عناصر الخطبة
1/وصايا نافعة عند حلول الأزمات.اقتباس
ويختلف حسن الظن وتتفاوت درجاته بحسب ما يقوم بقلب العبد من العلم والمعرفة، ويقبحُ سوءُ الظن ويزدادُ شناعةً وسوءًا بحسب ما يقوم بقلب العبد من قلةِ العلمِ والمعرفةِ باللهِ -تعالى- وبأسمائِهِ وصفاتِهِ؛ فمنه ما...
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وهدانا لسنةِ سيد المرسلين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى واشكروه على ما منَّ به عليكم من الطاعةِ واسألوهُ القبولَ؛ ونحن نعيش في أيامٍ عصيبة وصراع كبير بين أشد الأعداء من الصهاينة والباطنين المنافقين، الذين اصطلى أهل الاسلام بشرهم؛ فكم قتلوا من برئ، وكم أسروا وعذبوا من الأحرار وكم استباحوا من عرض، وكم هدموا من بلاد بعد نهبها؛ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[يوسف:21].
وفي خضمِ هذه الصراعات نحتاجُ -معاشرَ الإخوةِ- أن نتواصى ببعض الوصايا التي تعيننا إن شاء الله على الثبات في هذه الفتن، وتدفعها عنا؛ أولُها وأوجبها: حسنُ الظنِ باللهِ -تعالى-، وهو من أعلى المقامات الإيمانية؛ "فهو من واجبات التوحيد، ولذلكِ ذَمَّ اللهُ مَنْ أَسَاءَ الظنَ بِهِ، لأن حسن الظن يُبْنَى على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقُدْرَتِهِ وعَلْمِهِ وحُسْنِ اختياره وقوة الْمُتَوَكَلِ عليه؛ فإذا تم العلمُ بذلك أثمرَ له حُسْنَ الظنِ باللهِ.
وحسنُ الظنِ بالله آكَدُ أعمالِ القلوب؛ وهو مَنْ فروضِ الإسلامِ وأحَدِ حقوق التوحيد وواجباته، ومعناه الجامعُ: كلُّ ظنٍّ يليقُ بكمالِ ذاتِ اللهِ -سبحانه و-تعالى- وأسمائِهِ وصفاتِهِ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مبينًا مكانةَ حُسْنِ الظنِ باللهِ: "إنَّ اللَّهَ -عَزَّ وجَلَّ- قَاْلَ: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ"(رواه البخاري ومسلم).
قال الشَّوكانيُّ -رحمه الله-: "هذا الحديث فيه تَرغيبٌ مِنَ اللهِ -عز وجل- لعِبادِه بتَحسينِ ظُنونِهم وأنَّه يُعامِلُهم على حَسَبِها؛ فمَن ظَنَّ به خَيرًا أفاضَ عليه جَزيلَ خَيراتِه، وأسبَلَ عليه جَميلَ تفضُّلاتِه، ونَثرَ عليه مَحاسِنَ كَرامَاتِه وسَوابِغَ عَطيَّاتِه، ومَن لم يَكُنْ في ظَنِّه هَكَذا لم يَكُنِ اللَّهُ -تعالى- لَه هَكَذا، وهذا هو مَعنى كَونِه -سبحانه و-تعالى- عِندَ ظَنِّ عَبدِه؛ فعلى العَبدِ أن يَكونَ حَسَنَ الظَّنِّ برَبِّه في جَميعِ حالاتِه، ويَستَعينَ على تَحصيلِ ذلك باستِحضارِه ما ورَدَ مِنَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على سَعةِ رَحمةِ اللهِ -سبحانه و-تعالى-".
وأكَدَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ على ضرورة حسن الظن بالله، فَقَالَ: "لا يَموتَنَّ أحَدُكُم إلَّا وَهُوَ يُحسِنُ الظَّنَّ باللهِ -عز وجل-"(رواه مسلم).
أيها الإخوة: ويختلف حسن الظن وتتفاوت درجاته بحسب ما يقوم بقلب العبد من العلم والمعرفة، ويقبحُ سوءُ الظن ويزدادُ شناعةً وسوءًا بحسب ما يقوم بقلب العبد من قلةِ العلمِ والمعرفةِ باللهِ -تعالى- وبأسمائِهِ وصفاتِهِ؛ فمنه ما يصلُ إلى الحدِ المخرجِ عن ملةِ الإسلام، ومنه ما يُعتبرُ نقصًا في إيمانِ العبد، وخدشًا في توحيده فيكون من الشرك الأصغر.. قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في كتابه القول السديد: "بابُ قولِ الله -تعالى-: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)[آل عمران:154].
وذلك أنه لا يتم للعبد إيمانٌ ولا توحيدٌ حتى يعتقدَ جميعَ ما أخبرَ اللهُ من أسمائِهِ وصفاتِهِ وكمالِهِ، وتصديقِهِ بكل ما أخبر به، وأنَّه يفعلُه.. وما وعد الله به من نصرِ الدين، وإحقاقِ الحق، وإبطالِ الباطل؛ فاعتقادُ هذا من الإيمان، وطمأنينةُ القلب بذلك من الإيمان، وكلُ ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد؛ لأنها سوءُ ظنٍ باللهِ، ونفيٌ لكمالِهِ، وتكذيبٌ لخبره، وشكٌ في وعده".
الوصية الثانية: ألظوا بدعاءِ ربِّكم؛ فهو القائل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غافر:60]، والقائل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة:186]؛ فهل بعد هذين الوعدين: "أَسْتَجِبْ وأُجِيبُ" ترددٌ أو عدمُ يقين؛ ابسطوا أيديكم بالدعاء بقلب خاشع صادق موقن بالإجابة.
وادعو الله بنصر الإسلام وأهله ودحر الظالمين من الصهاينة والباطنين المنافقين، وأبشروا فإن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ"(رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني)، وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلِظُّوا بِيَاذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ"(رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني).
الوصية الثالثة: الإكثارُ من الذكر فهو الزاد العظيم في الملمات وما أرشد الله له في كتابه إلا وقرنه بالإكثار منه قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)[الأحزاب:41]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الأنفال:45]؛ قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "فالصبرُ والثباتُ والإكثارُ من ذكرِ اللهِ من أكبرِ الأسبابِ للنصرِ".
وبعد أيها الإخوة: الله القوي العظيمٌ إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون؛ وقد وعد بحفظ كتابه، ونصر دينه، وجعل العاقبة للمتقين، يرزق من يشاء بغير حساب، ويفرج كروب من لجأ إليه، ومن ازداد علمه بالله زاد يقينه به؛ ومن أساء الظن به فلجهله بكمال أسمائه وصفاته؛ وذلك من صفات أهل الجاهلية، قال -سبحانه و-تعالى-: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)[آل عمران:154].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم..
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ بِهُدَاهُ اقْتَدَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
أيها الإخوة: اتَّقُوا اللَّهَ -تعالى- وَأَطِيعُوهُ، وأكثروا من الاستغفار؛ فهو من أفضل الأعمال وأيسرها.. وهو سببٌ لدفع البلوى، وقد حث عليه ربنا؛ فقال: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران:133].
وقد بشر -صلى الله عليه وسلم- المكثرين من الاستغفار بالسرور والجنة؛ فقال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ"(رواه البيهقي وحسنه الألباني).
ومن أهم ثمارِ كثرةِ الاستغفار في الأمة: أنه سببٌ لدفعِ البلاءِ والنقمِ عن العبادِ والبلادِ، ورفع الفتن والمحن عن الأمم والأفراد، لاسيما إذا صدر الاستغفار عن قلوب موقنة، مخلصة لله مؤمنة؛ قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الأنفال:33]؛ وحاجتنا للاستغفار في كل وقت، وتزداد الحاجة في هذا الوقت فالأمة تمر بأصعب أوقاتها.
وبعد أيها الإخوة: في عهد النبوة مرت بالأمة ظروف مرعبة مشابهة ذكرها الله -تعالى- في كتابه لتبقى منهلًا تنهل منه الأمة في كل أعصارها؛ فقد ذكر الله -تعالى- حال الأمة في غزوة الأحزاب، فقال: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)[الأحزاب:10-11].
نسأله -تعالى- أن يُلهمنا الاستغفار؛ كما يلهمنا النفس، ويرزقنا حسن الظن به، ويجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا؛ إنه جواد كريم.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم