - 89].
وَبَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ اللهُ لِعِبَادِهِ الدِّيْنَ، وبَلَّغَ الرَّسُولُ رِسَالَتَهُ البَلاغَ المُبِيْن، انْتَهَتْ مُهِمَّةُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في هذِهِ الحَياةِ، فَآذَنَ اللهُ رَسُولَهُ بِقُرْبِ رَحِيْلِهِ، وأَعْلَمَهُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، وأَنْزَلَ عليهِ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)[النصر: 1 - 3]، بَقِيَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَعْدَ نُزُولِ هذهِ السُّورَةِ ثَمانِيْنَ يَوماً، ثُمَّ قُبِض، قَبَضَ اللهُ خَلِيْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَلحَقَهُ بالرَّفِيْقِ الأَعلى.
ولمَّا ماتَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَلَّت بالمُسْلمِيْنَ نازلةٌ تنوءُ بِحِمْلِها الجبالُ، أَظْلَمَتْ الدُّنْيا في أَعْيُنِهِم، وَضَاقَتِ الأَرْضُ علِيْهِم بِمَا رَحُبَت، وأَنْكَرُوا أَنْفُسَهُم، وطَاشَتْ عقُلُهم، وماجَتْ آراؤهُم، وَلَجُّوْا واضطربوا، حَتَى قَامَ فيهم أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ -رضي الله عنه- خطيباً فَقالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ؛ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)[آل عمران: 144].
فَغَشِيَتْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَنَزَلَتْ بِهْمُ الطُّمَأنِيْنَةُ، وتَحَامَلُوا على مُصابِهم مُسْتَرْجِعين. مَاتَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولكن دينَهُ ظَلَّ بَاقِياً، وشريعتَهُ دَامَتْ ظاهرةً. حَمَلَ تبليغَ دينِ الله بَعْدَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابٌ أَوْفِياءُ، قَرَؤُوا كِتَابَ اللهِ وَحَفِظُوْهُ، وَسَمِعُوا كلامَ رَسُوْلِ اللهِ وَفَهِمُوْهُ، فَعَلَّموا مِنْ القرآنِ ما تَعَلَّموه، وَبَلَّغوا مِنْ السُّنَّةِ ما سمعوا.
يقومُ الصَّحَابِيُّ فيمن معهُ، فَيُحدثُهُم في أَمرِ دِيْنِهِم، مُهتدياً بِهَديِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- مُسْتَشْهِداً بما حفظَ وبما أدركَ مِنْ سُنَّتِه، فتارةً يقولُ مُغُتَبَطاً: "كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "شَهِدْنا معَ رَسولِ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "قَامَ فِيْنَا رَسُوْلُ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "صَلَّى بِنَا رَسُوْلُ اللهِ"، وتارة يقول: "خَطَبَنَا رَسُوْلُ الله"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ"، وَتَارَةً يَقُوْلُ: "هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ".
صَحَابيٌ يَرْوِيْ لِلأُمَةِ هَدْيَ رَسُوْلِها، وحياةُ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كُلُّها هَدْيٌ وتَشْرِيْعٌ وأُسْوَةٌ واقْتِدَاء؛ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].
وَلَئِنْ اغْتَبِطَ مُغتَبِطٌ بِـمُصَاحَبَتِه لِكَرِيْمٍ، وَتَبَاهَى مُتَبَاهٍ بِـمُرَافَقَتِه لِعظِيْمٍ، فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ نَالُوا أَسْمَى وِسامٍ، وأَدْرَكُوا أَعلى رُتْبَةٍ، وبَلَغُوا أَعْظَمَ شَرَفٍ بِصُحْبَتِهِمْ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
صُحبةُ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَضِيْلَةٌ لا تُجارَى، ونِعْمَةٌ لا تُبارَى، وسَبْقٌ لا يُلْحَق، بَيَّنَ فَضْلَهُم رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وحَفِظَ لَهُم مَكانَتَهُم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَال: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ"(متفق عليه).
صُحبةُ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَجَلُّ صُحْبَةٍ، وأَهْنأُ حَياةٍ، وأَكْرَمُ عَيْشٍ، وأَطْيَبُ نَعِيْم، أَدْرَكَ لَذَّةَ تِلْكَ الصُّحْبَةَ ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: "سَلْ"، فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: "أوْ غيرَ ذلكَ؟"، قُلتُ: هو ذَاكَ، قالَ: "فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ"(رواه مسلم).
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 100].
