«أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» 3/ 9/ 1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الاولى : «أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» 3/ 9/1447هـ
الحمد لله الكريم الوهاب، الغفور التواب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى في ربوبيتهِ، وألوهيته، وأسمائهِوصفاته، وأشهد أن نبينا محمداً عبدالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومن تبعهم بإحسان إلى يم الدين وسلم تسليما مزيا أما بعد
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
بلوغ شهر رمضان نعمة لمن عرف قيمته ، ومنحة ربانية لمن استغل أيامه وساعاته .. لاتحسب الايام تذهب سدى ، إنما هي مطاي وأحمال تودع بها الحسنات "وخيركم من طال عمره وحسن عمله"
فما اكرم الله وما اجزل عطائه .. «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَنَادِى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».
يَنالُ هذه الجنةِ العالية من حزم أمره ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى..
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.
يا بئس من أعد برامجه وخزيه لعرضها في رمضان، والجنان قد تفتحت وتزينت لن أعد الإحسان في رمضان.
ألا حسرة من هيئ لنهاره نوم طويل، وملائكة الرحمن تطوففي الأرض تلتمس التالين للقرآن الذاكرين بالليل بالنهار لرفعها لذي الجلال والإكرام " إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ" أخرجه البخاري.
ما أتعس من لم يذق من حلاوة رمضان إلا شبع بطنه وملأ جيبه ..
ما أخسر من لم يجد وقتاً لمشاهدة اللهو والتسلية إلا في شهر الصلاة والقرآن {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
فاغتنموا الأوقات ، وسارعوا إلى الخيرات ، تنالوا أعلى الجنات، فإنما هي أيامٌ معدودات، وعما قليل يربح من حافظ على الصلوات ، واتقى المحرمات، وعطرَ لسانه بالآيات البينات.. فاحفظوا أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم يحفظ الله لكم دينكم ويثبت قلوبكم..
جودوا بما جاد الله به عليكم .. صدقةً تطفئ غضب الرب ،وكلمة طيبة يرفع الله لك بها درجات، ونصيحة تنقذ بها غافل ،ودعوة صادقة تفرج بها امة وتصلح بها ذرية
فقد كان نبينا محمد g كَانأَجْوَدَ النَّاسِ، وكان أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».. «يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقرَ»، و«مَاسُئِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ»، «جَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ».
كَريمٌ إِذا ما جِئتَ طالِبَ فَضلِهِ ** حَباكَ بِما تَحوي عَلَيهِ أَنامِلُه
الجوادُ.. هو من كان مسرورًا ببذلِهِ، متبرعًا بعطائِهِ، لا يلتمسُ عرضَ دُنيا فيُحبطَ عملَه، ولا طلبَ مكافأةٍ فيسقُطَ شُكرُه ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾[.
الجودُ.. من جادَ من قلّةٍ، وصانَ وجهَ السائلِ عن المذلّةٍ.
إنَّ الكريمَ ليُخفي عنك عُسْرَتَه حتَّى تراه غَنِيًّا وهْوَ مَجهودُ
بُثَّ النَّوالَ ولا تمنَعْك قِلَّتُه فكُلُّ ما سَدَّ فَقْرًا فهْوَ مَحمودُ
الجودُ.. التبرّعُ بالمالِ، والعطيَّةُ قبلَ السؤالِ..
وما الجُودُ مَن يُعطي إذا ما سألتَهُ ولكنَّ مَن يُعطي بغَيرِ سُؤالِ
الجودٌ أن تبذلَ ما تجودُ نصرةً لضعيفٍ، أو كفالةً ليتيمٍ، أو سعيًا على أرملةٍ ومسكين، أو إطعامًا لجائعٍ، ورعايةً لفقيرٍ، ودعماً لجَمعيةٍ دعويةٍ أو إغاثيّةٍ، أو تعليميّةٍ أو لإقراءٍ. ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾
قال عليه الصلاة والسلام لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ».
منعُ الجودِ سوءُ ظنٍّ بالمعبودِ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾
الجودٌ أن تدفعَ الزكاةَ بطيبِ نفسٍ وبشاشةٍ وجهٍ، دون أن تكونَ من قومٍ يرونَ في الزكاةِ مغرمًا، وفي الصدقةِ نقصًا ﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ﴾[
الزكاةُ فرضٌ وركنٌ من أركانِ الإسلامِ قالَ أبوُ بكرٍ : "وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَىمَنْعِهِ" متفقٌ عليهِ.
﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾.
الزكاةُ لا تصحُ إلا بصرفِهَا في مصارفِهَا التي حددَهَا اللهُ في القرآنِ الكريمِ، وعبرَ المصارفِ الموثوقةِ، فلا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ أن تُعطى كُلُّ مُتَسَوِّلٍ أو سائِلٍ لم يُتَثَبَّتْ مِن حالِهِ..
الزكاةُ حقٌ في كل مالٍ بلغَ النصابَ وحالَ عليهِ الحولُ، ففي الأوراقِ النَّقديَّةِ التي يَتَداوَلُها الناسُ ، فمن حالَ عليه الحولُ وجبَ أن يُزكيَهُ، ولو كانَتْ مُرصودةً في البنوكِ، فتجبُ فيها رُبعُ العشرِ، تقسمٌ على أربعينَ فما خرج فهو الزكاةُ.
وفي المحلاتِ التجاريةِ وعروضِ التجارةِ تُقيمُ قيمةَ البضائعِ كلَّ حولٍ، فيُخرِجُ منها رُبعَ العشرِ.
ومن له أرضٌ أو عقارٌ يرجو ربحَهُ والتكسبَ فيه، فيُخرِجُ زكاتَهُ إذا بلغ الحولُ من قيمتِه رُبعَ العشرِ.
ومن ملك شيئًا لنفسِهِ ولخدمَتِهِ كسيارةٍ وبيتٍ يسكنُه وأثاثٍ يستعملُهُ فلا زكاةَ فيه، وَاخْتُلِفَ في زكاةِ الحلي المُعَدِّللاستعمالِ.
أما زكاةُ الديونِ ومن عليه دينٌ فقالَ الإمامُ ابنُ بازٍ : "إذا كانَتْ لكَ ديونٌ على أملياءَ، متى طلبتَها أخذتَها، فعليكَ أن تزكِّيَها كلَّ عامٍ.
أما إن كانت الديونُ عند أناسٍ معسرينَ أو مماطلينَ لا يحصلونَ المالَ إلا بتعبٍ كبيرٍ، فَإِنَّهُ لا تجبُ الزكاةُ في هذه الأموالِ؛ لأنها ليست في قبضتِكَ.
فإذا قبضتَها أديتَ عنها الزكاةَ إذا حالَ عليها الحولُ بعد قبضِك إياها.
ومن جحدَ وجوبَ الزكاةِ فقدْ كفرَ، لأنه كذبَ بالقرآنِ والسنةِ، وما هو معلومٌ من دينِ الإسلامِ بالضرورةِ.
ومن تهاونَ في إخراجِهَا بخلًا وتكاسلاً فإنه فاسقٌ تردُ شهادتُه، وله في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ، قال أبو هُرَيْرَة ، سمعتُرَسُولَ اللهِ يقول: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» ومثله قال في الإبل والبقر والغنم. أخرجَهُ مسلمٌ.
أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات فاستغفروه إن ربكم رحيم ودود
الخطبة الثانية .. الحمدلله على رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم على خير خلقه وعلى أصحابه والتابعين اما بعد .
إذا عزَّ الجودُ بالنفسِ أو بالمالِ، وقلَّتْ ذاتُ يدِكَ، فجُدْ بمواهبِكَ في خدمَةِ أمتِكَ.
إنْ كنتَ من أهلِ القرآنِ، فجدْ بمقدرتِكَ على حلقةٍ تُحييها. وإن كنتَ من أهلِ الجاهِ والمكانةِ، فجدْ بجاهِكَ في خدمةِ إخوانِكَ، و«اشفَعوا تُؤجَروا».
وإن كنتَ طالبَ علمٍ، فَجُدْ بعلمِكَ، وَابْذُلْهُ لمن يسألُه.
ومن صعُبَ عليه الجودُ بمالِه، فليجدْ بالصبرِ، والاحتمالِ، والإغضاءِ..قال: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الخَلاَئِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ».
وعزيز النفس من يكن جُودُه بِتَرْكِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، فلا يلتفت إليهاولا يسْتَشْرِف لها بقلبِه.. قالَ ابنُ المباركِ: "سَخَاءُ النَّفْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ أَفْضَلُ مِنْ سَخَاءِ النَّفْسِ بِالْبَذْلِ".
ومن أعظم الجود أن تجودَ بنفسِكَ في الطاعاتِ ولا تستثقلْ أوقاتً تنفقِهُا في الخيرِ قراءةً وصلاةً وذكراً وعبادةً.
ومن الجودِ أنْ لا تجودَ على أجهزة ورياضةٍ تسرقُ وقتك، وتنهبُ مالك، وَتُلْهِيكَ عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ.
ومن الجودِ أن تجودَ على أسرتِكَ بالنفقةِ والرعايةِ والصيانةِ وحسنِ الْقِوَامَةِ «وخَيْرُكُمْ خيركم لِأَهْلِهِ».
وليس من الجودِ في شيءٍ صُنْعُ الطعامِ فوقَ الحاجةِ، وَالإِسْرَافُ مُبَاهَاةٌ وزينةٌ، إنما الجودُ أنْ تمنحَ جِيرَانَكَ وَتُطْعِمَ من حَوْلَكَ قالَ لأَبِي ذَرٍّ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ».
وأخيرًا: كان أجودَ الناسِ في الدعاءِ للمسلمينَ ورفعَ أكفِّ الضراعةِ إلى اللهِ بأن يَهديَ هذا وينصرَ ذاكَ، وينجي هذا ويَفكَّ أسرَ ذاكَ.. فهو القائلُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ». والقائلُ: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ..» والقائل: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ».
فجودوا فربكم جوادٌ كريمٌ يستحيي مِنْ عبدِه إذا رَفعَ يَدَيهِ إليه أن يَرُدهما صِفْراَ..
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحين عبادتك، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم .. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ..
اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة امورنا .....
5
المرفقات
1771530194_«أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».docx
1771530194_«أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».pdf