استثمار التقنية 21/ 11/ 1447هـ

د عبدالعزيز التويجري
1447/11/20 - 2026/05/07 23:16PM

الحمدُ للهِ، نوَّرَ قلوبَ العارفينَ بالإيمانِ واليقينِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، المَلِكُ الحقُّ المبينُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه، وعلى آلهِ وأصحابِه وأزواجِه، ومَن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ. أمَّا بعدُ،

قال ربنا b {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } قال قَتَادَةُ: أَيْ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ، وَنِعْمَةً لابْنِ آدَمَ.

{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}

فما أكرمَ اللهُ d يومَ أنْ أحلَّ لنا الطيباتِ، وسخَّرَ لنا البهائمَ والجماداتِ، وأنزلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ..

وما أكفرَ الإنسانُ حينَ لا يقدِّرُ نعمةَ ربِّهِ، ولا يشكرُ إحسانَ مولاهُ {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}

سخَّرَ اللهُ لنا ما في الأرضِ، لنخترعَ ما ينفعُ أنفسَنا، ونخدمَ به غيرَنا، ونسعى فيه لمصالحِنا.

والعقلُ أكبرُ نعمةٍ وأعظمُ مِنَّةٍ، ولا يُكلِّفُ اللهُ إلا العاقلينَ، وبفضلِ اللهِ يهتدونَ، وبه يميِّزونَ.. فمن ميَّزَ بينَ الحقِّ والباطلِ، والخيرِ والشرِّ، والنافعِ والضارِّ، فقد هُدِيَ واهتدى، ونفعَ وانتفعَ، ونجا وأنجى ..

والأمةُ أحوجُ ما تكونُ اليومَ إلى علمٍ يهديه الإيمانُ، وتقنيةٍ تضبطُها الأخلاقُ، وعقولٍ تستضيءُ بالحقِّ، حتى تبقى هذه الوسائلُ الحديثةُ جسورًا للبناءِ والإصلاحِ، لا أبوابًا للفوضى والتزييفِ والانهيارِ.

   إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمانُ  ** ولا دُنيا لِمَنْ لا يُحيي الدِينا

الأمنُ الحقيقيُّ، والاستقرارُ النفسيُّ والاجتماعيُّ، لا يتحققانِ إلا برسوخِ الإيمانِ وبناءِ القيمِ..{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال ابنُ عباسٍ: هي السعادةُ.

إنَّ من تمامِ شكرِ النعمةِ أن تُسخَّرَ التقنيةُ فيما ينفعُ الأمةَ ويخدمُ الدينَ والمجتمعَ، وإنَّ من أنبلِ صورِ الانتفاعِ بالتقنيةِ وبالذكاءِ المُصطنَعِ: استخدامها في نشرِ الفضيلةِ، وتقويةِ روابطِ المجتمعِ، وصناعةِ المحتوى النافعِ، وإحياءِ اللغةِ العربيةِ، والمحافظةِ على الهويةِ الإسلاميةِ، كما تُستثمرُ في تعليمِ الناشئةِ، وتقويةِ الاقتصادِ، وتيسيرِ الأعمالِ وتسهيلِ الصعابِ، وتطويرِ وسائلِ الدعوةِ، حتى تبقى الأمةُ ثابتةَ الجذورِ، معاصرةَ الوسائلِ، تجمعُ بينَ أصالةِ القيمِ وحداثةِ الأدواتِ.

فالأممُ العظيمةُ لا ترضى بالتبعيةِ، ولا تكتفي بالاستهلاكِ، وإنما تُسابقُ في ميادينِ العلمِ، وتُحسنُ استثمارَ ما وهبَها اللهُ من عقولٍ وطاقاتٍ، لتكونَ التقنيةُ في أيديها وسيلةً لخيرِ الإنسانِ، منارةً لهدايةِ الخلقِ، وجِسرًا لأن يبلغَ نورُ الإسلامِ الآفاقَ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}..

وإذا تلوَّثَ العقلُ وضعُفَ الإيمانُ وقلَّتِ المروءةُ اضطربتِ الأناملُ وحادتِ الأحرفُ عن مواقعِها، فَتَحَوَّلَتِ النعمةُ من هدايةٍ للإنسانِ إلى أداةٍ تستعبدُ فكرَه، وتسرقُ وقتَه، وتُضعِفُ صلتَه بواقعهِ ودينِهِ وقيمِهِ؛ وأصبحَ أسيرَ شاشةٍ صغيرةٍ، يقضي الساعاتِ الطوالَ متنقِّلًا بينَ لهوٍ عابرٍ وصورٍ زائلةٍ، حتى ضاعتِ الأعمارُ، ووَهَنَتِ الهممُ، وخمدتْ جذوةُ الجِدِّ والعملِ.

وحينها تُغزَى العقولُ بالأفكارِ المنحرفةِ، وتُزيَّنُ الرذائلُ باسمِ الحريةِ، وتُقدَّمُ التفاهةُ في ثوبِ الحضارةِ، حتى ينشأَ جيلٌ يعرفُ أخبارَ مفاليسِ القيمِ أكثرَ ممّا يعرفُ تاريخَ أمتهِ ودينِهِ ولغتِهِ، فتُبهتُ القيمُ، وتضعفُ الغيرةُ، ويقلُّ الحياءُ، ويصبحُ التقليدُ الأعمى سمةً ظاهرةً في الأقوالِ والأفعالِ والمظاهرِ.

فالكلمةُ أمانةٌ، واللسانُ مسؤولٌ، والأناملُ مُستَنْطَقَاتٌ {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}

ومن العجائبِ والعجائبُ جَمَّةٌ  **   أنْ يَستعيرَ الكذبُ ثوبَ الصادقِ

صوتٌ يُقلِّدُ صاحبًا وملامحٌ    **   تُغري العقولَ بزورِ وجهٍ ناطقِ

هذه آفةُ الذكاءِ المُصطنَعِ: تركيبُ تقليدِ الأصواتِ، وانتحالُ الشخصياتِ، وصناعةُ المشاهدِ الزائفةِ، فكم من عالمٍ نُسِبَتْ إليه فتوى لم ينطقْ بها، وكم من داعيةٍ أُلصِقَتْ به كلماتٌ هو منها بريءٌ، وكم من إنسانٍ شُوِّهَتْ سمعتهُ بصورةٍ مُصطنعةٍ أو مقطعٍ مُزيفٍ، حتى أصبحَ الكذبُ يُصاغُ بصوتِ الحقيقةِ.. فاللهمَّ سلِّمْ سلِّمْ، فخذوا حذرَكم وتثبَّتوا من كلِّ ما يخالفُ الحقَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} وفيه منافعُ، والتوازنُ مطلوبٌ..

فلَا تَكُ فِيهَا مُفْرِطًا أَوْ مُفَرِّطًا ** كلا طرفَي قصدِ الأمورِ ذميمٌ

فإنَّ الإفراطَ في الاعتمادِ على التقنيةِ والذكاءِ المُصطنَعِ وإن كانَ نفعًا يُضعِفُ التفكيرَ والإبداعَ، ويجعلُ العقولَ خاملةً تستقبلُ ولا تُنتِجُ، وتقلِّدُ ولا تبتكرُ، ويصبحُ تابعًا للآلةِ بعدَ أن سخَّرَها اللهُ لتكونَ خادمةً لا قائدةً..

والإدمانُ بها يورثُ برودَ المشاعرِ، إذ يجتمعُ الناسُ بأجسادِهم وتهيمُ أبصارُهم وقلوبُهم خلفَ أجهزتِهم، فتضعفُ روابطُ الأسرةِ، ويقلُّ الحوارُ، ويغيبُ دفءُ المجالسِ..

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}   استغفر الله لي ولكم وللمسلمين ..

الخطبة الثانية: الحمد لله عَلَى إحسانِه، والشّكرُ لَه على توفِيقِه وامتنانِه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان وسلم تسليما.أما بعد:

{ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أَوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ}

في صحيح البخاري قال m :«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»

وما الفراغُ اليومَ إلا هذا الوقتُ الذي تأكلُه الشاشاتُ بصمت.

فاجعلْ لك ساعاتٍ تُغلِقُ فيها العالمَ لتفتحَ قلبَك.. اقرأْ قرآنَك بهدوء، واذكرِ اللهَ دون استعجال، واجلسْ مع أهلِك بعينٍ حاضرة، لا بقلبٍ معلَّقٍ بالإشعارات.

وإنَّ من الخسارةِ أن يقفَ العبدُ يومَ القيامةِ، فيرى ساعاتٍ طويلةً ذهبتْ في تتبُّعِ ما لا ينفع،

وأعمارًا مديدةً تسرَّبتْ بينَ لهوٍ وغفلة، فلا علمًا أورثتْ، ولا قلبًا أصلحتْ، ولا درجةً رفعتْ.

يرى صحائفَ امتلأتْ بصورٍ وكلمات، وخَلَت من ذكرٍ وطاعات،فيتحسَّرُ على ليلةٍ ضاعت بلا ركعة، وساعةٍ مرَّت بلا عبرة، وقلبٍ اشتغلَ بالخلقِ عن الخالق.

هناكَ يعلمُ أنَّ كلَّ نظرةٍ كانت تُكتَب، وكلَّ كلمةٍ كانت تُحصى، وكلَّ دقيقةٍ كانت رأسَ مالٍ من العمرِ لا يعود. ﴿ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد﴾

و«لَنْ تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أُنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ».

فخفِّفْ من صخبِ الدنيا على روحِك، فإنَّ السكينةَ لا تُشترى، والجنةُ حفت بالمكاره..

اللهم احفظ انفسنا و شبابنا وابنائنا وازواجنا  من كل سوء وفنتةمكروه.

اللهم آمنا في دورنا واصلح ولاة امورنا ..

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد

6

 

المرفقات

1778185009_‎⁨استثمار التقنية⁩.docx

1778185010_‎⁨استثمار التقنية⁩.pdf

المشاهدات 396 | التعليقات 0