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا لله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً خاتَمُ النبيين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- لعلكم ترحمون.
أيها المسلمون: إنَّ صُحْبَةَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اصطفاءٌ مِن اللهِ واجْتِبَاءُ، إِذْ لَيْسَ كُلُ مَنْ أَدْرَكَ رَسُوْلَ الله -صلى الله عليه وسلم- نالَ تلكَ الفضيلة، فلقد أدركَ أناسٌ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَنَاصَبُوْهُ العَداءَ، وجاهَرُوهُ بالمَكْرِ، وحارَبُوهُ وقَاتَلُوهُ وأَخْرَجُوه؛ فَمَقَتَهُم اللهُ وأَخْزَاهُم، وجَعَلَ مَصِيْرَهُم إِلى النَارِ.
قال جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ -رضي الله عنه- يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فَاسْتُغْضِبَ المِقْدادُ، قَالَ جُبَيْرٌ: فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ، مَا قَالَ الرجلُ إِلَّا خَيْرًا!، ثُمَّ أَقْبَلَ المِقْدادُ إِلَيْهِ فَقَالَ: "مَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ؟ وَاللَّهِ، لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَقْوَامٌ كَبَّهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ؛ لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَلَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، مُصَدِّقِينَ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ؟"(رواه الإمام أحمد).
وفي القرآن وَصَفَ اللهُ حَالَ بَعْضَ مَنْ أَدْركُوا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فكَفَرُوا بِهِ؛ فَقَال الله مَاقِتاً لَهُم: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)[التوبة: 81].
عبادَ الله: وَلَئِنْ تَاقَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ لِرُؤْيَةِ وَمُصَاحَبَةِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وتَمَنَّى لُو أَدْرَكَها، فَلْيَبْشِر بِوَعْدِ اللهِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَمْسِكِيْنَ بِدِيْنِهِم، الثَّابِتِيْنِ على إِيْمانِهِم، المُتَّبِعِيْنَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِم، سَيُدْرِكُونَ فَضْلَ صُحْبَتِهِ ومُرافَقِتِهِ في دَارِ النَّعِيْم، وسَينْعَمُونَ بِقُرْبِهِ في جِوارِ الرَّبِ الكَرِيْم؛ (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)[النساء: 69].
وَلَئِنْ اشْتَاقَ مُؤْمِنٌ لِرُؤيةِ ومُصَاحَبَةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ سَبَقَ الشوقُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِرُؤْيَةِ المؤمنينَ مِن أمتِه الذين سَيأَتُوْنَ مِنْ بَعْدِه، شَوْقاً مِن رَسُوْلِ اللهِ صَادِقاً، عنْ أبي هريرة -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-أَتَى المقبرةَ فَقَال: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ"، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟"، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا"(رواه مسلم).
فَطُوْبَى لِمَن بَقِيَ على العهد ثابتاً، لَمْ يُبَدِّل في دِيْنِ اللهِ ولَمْ يُغَيِّر، ولَمْ يُحْدِثْ في دِيْنِ اللهِ ولَمْ يُخَالِف، غَداً يَنْعَمُ بِلِقاءِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ويَرِدُ عليهِ حَوْضَهُ ويَشْرَبَ مِنْه.
مَنْ تاقتْ نفسُهُ لِمُصَاحَبَةِ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الجَنَّةِ، فَليحافِظِ على الفَرائِضِ، ثُمَّ ليُكْثِرْ مِنْ نُوافِلِ الصَلَواتِ، فَذاكَ مَعْنَى قُولُ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِرَبِيْعَةِ بنِ كَعْبٍ: "فَأَعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ".
مَنْ تاقتْ نفسُهُ لِمُصَاحَبَةِ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الجَنَّةِ، فَلْيَكْفَل يَتِيْماً وَلْيَقُم على إِصْلاحِ شُؤُوْنِهِ، فَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ في الجَنَّةِ هَكَذَا، وأَشَارَ بِالسَّبَابَةِ والوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا"(رواه البخاري)، وكَفالَةُ اليَتِيْمِ تَشْمَلُ رِعايَتَهُ وتَرْبِيَتَهُ والقِيامِ على ما يُصْلحُ شُؤْونَ دِيْنِهِ ودُنْياهُ حَتَى يَبْلُغ، ولَيْسَتِ الكَفَالَةُ مُجَرَّدُ الإِنْفاقِ عليهِ.
اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، واحشرنا مع سيد الأنبياء والمرسلين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم