ميزة هذا الدين الحنيف

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-30 - 1447/11/13
عناصر الخطبة
1/من محاسن دين الإسلام 2/أهمية هذا الدين والعمل به 3/وجوب التمسك بآداب الإسلام 4/شتان بين الصالحين وغيرهم.

اقتباس

ففرق عظيم بين دين فيه الولاية للرحمن، ودين فيه الولاية للشيطان، وفرق بين مَن أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، وبين مَن أَسَّس دينه على شفا جرف هار فانهار به في النيران، وفرق بين دين قوامه العدل والنصرة والإحسان، ودين قوامه الجور والظلم والطغيان......

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا نعمه، ورضي لنا الإسلام دينًا، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفوته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى-، ومن أهم ذلك التمسك بدين الإسلام، والعمل بما أوجب الله علينا فيه، وبما شرع لنا من آداب، ولنسابق في فضائله فهو الدين الذي ارتضاه الله لنفسه، ولأنبيائه ورسله، فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياء والمرسلون، بل إنه -تعالى- وبَّخ المبتغي غيره بقوله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ)[سورة آل عمران:83]؟! وأخبر أنه لا يقبل من أحد دينًا سواه؛ فقال -تعالى-: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[سورة آل عمران:85].

 

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "والذي نفس محمد بيده؛ لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار".

 

 فحين ترسخ في ذهن المسلم أهمية هذا الدين والعمل به، ويشتاق إلى مزيدٍ من معرفة أُسُسه وكيفية العمل به، فما أكثر ذلك في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ فمن القرآن قوله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)[سورة النساء:125]، وقال -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[سورة البينة:5]، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[سورة يونس:57].

 

ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقوله: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، ويتجلى أيضًا فضل الدين الإسلامي وصلاحه وأهميته حين نتأمل في أُسُسه وحقائقه، فهو دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عبادة الرحمن، وطاعته في السر والإعلان، ومعاملة الخلق بالعدل والإحسان.

 

 ففرق عظيم بين دين فيه الولاية للرحمن، ودين فيه الولاية للشيطان، وفرق بين مَن أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، وبين مَن أَسَّس دينه على شفا جرف هار فانهار به في النيران، وفرق بين دين قوامه العدل والنصرة والإحسان، ودين قوامه الجور والظلم والطغيان.

 

 معشر المسلمين: ولهذه الفروق وغيرها فلا يخفى أيضًا أن مما يُحفّز الهمة ويُقوّي العزيمة على العمل والجد فيه: ما يحصل للمسلم الواعي من اعتبار بمن ذهب ووافى عمله الصالح، بعد ما صبر في ذات الله واتبع مرضاته، وسابق في خيراته، وشهد له المسلمون بذلك، فكان بالأمس يعيش في هذه الحياة يرجو ثواب الله فيما يعمل من طاعاته، ويخشى عقابه خشية من التقصير، وما هو مغطى من مغبة السيئات، فهنيئًا لمن توفاه الله وهذه سجيته وهذا عمله، فهو للمغفرة والقبول أقرب منه للحرمان.

 

 وإنما البلاء والمصيبة والخسارة العظيمة: على مَن ذهب وفارق الحياة الدنيا بعدما تولَّى عن توحيد ربه وطاعته، فوافى عمله السيئ حيث لم يرفع بالإسلام رأسًا في حياته، بل كذب رسوله واستكبر، وحاد عن شريعة ربه، وربما استهزأ بها وأظهر كراهته لها، فمات والجهل متمكن من نفسه، والهوى والعناد من قلبه، والجحود والكفر في صدره، والعصيان والمخالفة ظاهرتان في جوارحه، فما أعظمها من سوء خاتمة، وما أكثر من مات وهذه حالته في عموم البشرية، فهل منا من معتبر ومتعظ؟!

 

 أيها المسلمون: وحيث إننا في وقت قد سهل فيه السفر، وكثر فيه الاختلاط بعموم البشر، فانظروا -يا عباد الله- نظرة متعظ ومعتبر في أعمالهم الطيبة، وهل أنتم مشاركون لهم فيها؟ وانظروا في أعمالهم السيئة وهل أنتم سالمون منها؟

 

 ألا ترون المتمسكين بآداب الإسلام وما هم فيه من عفة ونزاهة وصدق وإخلاص وصبر عند البلوى وشكر للنعماء، إنهم أناس عرفوا ربهم فأنابوا إليه، وأيقنوا برقابته فذلّوا بين يديه، عرفوا ثوابه فتسابقوا إليه، وأيقنوا بقدرته وعدله فحذروا من معصيته وعقابه، وجاهدوا ما ابتلوا به من أهواء وشياطين وشهوات ابتغاء رضوان الله وجنته، وخوفا من أليم عقابه.

 

 وانظروا -يا عباد الله- إلى حال المقصرين في طاعة ربهم، وما هم عليه من انحراف وضلال وفساد في دنياهم وأخراهم، واحذروا من الوقوع فيها أو الرضا بها، أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين من أهل الباطل وسجاياهم، وجعلنا جميعًا من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)[سورة الأنعام:163]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أنقذنا ببعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- من الظلمات إلى النور، فبيَّن لنا المحجة البيضاء التي يسير عليها المهتدون، وكشف لنا عن صفة الضُلّال وهم في ضلالهم يتخبطون، وفي سكرتهم يعمهون.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في محكم كتابه: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[سورة الأنعام:108]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب والحكمة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وازدادوا إيمانًا بالتأمل في ما يجري الله في خلقه من هداية وضلال، وسعادة وشقاء، وخصوصًا مَن ينتسب إلى الإسلام؛ حيث يتجلّى الفرق الكبير بين عابد الرحمن الصادق في إسلامه، وعابد الهوى والشيطان الذي ليس عنده من الإسلام إلا الانتساب إليه، وفعل ما يناقضه ويبطله.

 

 ومن أمثلة ذلك: من اختار الرفقة الطيبة في سفره واتجه إلى بيت الله الحرام، متزودًا بما يحتاجه المعتمر أو الحاج، فهو يتحمل المشاق للوصول إلى بيت الله والطواف به، وإلى الوقوف في المشاعر خاضعًا لربّه، ومنيبًا إليه، ومُتعرِّضًا لنفحاته، ومستقيمًا بأداء الفرائض، ومُعظِّمًا لشعائر الله وحدوده.

 

 فالفرق كبير بينه وبين من اختار الرفقة السيئة، واستخف بشرائع الله وحدوده، ففَرّ من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر ليقضي وَطَره، ولم يخف مِن غضب ربه عليه بانتهاك حرماته، وموالاة أعدائه، شتان بين مُشرّق ومُغرّب!

 

 فهنيئا لمن يسَّر الله له العمرة فاعتمر وقُبلت منه، أو الحج فحج وقُبِل منه، وهنيئًا لمن عظّم الله بالتهليل والتكبير وتقريب القربان، مع ما هو عليه من استقامة وإيمان، ففاز بالجنة والرضوان.

 

 وبئس من طار إلى أهل الضلال وما عندهم من الفجور والطغيان، ونال الخزي والعار وتعرض للنيران، وغير ذلك مما يتجلى في حالة البشر وسلوكهم، في حِلّهم وارتحالهم، فما أكثره وأعظمه لمن يريد الاتعاظ والاعتبار، وما أكثر ما يحصل من تصرف الله في خلقه، فهل منتبه ومدكر؟

 

 اللهم أيقظنا بنور هدايتك، واحفظنا في حلنا وترحالنا بالاستقامة على طاعتك، اللهم اهدِ ضال المسلمين، وتُبْ على التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

ميزة هذا الدين الحنيف.doc

ميزة هذا الدين الحنيف.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات