الإسراء والمعراج

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، صلى الله وسلم وبارك على من جاء بالصدق ورضي الله عمّن صدّق به، ورزقا وإياكم صحبتهم واقتفاء هديهم وسنتهم وبعد:

أيها الجَمْعُ المبارك: في هذه الجُمُعة سنحلِّق بالأسماع ونتعرّف على أطول رحلة عرفتها البشرية كلها، أطولها مسافة وأقصرها وقتاً وأصدقها حديثا، وهي الرحلة الأشرف والأعلى والأرفع.

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

رحلة الإسراء والمعراج الرحلة التي أسري فيها بالحبيب  r  بجسده وروحه من مكة إلى بيت المقدس إلى سدرة المنتهى فوق السماوات العُلا...

جاءت هذه الرحلة بعد موت أبي طالب الذي كان دِرعاً خارجياً حامياً لرسول الله من أذى قريش، ثم بعده بأقل من شهرين مات درعه الداخلي وزوجته الوفيّة خديجة t  ، حينها بدأت قريش بالنكاية برسول الله فعُذب وأوذي وخنق وشُتم وطرد وهو صابر محتسبٌ بأبي هو وأمي r  ثم ذهب إلى الطائف يدعو إلى الله فكذبوه وآذوه وأغروا به السفهاء حتى أدموا ظهره ورجله r وهامَ على وجهه حتى بلغ قرن المنازل ..

فكانت هذه الرحلة العظيمة تثبيتاً من الله لنبيه وتكريماً، كانت هذه الرحلة قبل الهجرة بثلاث سنين في مثل شهرنا هذا في رجب وقيل في غيره، سأذكر لكم هذه القصة شارحا غريب الحديث مباشرة ولن أذكر إلا ما صح به الخبر عن رسول الله  r، وستسمعون مشاهد خارقة للعادة ولكنها كرامة الله تعالى لصفيه ونجيّه r وقد قال الله عمّن صدق بهذا الحديث العظيم:

 ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

صحّ عند البخاري ومسلم أن جبريل u  أتى رسول الله وكان مضطجعاً عند الحرم فشق صدره ثم أتى بطست مملوء إيمانا فغسل قلب الحبيب  r ثم أعاده، ثم ركبا البُراق والبراق دابة أصغر من البغل وأكبر من الحمار أبيض خطوته عند منتهى البصر، ثم أسري به إلى بيت المقدس وفي رحلته من مكة إلى فلسطين رأى ثلاث عشرة مشهداً أذكر بعضها باختصار.

أول المشاهد رؤيته لعفريت من الجن كان يلاحق رسول الله بشعلة من نار كلما التفت رسول الله رآه، فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلمات إذا قلتهن طُفِئت شعلته وخرّ لِفيِه؟ فقال رسول الله ( بلى ) قال قل:

( أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات الاتي لا يجاوزهنّ بر ولا فاجر من شرّ ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج فيها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ). فقالها فصرفه الله.

ورأى رسول الله في طريقه إلى بيت المقدس المسيحَ الدجال رآه رؤيا عين قال  r ( رأيتُه فَيْلَمَانِيّاً أقمرَ هِجاناً إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة ) يعني رأيته عظيم الجثّة شديد البياض أعور العين.

ووجد r في طريقه إلى بيت المقدس ريحاً طيبة فسأل جبريل فقال: هذه رائحة ماشطةِ بنتِ فرعون وأولادِها، ثم حدَّثه جبريلُ بقصة ثباتها على الدين حتى قتلها فرعون وقتل أولادها في القصة التي تعرفون.

ورأى في طريقه قوماً تُرْضَخ رؤوسهم بالصخر كلما رُضِخت عادت كما كانت فقال  :r (من هؤلاء يا جبريل) فقال هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عند الصلاة.

ورأى قوما يسرحون ليس على عوراتهم إلا رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم فقال: (من هؤلاء يا جبريل) فقال: هؤلاء الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.

ورأى أقواما تُقرَّض ألسنتهم بمقاريض من نار كلما قُرِّضت عادت كما كانت فقال r: (من هؤلاء يا جبريل) فقال: هؤلاء خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، نسأل الله تعالى العافية.

ثم بلغ المصطفى r  وصاحبُه إلى بيت المقدس فربط البراق في الحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخل المسجد الأقصى فصلى فيه ركعتين فجاءه جبريل بآنية من خمر وآنية من لبن فاختار اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم أخذ بيد الحبيب  r فعَرَج به إلى السماء الدنيا فقال جبريل لخازن السماء وحارسها: افتح ففتح الباب فلما علا رسول الله رأى رجلاً قاعداً، عن يمينه أسْودة يعني ناس كثيرون لا عدّ لهم وعن يساره أسودة فإذا نظر يمينه ضحك وإذا نظر قِبل شماله بكى فقالr ( من هذا يا جبريل؟ ) فقال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه فسلَّم رسول الله عليه فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، فقال جبريل وهذه الأسودة بنيه فأهل اليمين أهل الجنة وعن شماله أهل النار.

ورأى في هذه السماء عذاب من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، رأى شفاههم كشفاه الإبل وفي أيديهم قطع من نار كالأحجار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم.

ورأى الزانيات معلقات بِثِديهنّ، ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غثٌ منتن فيأكلون من المنتن ويتركون السمين.

ورأى كذلك حال الذين يغتابون الناس لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم

ورأى حال أكلة الربا بطونهم أمثال البيوت يَطَؤُهم الناس يُعرضون على النار غُدوًا وعشيا، لا يستطيعون أن يتحولوا عن أماكنهم، ثم صعد إلى السماء الثانية r فرأى فيها أبناء الخالة عيسى وزكريا عليهما السلام، فحياهم وحيّوه ودعوا له بخير، ثم صعد إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف  uقد أعطاه الله نص جمال البشر فسلم عليه ورد السلام ورحب به ودعا له بخير.

ثم عُرج به إلى السماء الرابعة فإذا هو بإدريس u قد رفعه الله مكانا عليّا.

وفي السماء الخامسة لقي هارون  u ، وفي السماء السادسة لقي موسى u، وصفه رسول الله فقال:

 ( رجلٌ آدمُ طِوال جَعْد كأنَّه من رجال شنوءة ) يعني فيه سمرة شديدة مكتنز الجسم طويل جدا.

فلما تجازوه بكى موسى فقيل ما يبكيك؟ فقال: ( أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي )

ثم عُرج برسول الله إلى السماء السابعة فرأى فيها إبراهيم الخليل مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا .

فسلم رسول الله على أبيه إبراهيم فرحب به وقال مقالاً عظيمًا ( يا محمد أقرئ أمتك مني السلام – عليه وعلى نبينا أزكى الصلوات والتسليمات - أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان يعني صالحة جدًا للزراعة، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)

ثم أُدخل الحبيب  r الجنة ورأى خيامَ وقِباب اللُّؤلؤ، ورأى ترابها المسك وأنهارها ماء صافٍ غير آسن، ولبن لم يتغير طعمه، وخمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفَّى، ورأى رُمّانَها كأنه الدّلاء فقال عند ذلك رسول الله لأصحابه وهو يقصّ عليهم خبر رحلته ( إن الله أعدّ لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )

 

الله إنا نسألك الجنة ونعيمها ونعوذ بك من النار وجحيمها أستغفر الله لي ولكم ..

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله القائل: ( وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ * عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ * إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ *  لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ  ) وصلى الله وسلم وبارك على من بلَغَ أعلى المقامات عند مليك الأرض والسماوات، وقد قال عنه ربه في إسرائه ومعراجه: ( ما كذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى ) عليه الصلاة والسلام وبعد:

ثم انطلق جبريل  u بالرسول  r فوق السماوات السبع حتى انتهى به إلى سدرة المنتهى، وما أدراكم ما سدرةُ المنتهى قال عنها المصطفى: ( ثمّ ذُهبَ بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقِلال ، فلمّا غشِيها من أمر الله ما غشي تغيّرت ، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، فما أحدٌ من خلق الله يستطيعُ أن يصفها من حُسنها )

وإذا حولها أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقال r ( ما هذا يا جبريل ) فقال:

 ( أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، أما الظاهران فالنيل والفرات )

وهناك عند سدرة المنتهى رأى رسولُ الله r  جبريلَ على الصورة التي خلقه الله في حلّة خضراء غاية في الجمال، له ستمائة جناح يتناثر من أجنحته التهاويلُ والدرّ والياقوت، ريشُه فيه الصُّفرة والحمرة والبياض والخضرة.

وبعد أن وصلا إلى هذا المكان العظيم في انتظار الملك الكريم، نظر رسول الله إلى جبريل فوجده كالحلس البالي تغير حاله الجميل فكأنه حصير بالي من خشية الله جل في علاه، ثم غشيت تلك السدرةَ سحابةٌ فتأخر جبريل وعُرج برسول الله إلى مكان لم يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل أبدا، حتى وصل إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فأوحى له الله الجليل ما أوحى وكلّمه الله جل في علاه تكليما، وفرض عليه الصلاة تلك الفريضة العظيمة فرضها في أشرف مكان وأشرف ليلة وبدون واسطة يوحى إلى رسول الله من ربه مباشرة بهذه الفريضة، وما ذاك إلا لمحبة الله تعالى لها ومحبته لأهلها جعلنا الله وإياكم من أهلها.

قال r  : ( فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة ) فلما مرّ على موسى قال بم أُمرت؟ قال: ( بخمسين صلاة ) قال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجع رسول الله إلى الله فسأله التخفيف فحطّ عنه خمساً، فلم يزل رسول الله يراجع ربه تبارك وتعالى بأمر من موسى يسأله التخفيف حتى قال الله: ( يا محمد إنهنّ خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة )

ثم هبط جبريل بالرسول من السماوات إلى المسجد الأقصى، قال ابن كثير: ( ثم هبط رسول الله إلى بيت المقدس، والراجح أن الأنبياء هبطوا معه تكريماً له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة، فصلَّى رسول الله بالأنبياء إماماً قال  r ( فحانت الصلاة فأمَمْتهم ) ثم كرَّ راجعا به جبريلُ إلى مكة...

عباد الله:

هذه الرحلة المباركة رحلة الإسراء والمعراج رحلة عظيمة الآيات والعبر والعظات، مكرمة من الله لنبيه r    وتثبيتا، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، رسول الله وسيد ولد آدم بل سيد الثقلين، أحبّ الخلق إلى الله، السراج المنير، والهادي البشير، من اصطفاه ربّه واجتباه، وحباه من الفضل ما حباه، فكان الصبور التقي الذاكر الشكور، لم تزده هذه الرحلة لله وبين خلقه إلا تواضعاً وخضوعا وبذلاً في سبيل الدعوة إلى الله، وتضحية بالغالي والنفيس ابتغاء مرضاة الله، رحلة مباركة ذكرها الله في كتابه وذكرها الصحابة بطرقٍ متواترة ليس فيها أدنى شك ولا ريب حتى يعلم العالم كله وتعلم الدنيا بأسرها محبة الله تعالى لعبده وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

 

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً اِذ مَلائِكُهُ * وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَرٍ * وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ

جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِم * عَلى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُجُمِ

مَشيئَةُ الخالِقِ الباري وَصَنعَتُهُ * وَقُدرَةُ اللَهِ فَوقَ الشَكِّ وَالتُهَمِ

حَتّى بَلَغتَ سَماءً لا يُطارُ لَها * عَلى جَناحٍ وَلا يُسعى عَلى قَدَمِ

وَقيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتبَتِهِ * وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ

 

اللهم صل وسلم على نبينا محمد اللهم صل وسلم على نبينا محمد اللهم صل وسلم على نبينا محمد

اللهم بفضلك وجودك أتبعنا سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته وأكرمنا برؤيته واسقنا من حوضه شربة لا نضمأ بعدها أبدا....

 

المرفقات

1767540861_الإسراء والمعراج.docx

المشاهدات 126 | التعليقات 0