أعظم الذكر
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله المذكور بكل لسان، المشكور على كل إحسان، خلق الخلق ليعبدوه، وأظهر لهم آياته ليعرفوه، ويسَّر لهم طرق الوصول إليه ليصلوه، فهو ذو الفضل العظيم، والخير الواسع العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان وسلم تسليما مزيداً... ثم أما بعد:
عباد الله:
روى مسلم في صحيحه عن جُوَيرية رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا [أي موضع صلاتها] ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: (مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا) قَالَتْ: نَعَمْ، فقَالَ : ( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ).
أيها المسلمون:
هذا ذِكرٌ عظيمٌ مبارَك أرشد إليه حبيبنا وبيَّن أنَّه ذِكرٌ مُضاعَفٌ أضعافاً كثيرة، بل قال أهل العلم أن هذا الذكر أعظم الأذكار مضاعفة في الأجور لما يحويه من كثرة المعدودات والموزونات التي سنَتَبينها بعد قليل..
صلّت أمُّنا أمّ المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها صلاة الفجر ثم جلست بعدها تذكر الله تعالى حتى عاد إليها رسول الله وقت الضحى فوجدها تذكر الله على الحال التي تركها عليها، فقال مسروراً بعبادتها وحرصها: مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ..
فقال حاثاً ودالاً على كل خير: ( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ )
يقول ابن عثيمين رحمه الله: ( هذه الكلمات العظيمات التي يذكرها المؤمن في دقيقة واحدة لَوْ وُزنت بذكر خمس ساعات لكانت خيراً وأكثر وأعظمَ في ميزان العبدِ يوم القيامة ...)
سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ: تُنَزِّهُ الله تعالى وتَرْفَعُه عن كل نقص وعن كل عيب، تَذْكره وتنزهه عن الصاحة والولد، وعن الشبيه والمثيل وعن كل ما لا يليق، تنزهه وتحمده بعدد ما خلق، أي: بقدر عددِ خلقِه، ومن يحصي خلق الله إلا الله، ملائكة قال فيهم خالقهم سبحانه:( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) ، وإنس وجنّ، ودوابّ وطيور صغيرها وكبيرها، بَرّيها وبحريّها، الطّائرِ والزاحف والماشي منها، والنّبات والجبال والنجوم والأفلاك وكلّ ما خلق الله تعالى ! فتسبحه سبحانه بعدد كل هذه المخلوقات...
( سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ): أي تسبّحه تسبيحًا تبلغ به رضا الله، وإن رضي الله تعالى عنك فيا لَسَعدك عينك وطيب حياتك...
وقوله: ( سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ) أي أسبّحه بمقدار وزن عرشه سبحانه، وأكبر وأثقل ما خلق الله تعالى على الإطلاق هو العرش، ولا يعلم وزنه إلاّ الله، فهو أكبر مخلوقاته سبحانه، وحتى تعرف قدر ثقل العرش تأمل في قوله :( ما السَّموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة )
فالسماوات السبع بطولها وعرضها وسمكها لا تساوي شيئاً عند الكرسي الذي هو موضع قدمي الرب سبحانه، والكرسي بعظمة وزنه لا يساوي عند العرش شيئاً، فكم يكون وزن العرش؟! وكم يبلغ وزن (سبحان الله وبحمده زنة عرشه).
ثم قال: ( ومداد كلماته ) والمداد هو الحبرُ الذي يَكتب كلمات الله وأنت تسبّحه سبحانه بمقدار تلك الأحبار والبحار، والله جل جلاله يقول: ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا )
والمعنى: قل يا محمد : لو كانت مياه البحار كلُّها حبراً للأقلام التي تكتب كلمات الله وحِكَمه وآياته الدالة عليه (لَنَفِدَ الْبَحْرُ) أي : لانْتهى البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) أي : لو جئنا بمثل البحر آخر ، ثم آخر ، وهلم جرا ، بُحور تمده ويكتب بها، لماَ نفدت كلمات الله، كما قال تعالى( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
هذا هو الذكر العظيم المبارك، فكم هو فضل الله تعالى علينا، نذكره قليلاً فيجزي الجزاء الأوفى، فما أحسن الاتباع بعد الاستماع، والمحروم من حُرم هذا الفضل العظيم، فاجعلوه عباد الله زاداً لكم كل صباح ومساء وعند منامكم وفي كل حينٍ، عسى الله أن يتقبل وأن يرفع به المنازل عنده والدرجات وأن يعيين على ذكره وشكره وحسن عباده..
أستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي زيّن بذكره ألسن الذاكرين، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ... وبعد:
عباد الله:
جاء في روايات أخرى لهذا الحديث عند النّسائي قوله :
(( وَالحَمْدُ للهِ كَذَلِكَ )). يعني بعد قولك: (سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ) تقول: ( الحمد لله عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ)
وفي رواية له تقول:
(( سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ )).
ألا فطَيِّبوا ألسنتكم بذكر الله فما تزال الألسن رطبة من ذكره سبحانه، ولا يزال على القلوب غشاوتها ورانها حتى يُكْثر المؤمنُ من ذكره سبحانه، فما عَمِل ابن آدم من عمل أنْجى له من عذاب الله من ذكر الله ... كما صح الخبرُ عن المصطفى :
الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
اللهم زينا بزينة الإيمان ... واجعلنا هداة مهتدين
المرفقات
1767373811_أعظم الذكر.docx