ماذا غير القرآن في أهله؟

الشيخ أ.د عبدالله بن محمد الطيار

2026-05-01 - 1447/11/14 2026-05-10 - 1447/11/23
عناصر الخطبة
1/حال العرب قبل الإسلام 2/أثر القرآن في تغييرهم 3/مظاهر التحول بعد الإسلام 4/إعجاز القرآن ووجوب التمسك به.

اقتباس

غيّر القرآن حياته وكلامه وأفعاله وهمّته وأخلاقه؛ فغيّر الحياة كلّها من أولها إلى آخرها؛ فجعل للمولود أحكامًا خاصة، كالختان والعقيقة ونحوها، وجعل للميت أحكاما خاصة كذلك؛ كالكفن والغسل...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله الذي استنارت صدورُ الصُّحف باسمه، وأشرقَتْ سطورُ الكتُب بوَصْفه فيها ورَسْمه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي عمَّ الأنامَ فضْلُه، وأشهدُ أن محمَّداً عبدُه الذي بعثه رحمةً لعباده، ورسولُه الذي اتضحت السُّبل بهدايته وإرشاده، أيَّده بكتابه المبيّن الذي ظهرت معجزاته، وبهرت آياته، وقهرت ذوي العناد بيِّناته، -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه- الذين نُصرت بهم ألويةُ الحقّ وراياتُه، أما بعد:

 

فاتقوا الله -معاشر المسلمين- واعلموا أنّ حياة قريشٍ قبل الإسلام كانت منحصرةً في أمور تافهة أو عادية؛ فهمّتُهم وغاية الواحد منهم في تحصيل الطعام والشراب والمسكن، والمنافسة في الشرف والزعامة، واللهو واللعب، والفخر والسفر والنكاح، ولهم اجتماعات في أماكن معيّنة، منحصرة في البيع والشراء، والفخر والهجاء، والنقاش وتبادل الآراء؛ يُصبحون ويُمسون بلا هدف واضح، ولا منهج ديني أو دنيوي يسيرون عليه، إن هم إلا كالأنعام، تعيش لتأكل وتشرب وتنام وتنكح. ولو جُمعت سيرةُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه – بتقدير عدم نزول القرآن – لما بلغت بضع صفحات فقط.

 

فماذا أصبحوا بعد نزوله؟

 

أصبحوا كنجوم السماء جمالاً ونفعًا، وكالشمس نورًا وحياةً، وكالقمر ضياءً وبهاء، ولقد بلغت الكتب التي جُمعت فيها أقوالهم وأخلاقهم وسيرهم، والكتب التي تفرّعت عنهم: عشرات الآلاف، وامتلأت الدنيا منذ أربعة عشر قرنًا إلى يومنا هذا بذكرهم وذكر مآثرهم وأقوالهم وأخلاقهم وشمائلهم وفقههم وحديثهم وجهادهم وعباداتهم.

 

مشوا على الأرض فطهروها من رجس الأوثان، وسرت مآثرهم إلى القلوب فامتلأت بالإيمان.

 

أليس هذا دليلا كافيًا واضحًا في صدق هذا النبيّ الكريم، والقرآن العظيم؟

 

بلى والله، وأما نبيّنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كانت حياته قبل القرآن مثل حياة باقي أهل بلده، إلا في أمور يسيرة عصمه الله منها؛ كعبادة الأصنام، وشرب الخمر، وكشف العورة.

 

فغيّر القرآن حياته وكلامه وأفعاله وهمّته وأخلاقه، فغيّر الحياة كلّها من أولها إلى آخرها، فجعل للمولود أحكامًا خاصة، كالختان والعقيقة ونحوها، وجعل للميت أحكاما خاصة كذلك، كالكفن والغسل.

 

وغيّر أخلاق الناس؛ فأصبحوا أهل وفاء وحلم ورفق، وغيّر أماكن اجتماعاتهم وهدفها، فيجتمعون في المساجد؛ بهدف الصلاة والشورى ومصالح المسلمين.

 

 وغيّر منهج حياتهم؛ فأمرهم بخمس صلوات في اليوم والليلة، وصومِ شهر في السنة، وحجِّ البيت في العمر، وإخراجِ جزءٍ من أموالهم يُرَدّ على فقرائهم.

 

 وغيّر طموحاتهم؛ فكان طموحهم في صلاح قلوبهم، وإعزازِ دينهم، وحفظِ أعراضهم، وتحسين أخلاقهم، وترفّعوا عن الانتقام للنفس، والكبر والحسد والتعالي والغيبة والنميمة والفخر، التي كانت سائدة قبل ذلك.

 

 وغيّر مكانتهم، فكانوا أذلة محتَقرين، متفرقين متناحرين، ثم أصبحوا سادة الدنيا والدين، مجتمعين متآلفين.

 

وغيّر نظام حكمهم؛ فقد كانوا بلا أمير يرجعون إليه، بل لكل قبيلة رئيس، وأما بعد نزول القرآن فجمعهم تحت أمير واحد، يجتهد في نصح رعيته، ويحكم بينهم بالعدل، ويستشيرهم عند الأمور الهامّة، والرعية تُطِيعُه بالمعروف، ولا تُخالف أمره، ولا تخرج عن رأيِه.

 

وغيّر مصطلحاتهم؛ فأدخل مصطلح: المسجد، والوضوء، والصلاة، والزكاة، والعقيقة، والتوحيد، وسنن الفطرة، والخشوع، والجهاد، والطمأنينة؛ حيث كانت همم أصحابه قبل نزول القرآن: الطعام والشراب والنكاح والتجارة والزعامة.

 

وبعد نزوله كانت هممهم: في صلاح القلوب، وزكاة النفوس، وغذاء العقول، واكتساب محاسن الأخلاق، والبعد عن سفاسف الأمور، واجتمعت كلمتهم بعد تفرقها، وقويت شوكتهم بعد ضعفها، وحَسُنَت آراؤهم بعد فسادها؛ وعظمت هممهم، فكانت هممهم في فتح البلاد، وأيّ بلاد؟

البلاد التي تحت وطأة واحتلال أعظم دولتين في العالم: الفرس والروم!

 

والعرب هؤلاء قبل إسلامهم كانوا أقلّ مِن أنْ يجترئوا على محاربة العربي الذي كان نائبًا عنهم.

 

والآن.. يجيّشون الجيوش لمحاربة فارس والروم في آنٍ واحد، جيش يخرج لقتالهم في العراق، التي تتبع فارس، وجيش يخرج لمحاربة الشام التي تتبع الروم، وما هي إلا سُنيّات حتى فلّوا جيوشهم، وهزموا جموعهم، وأخرجوهم من جميع أرض الشام والعراق ومصر واليمن.

 

من أين لهم هذا كله؟

إنه من الله -تعالى-، الذي أنزل كتابه نبراسًا لهم، ومنهجًا لحياتهم ودينهم وأخلاقهم؛ عامتهم وخاصتهم؛ إنه الدستور الذي انطلق منه عظماء الصحابة لفتح قلوب الناس قبل بلادهم؛ إنه المعجزة التي قلَبت حياة أولئك الثلّة الْمحتَقرة المتفرّقة إلى جيوش جرارة عبقرية حكيمة، تسير بنظام فريد، ومنهج سديد، ليس في الأنظمة الحديثة ما يُدانيه ويجاريه.

 

نسألُ الله -تعالى- أن ينفعنا بالقرآن، وأنّ يثبّت في صدورنا الإيمان، إنه على كل شيء قدير.

 

 

 الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد: معاشر ا لمسلمين: حينما عجز الكفار عن مواجهة القرآن بنقضِه أو الإتيان بمثل سورة مثله، لجؤوا إلى العناد والتعنّت، واشترطوا لقبول الحق أن يأتي النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- بالآيات التي يختارونها، فقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ) فقال الله له: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)، أي: ألم يكفهم دليلاً على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- وآيةً مغنية عن سائر الآيات- إن كانوا طالبين للحق غير متعنّتين-: هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كلّ مكان وزمان؛ فلا تزال معهم آيةٌ ظاهرةٌ باقية لا تزول ولا تضمحلّ؛ كما تزول كلّ آية بعد حدُوثها، وتكون في مكان دون مكان؟

 

 وقد تحدّاكم أنْ تأتوا بمثلها -بل بجزء منها-؛ فعجزتم وجبُنْتُم؛ فالقرآن بما فيه من قصص وأحكام وحِكَم يُغْني عَنْ أخْبارِ الْأُممِ الْماضِيةِ واللاحقة، ويُغني بما يحويه من المواعظ والتربية والأخلاق عن كلام الحكماء في باب الوعظ والتربية والأخلاق.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق للحق والهدى خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ سلمانَ بن عبد العزيز حفظه الله، ووليَّ عهدِه الأمينَ الأميرَ محمدَ بنَ سلمانَ بن عبد العزيز حفظه الله.

 

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحق والهُدى كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطَن.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المرفقات

ماذا غير القرآن في أهله؟.doc

ماذا غير القرآن في أهله؟.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات