وقفات ومشاهد من سورة الجمعة

صغير بن محمد الصغير

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-30 - 1447/11/13
عناصر الخطبة
1/وقفات مع سورة الجمعة 2/تفسير آيات السورة 3/كمال الله تعالى وجلاله وعظمته 4/تفاوت الخلق في الفضل والطاعة 5/آداب وأحكام صلاة الجمعة 6/وجوب الإنصات لخطبة الجمعة.

اقتباس

والجمعة تطبيق عملي على توطيد الصلات بين المسلمين مما يُؤلّف قلوبهم ويدعم وحدة الأمة الإسلامية، والجمعة فرض عين، قَدْ أَمَرَ اللهُ -تعالى- بِالسَّعْيِ إِلَى الجُمُعَةِ؛ وَهِيَ مِنْ آكَدِ فُرُوضِ الإِسْلَامِ، وَأَعْظَمِ مَجَامِعِ المُسْلِمِينَ، وَأَسْبَابِ المَحَبَّةِ بَيْنَهُمْ....

الخُطْبَة الأُولَى:

 

الحمد لله الذي خلق الكون فأتقنه، وأشرقت الشمس برحمته فأبصرت البشرية بضوئها، وأنار القلوب بحكمته، وجعل كلامه هدى ونورًا لكل معتبر.

 

أما بعد: فكلما حزب المسلم أمر من أمور الدنيا توقَّف مع القرآن وآدابه وأحكامه، وها أنا اليوم أتحدث عن سورة نسمعها كثيرًا من أئمة المساجد، في حديث ابن عباس، وأبي هريرة -رضي الله عنهم- "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين"(رواه مسلم).

 

وسورة الجمعة نزلت في المدينة، وسميت بيوم الجمعة الذي جاء فيه حديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَومُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَومِ الْجُمُعَةِ»(صحيح مسلم).

 

افتتحها الله -عز وجل- بالتسبيح قال -تعالى-: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)[الجمعة: 1]؛ يُسبّح لله، وينقاد لأمره، ويتألهه، ويعبده، جميع ما في السماوات والأرض، لأنه الكامل الملك، الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، فالجميع مماليكه، وتحت تدبيره، (الْقُدُّوسُ)؛ المُعَظَّم، المُنَزَّه عن كل آفة ونقص، (الْعَزِيزُ)؛ القاهر للأشياء كلها، (الْحَكِيمُ) في خلقه وأمره. فهذه الأوصاف العظيمة مما تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

 

افتتحت السورة بالتسبيح الذي هو لسان حال الخلق أجمعين؛ قال -تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[الإسراء: 44].

 

ومن عناية الله بخلقه أن أرسل إليهم رسلاً يهتدون بهم في طريق الحق والرشاد، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[الجمعة: 2].

 

وهذه الآية هي مِصْداق إجابة الله لخليله إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فبعثه الله -سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل، وطُمُوس مِنَ السُّبُلِ، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب -أي: نزرًا يسيرًا- ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم -عليه السلام-.

 

فكانوا أي أُمَّة محمد بعد هذا التعليم والتزكية منه أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، وأكمل الخلق أخلاقًا، وأحسنهم هديًا وسمتًا، اهتدوا بأنفسهم، وهدوا غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين، وهداة المؤمنين، فلله عليهم ببعثه هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أكمل نعمة، وأجل منحة.

 

ومن سنن الله في خلقه أن جعل عباده على درجات متفاوتة في الفضل والطاعة، قال -تعالى-: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الجمعة: 3]؛ أي: وامتن على آخرين من غيرهم، أي: من غير الأميين، ممن يأتي بعدهم، ومن أهل الكتاب، لما يلحقوا بهم، أي: فيمن باشر دعوة الرسول، ويحتمل أنهم لما يلحقوا بهم في الفضل، ويحتمل أن يكونوا لما يلحقوا بهم في الزمان، وعلى كل، فكلا المعنيين صحيح.

 

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: كنا جلوسًا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنزلت عليه سورة الجمعة: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)؛ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده على سلمان، ثم قال: «لَو كَانَ الْإِيْمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لنا له رِجَالٌ أَو رَجُلٌ مِنْ هَؤْلاءِ؛ (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[الجمعة: 4].

 

وفي هذه السورة الكريمة ضرب الله المثل لعباده ليُيَسِّر لهم سبل العبرة والعظة، قال -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّورَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَومَ الظَّالِمِينَ)[الجمعة: 5]؛ يقول -تعالى- ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملاً حِسِّيًّا ولا يدري ما عليه؛ (بِئْسَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَومَ الظَّالِمِينَ)[الجمعة: 5].

 

قال الإمام أحمد -رحمه الله-: حدثنا ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له "أنصت"، ليس له جمعة".

 

ثمّ قال الله -جل وعلا-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَولِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ)[الجمعة: 6]؛ أي "من دون محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (فَتَمَنَّوُا الْمَوتَ) فادعوا بالموت على أنفسكم؛ (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه".

 

وديدن اليهود أنهم كما قال الله -تعالى-: (وَلَا يَتَمَنَّونَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)[الجمعة: 7]؛ أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).

 

وبيَّنّا الله -عز وجل- في هذه السورة الكريمة أنه لا خلود لغير الله، فقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ الْمَوتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[الجمعة: 8].

 

وَكَفَى بِالْمَوتِ فَاعْلَمْ وَاعِظًا *** لِمَنِ الْمَوتُ عَلَيْهِ قَدْ قُدِرْ

فَاذْكُرِ الْمَوتَ وَحَاذِرْ ذِكْرَهُ *** إِنَّ في الموت لذي اللُّب عِبَر

كل شيء سَوفَ يَلْقَى حَتْفَهُ *** فِي مَقَامٍ أَو عَلَى ظَهْرِ سَفَرْ

وَالْمَنَايَا حَولَهُ تَرْصُدُهُ *** لَيْسَ يُنْجِيهِ من الموت الحذر

 

وفي آخر السورة تحدَّث الله -جل وعلا- عن آداب وأحكام صلاة الجمعة؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَومِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الجمعة: 9]؛ إلخ الآيات... وسُمِّي يوم الجمعة بهذا الاسم لاجتماع الناس فيه للصلاة. وقيل: إن أول مَن سَمَّاه بهذا الاسم هو كعب بن لؤي. وأول صلاة جمعة في الإسلام كانت في المدينة، وجمعها أسعد بن زرارة أو مصعب بن عمير، بينما أول صلاة جمعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- كانت عند قدومه المدينة.

 

يَقُولُ ابنُ كَثِيرٍ -رحمه الله-: "(فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)؛ أَي: اقْصِدُوا وَاعْمَدُوا وَاهْتَمُّوا فِي مَسِيرِكُمْ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الْمَشْيُ السَّرِيعُ، وَإِنَّمَا هُوَ الِاهْتِمَامُ بِهَا"... إلخ.

 

والجمعة تطبيق عملي على توطيد الصلات بين المسلمين مما يُؤلّف قلوبهم ويدعم وحدة الأمة الإسلامية، والجمعة فرض عين، قَدْ أَمَرَ اللهُ -تعالى- بِالسَّعْيِ إِلَى الجُمُعَةِ؛ وَهِيَ مِنْ آكَدِ فُرُوضِ الإِسْلَامِ، وَأَعْظَمِ مَجَامِعِ المُسْلِمِينَ، وَأَسْبَابِ المَحَبَّةِ بَيْنَهُمْ.

 

يَقُولُ -صلى الله عليه وسلم-: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ"(صحيح مسلم).

 

وفي هذا الحديث تبشير من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأُمّته؛ بأن الله يُكفّر الصغائر من السيئات بالقليل من الأعمال الصالحات؛ التي منها المداومة على صلاة الجمعة.

 

وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَجَبَ عَلَيهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ: أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا؛ وَيَذْهَبَ مَشْيًا وَيَدْنُو مِنَ الإِمَامِ، وَيَسْتَمِعَ وَيُنْصِتَ؛ لِمَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الأُجُورِ العَظِيمَةِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ.

 

يَقُولُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَو يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ؛ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى"(رواه البُخَارِي).

 

وَيَقُولُ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ اغْتَسَلَ يَومَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَت الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"(رواه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

وفي عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الأذان للجمعة واحدًا، ثم أضاف عثمان بن عفان أذانًا إضافيًا بسبب كثرة الناس.

 

ويحُرم البيع بعد نداء الجمعة باعتباره ملهيًا عن ذِكْر الله. قال ابن قدامة في "المغني": "والنداء الذي كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو النداء عَقِيب جلوس الإمام على المنبر، فتعلق الحكم به دون غيره. ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده".

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي جعل الصلاة كتابًا موقوتًا؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا)[النساء: 103].

 

عباد الله: من فضل الله على عباده أن جعل نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- مبينًا وهاديًا ومبشرًا ونذيرًا؛ قال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[النحل: 44].

 

وَمِنْ أحكام وآداب الجمعة التي أقرها العلماء لامتثالها لمنهج النبوة: أَنَّ مَنْ دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَينِ تَحِيَّةً لِلْمَسْجِدِ؛ وَيُوجِزُ فِيهِمَا.

 

فَإِنْ دَخَلَ أَثْنَاءَ الأَذَانِ؛ فَيَقُولُ الشَّيْخُ ابنُ بَازٍ -رحمه الله-: "الأَفْضَلُ أَنَّهُ يُجِيبُ المُؤَذِّنَ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَينِ وَهُوَ يُؤَذِّنُ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَالحَمْدُ لِلَّهِ".

 

ولَا يَجُوزُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ؛ فَقَدْ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَومَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ"(رواه أبو داود وقال الألباني: صحيح).

 

ولَيْسَ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ رَاتِبَةٌ؛ بَلْ يَتَنَفَّلُ بِمَا شَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ الإِمَامُ، أَمَّا السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ بَعْدَهَا: فَإِنْ صَلَّاهَا فِي المَسْجِدِ صَلَاهَا أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّاهَا فِي البَيْتِ صَلَّاهَا رَكْعَتَينِ؛ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيهِ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُمَا اللهُ-، وَهُوَ مَا أَفْتَتْ بِهِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ.

 

ولَا يَجُوزُ الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ لِقَولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَومَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوتَ"(متفق عليه).

 

وَلَا يَجُوزُ التَّشَاغُلُ عَنِ الخُطْبَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا"، وَقَدْ كَانَ المَسْجِدُ يُفْرَشُ بِالحَصَى الصِّغَارِ؛ فَمَنْ تَشَاغَلَ بِهِ فَقَدْ لَغَا، يَقُولُ الشَّيْخُ ابنُ عُثَيمِينَ -رحمه الله-: "يَعْنِي يُحْرَمُ ثَوَابَ الجُمُعَةِ الَّتِي فُضِّلَتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْ غَيْرِهَا".

 وأعظم إثمًا مَنْ يَعْبَثُ بِجَوَّالِهِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ...

 

عباد الله: هذا دين الإسلام، وكما جمع بين الأمر بالعبادة والحث على العلم، أمرنا بالعمل فقال -تعالى-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[الجمعة: 10- 11].

 

قال الإمام البقاعي -رحمه الله-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ)؛ أي: "وقع الفراغ منها (فانتشروا)؛ أي فدبّوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض، لا حَجْر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم، وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش (من فضل الله)".

 

عباد الله: هذا هدى الله؛ مَن اتبعه فهو آمنٌ لا يضل ولا يشقى، قال -تعالى-: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة: 38]، وقال -تعالى-: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[طه: 123].

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

وقفات ومشاهد من سورة الجمعة.doc

وقفات ومشاهد من سورة الجمعة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات