أسباب تكفير الذنوب

فهد الجمعة
1447/10/14 - 2026/04/02 21:09PM

الحمدلله، الحمدلله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهد الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فأوصيكم أيها المسلمون بلزوم تقوى الله، والحذر من عقوبته، والتوبة من ذنوبكم، فإن الله غفور رحيم، شديد العقاب.

 


أيها المسلمون: إن الأصل في العبد الذنبُ والخطأ، يقول الله جل وعلا: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ فبدأ بالفجور قبل التقوى إشارةً إلى أنه الأصل فيها، ويقول النبي ﷺ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: "يا عبادي، إنكم تخطؤون بالليل والنهار"، ويقول في الحديث: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". ومن رحمة الله بعباده أنه جعل للذنوب طرقًا يغفر الله بها الذنوب، ومن هذه الطرقِ والأسباب:

أولًا: التوبة النصوح: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا). وقال سبحانه: (وتوبوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). والله جل وعلا يفرح بتوبة عبده، ففي الحديث: "للهُ أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضلَّه بأرض فلاة" متفق عليه.

والله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب على عباده كما قال تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم). ويحب الله توبة عبده، كما قال سبحانه: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين). وليس هناك ذنبٌ أعظم من الشرك، والمشرك متى أسلم وتاب؛ تاب الله عليه، وغفر له، فعليك بالتوبة مما قد علمتَ أنك فعلته، وبعد التوبة ينتهي كل شيء. كما قال جل وعلا: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)، وقال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم). وشروط التوبة النصوح يا عباد الله: الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، والندم على فعله، ورد الحقوق لأصحابها.

ثانيًا: الاستغفار، يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). وقال جل وعلا: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا).

ثالثًا: عمل الحسنات، كما قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات). وقال النبي ﷺ في الحديث الذي حسّنه الترمذي: "اتقِ الله حيثما كنتَ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِق الناس بخُلق حسن".

رابعًا: صلاة ركعتين، قال النبي ﷺ: "ما من عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له" رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

خامسًا: أداء الصلوات المكتوبة، قال ﷺ: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

سادسًا: دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال ﷺ: "ما مِن عَبدٍ مُسلِمٍ يَدعو لأخيه بظَهرِ الغَيبِ، إلَّاقال المَلَكُ: ولَكَ بمِثلٍ".

سابعًا: حضور مجالس الذكر، قال ﷺ: "ما جلَس قوم يذكرون الله عز وجل، إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفور لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات".

ثامنا: ذكر الله تعالى، قال رسول الله ﷺ: "مَن سبَّح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" متفق عليه.

عباد الله: وهناك أسباب أخرى تندفع بها العقوبة عن العبد المذنب؛ كشفاعة النبي ﷺ له يوم القيامة، وما يصيبه من ابتلاءات له في الدنيا وفي البرزخ، وما يلاقيه العبد في عرصات يوم القيامة من الأهوال والشدائد، أو ما يهديه الحي للميت من الأعمال الصالحة، وأخيرًا أن تشمله رحمة أرحم الراحمين، فمَن أخطأته هذه الأسباب فلا يلومنَّ إلا نفسه؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: "إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه" رواه مسلم.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا وتجاوز عن سيئاتنا يا أرحم الراحمين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 


الخطبة الثانية

الحمدلله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، أما بعد: فإن السلامة يا عباد الله لا يعدلها شيء، وأن العافية من الذنب خير من الوقوع فيه، وأن عدم الوقوع في الذنوب والمعاصي خير من التوبة منها، فإنه لا يوفق للتوبة كل أحد ولا يفتح باب المغفرة لكل والج. وعِلمُ العبدبقبح المعصية ودناءتها، يمنعه من الوقوع فيها، ومن الموانع من الوقوع في المعاصي أن يرى العبد نعم الله عليه، فلا يعصيه بها؛ لكيلا تُسلب منه، ومنها أن يجعل خوف الله وخشية عقابه نُصب عينيه، ولعل أقوى هذه الأسباب التي تمنع من الوقوع في الذنب هي محبة الله تعالى، وكذلك تزكية النفس وتطهيرها، فقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، ومنها قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وشؤمها في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومنها أن يقصر العبد أمله في الدنيا ويستعد للموت، وأن يقلل من فواضل الأمور في المطعم والملبس ومخالطة الناس.

اللهم وفقنا للتوبة النصوح، واجعلنا من عبادك التوابين المتطهرين.

المشاهدات 551 | التعليقات 0