مختارة أول جمعة بعد رمضان 1447هـ

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2026-04-02 - 1447/10/14
التصنيفات:

اقتباس

ورغم اشتياق الصنف الأول إلى رمضان وحرصهم ألا ينتهي، فإنه سيرحل وسينقضي وسينصرم وسيغادر وسيزول، وربما لن يعود، ككل شيء في هذه الدنيا؛ فإنها دار الزوال والفناء... وإن اللبيب ليستفيد هذه العبرة من...

هي مساجَلة شعرية دارت بين شاعرين معاصرين بعد انتهاء رمضان، ولن نذكر اسميهما؛ فقد أفضيا إلى ما قدما، أما أولهما فقد كان ينظر إلى رمضان على أنه سجن ضيق وضيف ثقيل كان يمنعه عن لهوه ومجونه وشربه لخمره و! فهو فرح مسرور بانتهائه ورحيله! فتسمعه وقد انطلق لسانه قائلًا:

 

رمضان ولَّى هاتِها يا ساقي *** مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ

ما كان أكثرهُ على أُلافِها ***وأقلُهُ في طاعة الخلاقِ

بالأمس قد كنا سجيني طاعةٍ ***واليوم مَنَّ العيد بالإطلاقِ

هات اسقنيها غير ذات عواقبٍ ***حتى نُراع لصيحةِ الصفّاقِ

 

ولم يكن وحده في "كرهه" لرمضان، بل كان له سلف في ذلك، فمن قبله قال أبو نواس مخاطبًا رمضان:

 

أَلا يا شهر كَم تَبقى *** مَرِضنا وَمَلَلناكا

إِذا ما ذُكر الحمد *** لشوال ذَمَمناكا

فيا ليتك قد بنت *** وما نطمع في ذاكا

ولو أمكن أَن يُقتل *** شهر لَقَتَلناكا

 

فانبرى الشاعر الثاني يعارضهما ويرد عليهما زيغهما قائلًا:

رمضانُ ودّع وهو في الآماق *** يا ليته قد دام دون فراقِ

ما كان أقصَرَه على أُلَّافِه *** أَحِبَّة في طاعةِ الخلاق

زرع النفوسَ هدايةً ومحبة *** فأتى الثمارَ أطايبَ الأخلاق

في العامِ يأتي مرةً لكنّه *** فاق الشهورَ به على الإطلاق

 

والحق أن الناس مذ فُرض صيام رمضان وهم على أصناف؛ صنف يراه حبيبًا طال انتظاره فهو به مستمتع وعليه حريص، وصنف ينظر إليه على أنه سجن يمنعه عن نزواته ويقطعه عن شهواته! وصنف ثالث -هم وسط بين هؤلاء وهؤلاء- يصومونه لأنه فريضة، ويقومونه لأن الناس تقومه، ويتصبرون ولا يُبدون تململًا... فاللهم اجعلنا من الصنف الأول.

 

***

 

ورغم اشتياق الصنف الأول إلى رمضان وحرصهم ألا ينتهي، فإنه سيرحل وسينقضي وسينصرم وسيغادر وسيزول وربما لن يعود، ككل شيء في هذه الدنيا؛ فإنها دار الزوال والفناء... وإن اللبيب ليستفيد هذه العبرة من رمضان الذي ولّى من أيام؛ فكم جاء قبله من رمضان فولى، ثم تبعه مثله فما دام، ثم تبعهما رمضان ثالث فما استقر، ورابع فغادر، وخامس فرحل، وسادس فانصرم، وسابع وثامن وعاشر... ومنا من مر عليه عشرون رمضان أو أربعون أو سبعون... فأين هي الآن؟!

 

فهي "عبرة الزمن"؛ لا شيء يبقى أو يدوم، بل الجميع يزول إلا خالق الملك والملكوت -سبحانه وتعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)[الرحمن: 26-27]، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88]، وتلك عادة الزمن دائمًا أبدًا، ولن يغيِّر عادته مهما حاولنا:

 

أريد من زمني ذا أن يُبَلِّغني *** ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ

فما يدوم سرور ما سررت به *** ولا يرد عليك الفائت الحزنُ  

 

***

 

لكن عزاء المؤمن أن رمضان ما رحل إلا بعد أن نَمَّى وثبَّت ودعَّم أفضل ما فينا، إلا بعد أن عاوننا على ترك وهجر أسوأ ما فينا، بل زادنا زهورًا جديدة نبتت في قلوبنا، ما رحل رمضان إلا وقد عوَّدنا قربات وطاعات، وحببنا في فعل الخيرات، عزاؤنا أنه قد ولى حاملًا زادنا إلى ربنا بحسنات زيدت في صحائفنا... لكن كل ذلك لن يحدث ولن يكون إلا بالقبول؛ نعم، كل ذلك مشروط بأن يكون الله -عز وجل- قد تقبل منا ما قدمنا في رمضان.

 

ورب سائل يقول: وكيف نعلم أننا قد قُبلنا عند الله أم رُددنا -والعياذ بالله-؟!

ويجيب علماؤنا فيقولون: "المداومة علامة القبول": يقول ابن رجب الحنبلي: "علامة قبول الطاعة: أن تُوصَل بطاعة بعدها، وعلامة ردّها: أن تُوصَل بمعصية... سلوا الله الثبات إلى الممات وتعوذوا من الحور بعد الكور"(لطائف المعارف، لابن رجب)، وعن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: "كان أحب العمل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يدوم عليه صاحبه"(متفق عليه).

 

وعاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من انقطع عن الطاعة بعد إلفها؛ فقال لعبد الله بن عمرو بن العاص -: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل"(متفق عليه)، بل وحذر من ذلك القرآنُ الكريمُ قائلًا: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)[النحل: 92].

 

فأما الصيام فقد بقي صيام ست شوال، والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر... وأما قيام الليل وسائر أعمال البر فهي كذلك طوال العام...

 

ويجيب علماؤنا فيقولون: ومن علامات القبول: شكر الطاعة واليقين أنها من عند الله -تعالى-: ولولاه -عز وجل- ما اهتدينا ولا عبدنا ولا حتى شكرنا، ففي تاريخ دمشق لابن عساكر أن موسى قال لربه يوم الطور: "أي رب إن كلمتني فمن قِبَلِك، وإن صليتُ فمن قِبَلِك، وإن صمتُ فمن قِبَلِك، وإن أرسلتني فمن قِبَلِك، وإن بلغت رسالتك فمن قِبَلِك، فكيف أشكرك؟! فأجابه الله -عز وجل-: "يا موسى، الآن علمت أنك قد شكرتني؛ حيث علمت أنه من قِبَلي".

 

ويزيد علماؤنا فيقولون: ومن علامات القبول: الخوف من عدم القبول: ففي لطائف المعارف لابن رجب أن معلى بن الفضل قال: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يُبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم"، وفيه: "خرج عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم"، وفيه أيضًا: "كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور! فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملًا فلا أدري أيقبله مني أم لا؟".

 

وقرأت عائشةُ -رضي الله عنها- هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)[المؤمنون: 60]، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فأجابها: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون: 61]"(رواه الترمذي).

 

ثم علامات القبول بعد ذلك كثيرة، نتركها لخطبائنا ليتموها ويفصِّلوها ويؤصِّلوها، بعد أن يهنئونكم بعيد فطركم المبارك:

العنوان

استدامة التقوى بعد رمضان

2026/03/16 2704 634 44

مِنْ دَلَائِلِ الِاسْتِدَامَةِ عَلَى التَّقْوَى بَعْدَ رَمَضَانَ: أَنْ يُكْثِرَ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا عِدْلَ لَهُ. وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ لِيَكُونَ لَهُ كَصِيَامِ الدَّهْرِ. وَيَصُومَ سِتَّ شَوَّالٍ أَيْضًا؛ فَإِنَّ صِيَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ...

المرفقات

استدامة التقوى بعد رمضان.doc

استدامة التقوى بعد رمضان.pdf


العنوان

الاستقامة على الطاعات بعد مواسم الخيرات

2026/03/28 1016 322 16

أيُّها المسلمون: إنكم معرَّضون لفتنٍ عظيمةٍ تضرُّ الدينَ والدنيا؛ فاستقبِلوا الفتنَ بالاستقامةِ على ما كان عليه الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه، وبالدعاءِ للمسلمين وللإسلامِ وأهلِهِ في كلّ مكانٍ. وبالدعاءِ لهذه البلادِ المباركةِ بالحفظِ، ولبلادِ المسلمين من كيدِ الكافرين...

المرفقات

الاستقامة على الطاعات بعد مواسم الخيرات.doc

الاستقامة على الطاعات بعد مواسم الخيرات.pdf


العنوان

كنا أمس في رمضان

2026/03/19 1993 495 18

قَد يَزِيدُ أَهلُ التَّقوَى وَالإِيمَانِ مِنَ النَّوَافِلِ وَالمُستَحَبَّاتِ في رَمَضَانَ، وَيَزدَادُ تَوَقِّيهِم لِلمَكرُوهَاتِ وَتَوَرُّعُهُم عَنِ المُشتَبِهَاتِ؛ لَكِنَّهُم في رَمَضَانَ وَفي غَيرِهِ مُجَانِبُونَ لِلمُنكَرَاتِ، حَافِظُونَ جَوَارِحَهُم عَنِ المُحَرَّمَاتِ؛ مُؤَدُّونَ...

المرفقات

كنا أمس في رمضان.doc

كنا أمس في رمضان.pdf


العنوان

رحيل شهر رمضان وعلامات القبول

2026/03/11 1616 366 16

لم يجعل الله حدّاً لانقطاع الأعمال، إلا بالموت... ربّ رمضان هو رب شوال، ورب سائر الشهور، نعم لرمضان مزية واعتبار، والمؤمن يزداد عمله في رمضان، ولكن لا ينقطع بعد رمضان. فلا تهجر الصلوات المكتوبات في بيوت الله تعالى، فالفرائض لها مزية واعتبار...

المرفقات

رحيل شهر رمضان وعلامات القبول.doc

رحيل شهر رمضان وعلامات القبول.pdf


العنوان

حال الناس بعد رمضان

2026/03/12 1159 392 9

ماذا يتصور العبد من حالة ذلك الرجل في القيامة، حين تُفتح خزائن أعماله بين يدي مولاه، وفيها الطاعة والانقياد، والصدق والإخلاص، والوفاء والمحبة لله، والذكر له والخشوع والخوف منه والرجاء. وماذا يتصور عن المجرم في القيامة حين تُفتح خزائن أعماله؟ وفيها الخيانة والكذب، والكبر والكراهة للدين، والإعراض عنه، والغفلة والنسيان....

المرفقات

حال الناس بعد رمضان.doc

حال الناس بعد رمضان.pdf


العنوان

دوام الاستقامة يقين وطاعة

2026/03/22 2340 385 23

مدارُ السعادةِ في طولِ العمرِ وحُسْنِ العملِ. ومداومةُ المسلمِ على الطاعةِ -من غيرِ قصرِها على شهرٍ مخصوصٍ أو مكانٍ فاضلٍ- من أعظمِ البراهينِ على القَبولِ وحُسْنِ الاستقامةِ. فزكُّوا أنفسَكم بفعلِ الطاعةِ والإخلاصِ في العبادةِ...

المرفقات

دوام الاستقامة يقين وطاعة.doc

دوام الاستقامة يقين وطاعة.pdf


العنوان

الانكسار والافتقار بعد إكمال العدة

2026/03/26 1755 428 28

فتأملُوا أكثرَ كلمةٍ سَمِعناهَا وقُلناهَا خلالَ هذا الأسبوعِ المنصرمِ، إنها كلمةٌ ربما قِيلتْ لنا آلافَ المراتِ، إنها قولُ بعضِنا لبعضٍ: تقبَّلَ اللهُ منا ومنكُ. لكنْ هل قُلناها مستشعِرِينَ عِظَمَ شأنِ قبولِ العملِ؟! وهل كانَ دعاؤُنا بها بحضورِ قلبٍ؟!

المرفقات

الانكسار والافتقار بعد إكمال العدة.doc

الانكسار والافتقار بعد إكمال العدة.pdf


العنوان

أول جمعة من شوال

2024/04/23 2178 1362 5

لَقَدْ كُنتَ فِي رَمضانَ صَوامًا بالنَّهَارِ، قَوَّامًا بالليلِ، رَطْبَ اللسَانِ بالذِكِرِ وتلاوةِ القُرآنِ، وجوارحكَ نَاصبةٌ فِي عِبادِة المَلكِ الدَيانِ، فَلا تنْقلبْ عَلى عَقبيكَ فتصيرَ مِنْ حِزبِ الشيطَانِ، ولا تتركْ الصَلاةَ؛ فهي عِمادُ الدينِ، والصلةُ بينَ العَبدِ ورَبِهِ...

المرفقات

أول جمعة من شوال.pdf

أول جمعة من شوال.doc


العنوان

ماذا بعد رمضان؟

2026/04/02 558 327 4

إِنَّ مِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ إِتْمَامِ رَمَضَانَ أَنْ يُحَافِظَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْإِيمَانِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ رَبِّ رَمَضَانَ أَنْ نَعْبُدَهُ وَنُخْلِصَ لَهُ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ؛ فَهُوَ رَبُّ الشُّهُورِ جَمِيعًا... أَعْظَمُ مَا تُفْنَى بِهِ الْأَعْمَارُ، وَأَطْيَبُ مَا يَرْجُوهُ الْمُؤْمِنُ هُوَ: التَّوْفِيقُ لِحُسْنِ الْعَمَلِ وَقَبُولِهِ...

المرفقات

ماذا بعد رمضان؟.doc

ماذا بعد رمضان؟.pdf


العنوان

وقفات بعد رمضان

2026/04/02 633 294 3

العبد الموفّق هو الذي يستمر على استقامته بعد رمضان. اثبت واستقم... العبادة ليست في رمضان وحده، العبادة مستمرة حتى الموت... لا بد أن تستمر دائمًا عبدًا لله في معاملاتك مع والديك وزوجتك وأولادك والمسلمين وغير المسلمين. الفجر لا تُضيِّعه، كنت محافظًا عليه في رمضان فلا تُضيِّعه بعد رمضان، حافظ عليه في المسجد...

المرفقات

وقفات بعد رمضان.doc

وقفات بعد رمضان.pdf


العنوان

ماذا بعد رمضان؟

2026/04/02 715 334 5

فإذا عرفنا سبب هذه الوحشة التي تصيب المؤمن بعد نهاية مواسم الطاعة وجب علينا أن نعرف ما هو علاجها، وكيف نتعامل معها... فالمؤمن يعالج هذه الفترة بألَّا يثقل على نفسه بالعبادات، ولا يشتد عليها في ذلك، بل يعود إليها بالتدرج مع المحافظة على الفروض الواجبة، لا يؤخرها عن وقتها، وإلا فإن الكلام كله يدور حول النوافل والمستحبات...

المرفقات

ماذا بعد رمضان؟.doc

ماذا بعد رمضان؟.pdf


العنوان

وداعا رمضان

2026/04/05 383 278 0

أيُّها الصّائمُ: هنيئًا لكَ طاعةُ ربِّكَ، فاحمدِ اللهَ على توفيقِهِ، فإنَّنَا ما صُمنا إلا بفضلِهِ، وَهُوَ وحدَهُ بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ، وحالُ المؤمنِ دومًا كَمَا قالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وهُوَ يحفِرُ الخندقَ: "وَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلاَ صُمْنَا...

المرفقات

وداعا رمضان.doc

وداعا رمضان.pdf


إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات