اقتباس
ورغم اشتياق الصنف الأول إلى رمضان وحرصهم ألا ينتهي، فإنه سيرحل وسينقضي وسينصرم وسيغادر وسيزول، وربما لن يعود، ككل شيء في هذه الدنيا؛ فإنها دار الزوال والفناء... وإن اللبيب ليستفيد هذه العبرة من...
هي مساجَلة شعرية دارت بين شاعرين معاصرين بعد انتهاء رمضان، ولن نذكر اسميهما؛ فقد أفضيا إلى ما قدما، أما أولهما فقد كان ينظر إلى رمضان على أنه سجن ضيق وضيف ثقيل كان يمنعه عن لهوه ومجونه وشربه لخمره و! فهو فرح مسرور بانتهائه ورحيله! فتسمعه وقد انطلق لسانه قائلًا:
رمضان ولَّى هاتِها يا ساقي *** مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ
ما كان أكثرهُ على أُلافِها ***وأقلُهُ في طاعة الخلاقِ
بالأمس قد كنا سجيني طاعةٍ ***واليوم مَنَّ العيد بالإطلاقِ
هات اسقنيها غير ذات عواقبٍ ***حتى نُراع لصيحةِ الصفّاقِ
ولم يكن وحده في "كرهه" لرمضان، بل كان له سلف في ذلك، فمن قبله قال أبو نواس مخاطبًا رمضان:
أَلا يا شهر كَم تَبقى *** مَرِضنا وَمَلَلناكا
إِذا ما ذُكر الحمد *** لشوال ذَمَمناكا
فيا ليتك قد بنت *** وما نطمع في ذاكا
ولو أمكن أَن يُقتل *** شهر لَقَتَلناكا
فانبرى الشاعر الثاني يعارضهما ويرد عليهما زيغهما قائلًا:
رمضانُ ودّع وهو في الآماق *** يا ليته قد دام دون فراقِ
ما كان أقصَرَه على أُلَّافِه *** أَحِبَّة في طاعةِ الخلاق
زرع النفوسَ هدايةً ومحبة *** فأتى الثمارَ أطايبَ الأخلاق
في العامِ يأتي مرةً لكنّه *** فاق الشهورَ به على الإطلاق
والحق أن الناس مذ فُرض صيام رمضان وهم على أصناف؛ صنف يراه حبيبًا طال انتظاره فهو به مستمتع وعليه حريص، وصنف ينظر إليه على أنه سجن يمنعه عن نزواته ويقطعه عن شهواته! وصنف ثالث -هم وسط بين هؤلاء وهؤلاء- يصومونه لأنه فريضة، ويقومونه لأن الناس تقومه، ويتصبرون ولا يُبدون تململًا... فاللهم اجعلنا من الصنف الأول.
***
ورغم اشتياق الصنف الأول إلى رمضان وحرصهم ألا ينتهي، فإنه سيرحل وسينقضي وسينصرم وسيغادر وسيزول وربما لن يعود، ككل شيء في هذه الدنيا؛ فإنها دار الزوال والفناء... وإن اللبيب ليستفيد هذه العبرة من رمضان الذي ولّى من أيام؛ فكم جاء قبله من رمضان فولى، ثم تبعه مثله فما دام، ثم تبعهما رمضان ثالث فما استقر، ورابع فغادر، وخامس فرحل، وسادس فانصرم، وسابع وثامن وعاشر... ومنا من مر عليه عشرون رمضان أو أربعون أو سبعون... فأين هي الآن؟!
فهي "عبرة الزمن"؛ لا شيء يبقى أو يدوم، بل الجميع يزول إلا خالق الملك والملكوت -سبحانه وتعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)[الرحمن: 26-27]، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88]، وتلك عادة الزمن دائمًا أبدًا، ولن يغيِّر عادته مهما حاولنا:
أريد من زمني ذا أن يُبَلِّغني *** ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ
فما يدوم سرور ما سررت به *** ولا يرد عليك الفائت الحزنُ
***
لكن عزاء المؤمن أن رمضان ما رحل إلا بعد أن نَمَّى وثبَّت ودعَّم أفضل ما فينا، إلا بعد أن عاوننا على ترك وهجر أسوأ ما فينا، بل زادنا زهورًا جديدة نبتت في قلوبنا، ما رحل رمضان إلا وقد عوَّدنا قربات وطاعات، وحببنا في فعل الخيرات، عزاؤنا أنه قد ولى حاملًا زادنا إلى ربنا بحسنات زيدت في صحائفنا... لكن كل ذلك لن يحدث ولن يكون إلا بالقبول؛ نعم، كل ذلك مشروط بأن يكون الله -عز وجل- قد تقبل منا ما قدمنا في رمضان.
ورب سائل يقول: وكيف نعلم أننا قد قُبلنا عند الله أم رُددنا -والعياذ بالله-؟!
ويجيب علماؤنا فيقولون: "المداومة علامة القبول": يقول ابن رجب الحنبلي: "علامة قبول الطاعة: أن تُوصَل بطاعة بعدها، وعلامة ردّها: أن تُوصَل بمعصية... سلوا الله الثبات إلى الممات وتعوذوا من الحور بعد الكور"(لطائف المعارف، لابن رجب)، وعن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: "كان أحب العمل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يدوم عليه صاحبه"(متفق عليه).
وعاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من انقطع عن الطاعة بعد إلفها؛ فقال لعبد الله بن عمرو بن العاص -: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل"(متفق عليه)، بل وحذر من ذلك القرآنُ الكريمُ قائلًا: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)[النحل: 92].
فأما الصيام فقد بقي صيام ست شوال، والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر... وأما قيام الليل وسائر أعمال البر فهي كذلك طوال العام...
ويجيب علماؤنا فيقولون: ومن علامات القبول: شكر الطاعة واليقين أنها من عند الله -تعالى-: ولولاه -عز وجل- ما اهتدينا ولا عبدنا ولا حتى شكرنا، ففي تاريخ دمشق لابن عساكر أن موسى قال لربه يوم الطور: "أي رب إن كلمتني فمن قِبَلِك، وإن صليتُ فمن قِبَلِك، وإن صمتُ فمن قِبَلِك، وإن أرسلتني فمن قِبَلِك، وإن بلغت رسالتك فمن قِبَلِك، فكيف أشكرك؟! فأجابه الله -عز وجل-: "يا موسى، الآن علمت أنك قد شكرتني؛ حيث علمت أنه من قِبَلي".
ويزيد علماؤنا فيقولون: ومن علامات القبول: الخوف من عدم القبول: ففي لطائف المعارف لابن رجب أن معلى بن الفضل قال: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يُبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم"، وفيه: "خرج عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم"، وفيه أيضًا: "كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور! فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملًا فلا أدري أيقبله مني أم لا؟".
وقرأت عائشةُ -رضي الله عنها- هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)[المؤمنون: 60]، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فأجابها: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون: 61]"(رواه الترمذي).
ثم علامات القبول بعد ذلك كثيرة، نتركها لخطبائنا ليتموها ويفصِّلوها ويؤصِّلوها، بعد أن يهنئونكم بعيد فطركم المبارك:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم