عناصر الخطبة
1/الكل يرجو طول العمر 2/فضل طول العمر وأهميته 3/من وسائل إطالة العمر 4/الحث على استغلال العمر في الخير 5/معنى إطالة العمراقتباس
إن إطالة العمر التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث المتقدمة معناه إطالة العمر حقيقة، أو هو كناية عن البركة في العمر؛ بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته من تضييعه، وكذلك الذكر الجميل بعد الموت...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
إن الحمد لله، نحمده ونسّتعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلّم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن طول البقاء في الدنيا أمر مرغوب للبشر جميعاً، فكلهم يأمل طول العيش وامتداد العمر، سواء في ذلك المحسن والمسيء، فأمّا المحسن فلرغبته في الازدياد من الخير وعلو الدرجات، وأما المسيء فازدياداً للملذات، واستيحاشاً من الموت وما بعده.
ولا عجب أن يرغب الصالحون في طول البقاء في الدنيا، وقد علموا أنه كل يوم يمضي يمكنهم أن يستغلوه، فيكون في ميزانهم درجات وأجوراً وحسنات؛ ولذا فقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنس بن مالك -رضي الله عنه- فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، وأغفر له"(رواه البخاري في الأدب المفرد وصحّحه الألباني)، ولما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وسئل أي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله"(أحمد والترمذي وصحّحه الألباني).
إن حياه الإنسان في هذه الدنيا محدودة ومعدودة، ومهما حاول واجتهد في كسب الحسنات وزيادة الطاعات فعمره قصير، ولو تأملت من بلغ عمره ستين سنة لوجدت ثلث حياته أمضاها في النوم وربعها طفل لا يعقل، وباقيها في طلب الدنيا وقضاء حاجاته، فكم يبقى بعد ذلك!، ومن هنا تظهر أهمية طول العمر، وضرورة البحث عن أسباب لذلك.
عباد الله: إن نبينا -عليه الصلاة والسلام- قد دلنا على ثلاث وسائل تطيل العمر وتمد فيها، وإليك الوسيلة الأولى: عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، وأن يؤخر له في أجله، وأن يُنسأ له فبي أثره؛ فليصل رحمه"(رواه البخاري ومسلم)، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلة الرحم تزيد في العمر"(أخرجه القضاعي في مسند الشهاب وصححه الألباني).
إن صلة الرحم من محاسن الأخلاق التي حث عليها الإسلام ودعا إليها، وحذّر من قطيعتها؛ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)[محمد: 22 - 23]، ولقد كان سلف الأمة يحرصون على صلة أرحامهم رغم صعوبة وسائل الاتصال في عهدهم، أما نحن فقد انشغلنا عن صلة أرحامنا وتثاقلنا عنها، مع ما ننعم به من وسائل نقل واتصال متوافرة!.
فحري بك -أخي المسلم- إن كنت حريصاً على إطالة عمرك أن تصل رحمك؛ فإن من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
عباد الله: أما الوسيلة الثانية من وسائل إطالة العمر فروته عائشة -رضى الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنه من أعطى الرفق فقد أعطي حظّه من الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار"(أحمد والبيهقي وصححه الألباني).
إن حسن الخلق صفة سامية؛ فهي تطهر صاحبها من آفات اللسان والجنان، وترتقي به إلى مراتب الإحسان، قال عبد الله بن المبارك: "حسن الخلق: هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى".
وقد أخبر نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن الله -جل جلاله- منح صاحب الخلق الحسن أثقل الحسنات يوم القيامة، عن أبي الدرداء -رضى الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء"(الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).
وإن الله منح بيتاً في أعلى الجنة له، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم ببيت في أعلى الجنّة لمن حسن خلقه"(أبو داود بإسناد صحيح).
انظر إلى نفسك -يا عبد الله- وتأمل: هل حسنت خلقك؟ وهل خلفتّ ذكراً حسناً بحسن تعاملك مع من حولك؟ فإنك تصل إلى درجات الصائم القائم في الجنّة، مختزلاً التعب والنصب والمصابرة بحسن الخلق، عن عائشة -رضى الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجه الصائم القائم"(أبو داود بإسناد صحيح).
عباد الله: أما الثالث من وسائل إطالة العمر فحسن الجوار، كما تقدم في حديث عائشة -رضي الله عنها-: "صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار؛ يعمرن الديار ويزدن في الأعمار".
وتأمل -رعاك الله-: هل أديت حق جارك؟ لقد وصل الحال ببعضنا أن يعيش سنوات طوال لا يعرف اسم جاره، وقد يأتيه رجل يسأله عن بيت فلان من الناس فلا يعرفه، ثم يفاجأ بأنه أحد جيرانه!.
فحرى بك -أخي المسلم- أن تحسن إلى جارك بالزيارة والهدية والكلمة الطيبة، فنبينا -عليه الصلاة والسلام- يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثّه"(رواه البخاري ومسلم).
هذه وسائل دلنا عليها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لإطالة العمر؛ مما يهيئ للراشدين استغلاله في أصلح الأعمال وأنفعها وأكثرها أجرًا.
اللهم أطل أعمارنا على طاعتك، واجعلنا ممن وصل رحمه، وحسن خلقه، وأحسن إلى جاره، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن تفاوت أعمار البشر من أسرار الله في خلقه، فترى هذا يموت لعمر يناهز الستين، وذاك مات في الثلاثين، وهكذا كل يعطى فرصته في الحياة؛ ليرى كيف يعمل العاملون؟ فالحياة نعمة ومنَّه من الله لعبيده، فهل تغتنم هذه الفرصة في الحياة قبل أن تنتهي؟.
إنك -يا عبد الله- منذ ولدت وقد بدأ النقص في ساعات عمرك، قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
عباد الله: إن إطالة العمر التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث المتقدمة معناه إطالة العمر حقيقة، أو هو كناية عن البركة في العمر؛ بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته من تضييعه، وكذلك الذكر الجميل بعد الموت.
إن العمر الحقيقي للإنسان ليس السنين التي يقضيها، إنما عمره الحقيقي بقدر ما يكتب له في رصيده من عمل صالح، وكما قال الحكيم: "رُبّ عمرٍ اتسعت آماده وقَلّت أمداده، ورب عمر قليله آماده كثيرةٍ أمداده"، ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن منن الله -تعالى- مالا تلحقه الإشارة.
عباد الله: إن زيادة العمر منحه ربانيه يعطيها الله لمن شاء من عباده؛ لعله يزداد بها طاعة، فحياتك -أيها الكريم- نعمة فاستغلها في طاعة الله قبل دنو أجلك؛ لتحظى برضا الرحمن، واعلم ان سلعة الله غالية، فسارع إليها وسابق عليها؛ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم