وإنه لذكر لك ولقومك

د عبدالعزيز التويجري

2026-03-06 - 1447/09/17 2026-03-16 - 1447/09/27
التصنيفات: رمضان الإيمان
عناصر الخطبة
1/رمضان شهر القرآن 2/مكانة القرآن الكريم ومنزلة وحاجة الأمة إليه 3/أهل القرآن ومجالسة القرآن.

اقتباس

كلام رب العالمين؛ سراج تستضيء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، وبحر لمن ابتغى أعلى العلوم، ديوان الحكم، وجوهر الكلم، نزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين على محمد خاتم...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ولي المؤمنين؛ (نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[الأعراف: 196]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من علينا؛ فهدانا وأطعمنا وسقانا، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله -صلَّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته- ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الدين، أما بعد:

 

فاتَّقوا الله -أيها المؤمنون- حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرِّ والنجوَى.

 

الله هو العظيم -جل جلاله- له الأسماء الحسنى والصفات العلى ليس كمثله شي وهو السميع البصير.

 

هوَ أولٌ هوَ آخرٌ هوَ ظاهرٌ  *** هوَ باطنٌ ليسَ العيونُ تراهُ

ملكٌ تدينُ لهُ الملوكُ ويلتجي  *** يومَ القيامةِ فقرهمْ بغناهُ

 

ما أجمل رمضان الذي قربنا من الملك الديان، وما أحلى شهر الصيام يوم حقق لنا تقوى الملك العلام، ما أكرم هذا الشهر العظيم حين رطب ألسنتنا بكلام العزيز العليم؛ (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة: 185]، كلام رب العزة والجلال عظيم لا تعلوه عظمه (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)[الحجر: 87].

 

ألفاظه كعقود الدرِ ساطعةٌ *** وآيه لظلام الجهل أقمارُ

رقت معانيهِ إذ دقت لطائِفهُ   ***      فأمعنت فيه ألبابُ وأفكارُ

كفى به لأولي الألباب تبصرةً *** أن أنصفوا وبحكم العقل ما جاروا

به هدى الله أقواماً وأيدهم ***   فأصبحوا وعلى المنهاج قد ساروا

 

كلام رب العالمين؛ سراج تستضيء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، وبحر لمن ابتغى أعلى العلوم، ديوان الحكم، وجوهر الكلم، نزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين على محمد خاتم النبيين -عليه الصلاة واتم التسليم-.

 

لو أن كل أشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، أشجار البلدان والبراري والبحار، أقلام يكتب بها؛ (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ)[لقمان: 27]، لتكسرت تلك الأقلام ولفني ذلك المداد، ولم تنفد؛ (كَلِمَاتُ اللَّهِ)، (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)[الكهف: 109].

 

فكيف تضل أمة وتتيه مجتمعات فيها كتاب الله؛ (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ)[المائدة: 16]، وكيف تحتار عقول وتعمى أبصار؛ (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[إبراهيم: 1].

 

فمن سار على نهجه أنار عقله وأبصر طريقه؛ (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)[المائدة:15]، ومن تمسَّك به عُصم من الضلال؛ "تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتُم به: كتاب الله".

 

آياته بهدى الإسلام ما برحت ***   تهدي الممالك جيلا بعده جيل

 

وتنحيةُ مبادئهِ وأخلاقهِ وقيمهِ تُسَيرُ الأجيال كالأنعام؛ (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا)[الأعراف: 179]، لا يُنالُ الأمنُ والرخاء، ولايعز شأن الأمة، ولا يرفع اقتصادها ويهذب أخلاقها إلا القرآن تلاوةً وعمل به وتحكيمًا ونشْرا.

 

فمن أراد الثبات عند الفتن والمصائِب والمصاعِب فليلزم القرآن؛ (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)[الفرقان: 32]، ومن شكا ضعف إيمانه وقلة يقينه فليلزم كتاب ربه؛ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)[الأنفال: 2].

 

فمالنا عنه مبعدين، وعن تلاوته مقصرين، نستثقل دقائق في قراءته، ويتسابق كثير لمساجد تقصر من تلاوته، وهو الحياة لنا لو شعرنا، والنور لقلوبنا لو أبصرنا؛ (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)[الشورى: 52].

 

ووالله وبالله وتالله لو أقيمت معارض للكتاب، وحفيت لأجلهن أقدام وأنفقت أموال؛ فلن يجدوا كتابٌ يدانيه؛ (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)[العنكبوت: 51]؛ فليس حديثٌ أحسنَ منه؛ (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)[الزمر: 23]، وليس قصص أبلغ منه (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)[يوسف: 3].

 

فيا -أيها المؤمنون-؛ ليكن من بركة هذا الشهر ان تنطلق ألسنتنا بتلاوته، وتتفتح قلوبنا بتدبره، وتستنير عقولنا بآياته؛ فهو التجارةُ الرابحةُ إن أردناها، والسعادة لحياتنا عن ابتغيناها "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".

 

سعادة لمن غلبته الأحزان، وشفاء لمن ألمت به الأمراض والاوجاع؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[يونس: 57]؛ ينال الخيرية من جلس للقرآن تعلماً او تعليما؛ "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

 

فإن مجالسُ القرآن وحلق القرآن ومواطِنُ تعلُّمه مظانُّ تنزُّل السكينة والرحمة على مُعلِّميها والمُتعلِّمين؛ "ماجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"(رواه مسلم).

 

وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه، إني ربي رحيم ودود.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ولي المؤمنين والصلاة والسلام على إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

 

عباد الله: لدق ودعنا ثلثي هذا الشهر الكريم، فكم أودعت من حسنات للمقبلين المخلصين، واستجيبت دعوات للمخبتين الراغبين، وزكت قلوب لمن صامت جوارحهم عن الآثام وانطلقت ألسنتهم بترداد كلام الملك الديان، وبقي فسحة لمن قصر في جنب الله؛ فنام طويلا، وقرأ قليلا، وأضاع الوقت وضيع الصلاة.

 

 فاصبروا وصابروا ورابطوا واجتهدوا؛ فإن أسعدُ الناسِ من اقترب من ربه، وتشرف بتلاوة كتابه، وادام الدعاء وأطال المناجاة، ومن أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له.

 

واعلموا أنه لا حسد في الدنيا ولا في مناصبها وأموالها، إلا في تعلم القرآن وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ"، "والماهرُ بالقرآن مع السَّفَرة الكرام البرَرة"(متفق عليه)؛ فهو الشرف والسُؤدَدُ المُسلمين، ورُقيُّ وفخرُ الأجيال، وهو أمانٌ للمُجتمع وبركةٌ عليه، وفيه الأُنسُ والرِّفعةُ ورِضا رب العالمين.

 

وهو يسير لمن أعطاه وقته وجعله همه وهمته؛ (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)[القمر:17].

 

فعايشوا القرآن في بيوتكم، وحياتكم، يملأ الله بيوتكم رحمة وبركة وهداية ونوراً، ويملأ صدوركم إيماناً، ويقيناً، وخيراً وبراً، ويملأ مسيرتكم إشراقاً وفلاحاً ونجاحاً.

 

اللهم نور قلوبنا بالقرآن والايمان، واغفر لنا الذنوب والعصيان وفتح ليسير أعمالنا القبول وتجاوز عن التقصير والنسيان؛ يا رحيم يا رحمان.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

المرفقات

وإنه لذكر لك ولقومك.doc

وإنه لذكر لك ولقومك.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط

ما شاء الله، الموضوع ممتاز. جزاكم الله خيراً.