البرْد اعتبار وأخطار

راشد بن عبد الرحمن البداح
1447/07/12 - 2026/01/01 06:19AM

1
البرْدُ اعتبارٌ وأخطارٌ ( راشد البداح – الزلفي) 13 رجب 1447هـ
الحمدُ للهِ الذي افتَتَحَ خَلْقَهُ بالحمدِ، فقالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ} واختَتَمَهُ بالحمدِ، فقالَ بعدَ دخولِ أهلِالجنةِ وأهلِ النارِ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فلهُ الحمدُ في الأُولَى والآخِرةِ. وصلَّى اللهُ وسلمَ على مَنْجعلَهُ اللهُ خيرَ نبيِّ وآخرَهُ، أما بعدُ:

فاتقُوا اللهَ، وتفكَّرُوا في تقلُّبِ الأجواءِ والأرجاءِ، فمِنْ حَرٍّ إلى قَرٍّ،ومِن صيفٍ إلى شتاءٍ، ولو كانَ الزمانُ كلُّهُ فَصلاً واحدًا لفاتَتْمصالحُ كثيرةٌ، ولذا جعلَ اللهُ لكلِّ فصلٍ رُوحاً نعيشُهُ، وثوباً مختلفاًترتديهِ الأرضُ والنباتُ والحيوانُ.

ولما كانتِ المَوجاتُ الباردةُ من أمرِ اللِه، وقد يتضررُ بها بعضُالناسِ، فإنه لا يحِلُّ لأحدٍ سَبُّها؛ فمَسَبَّتُها مَسَبَّةٌ للهِ -تعالَى-.وقد أصبحَ من المعتادِ لدَى بعضِنا التأففَ والتألمَ من البردِ والصقيعِ، وذلك لا يُجدِي شيئاً، ولا يجلِبُ لقائلِهِ دفئاً! فلا تتضجرُوا كلما جاءتْ موجةُ بردٍ، وتفكرُوا أن ذلكَ من دلائلِ قدرةِ اللهِ -تعالَى- وضعفِالبشرِ، وضرورةِ افتقارِهم لربِّهم، وأنهُ لو شاءَ -سبحانَهُ- لجمَّدَالأرضَ ومَنْ عليها، فلا يَملِكونَ لذلكَ دفعًا ولا تخفيفًا، وتذكرُوا أن الشتاءَ يُذكِّرُ بزمهريرِ جهنمَ، ويوجِبُ الاستعاذةَ باللِه منها. قالَ ربُّناعن أهلِ النارِ: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} قالَ ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ الزمهريرُ الباردُ الذي يُحرِقُ مِن بَرْدِهِ().

وما أعظمَ المؤمنَ وهو يستعذِبُ الألمَ في سبيلِ اللهِ يومَ يَسمعُ النداءَلصلاةِ الفجرِ، فيَنتفِضُ من فراشِهِ الدافئِ، ويَخرُجُ من بيتهِ في شدةِ البردِ مستحضِراً قولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَشِّرِ ‌الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ().

أيُّها المؤمنونَ: نحنُ -بحمدِ اللهِ- نَنْعَمُ برغدِ العيشِ، وقد توفَّرَلدَينا وسائلُ متنوعةٌ للتدفئةِ، من الأجهزةِ والمساكنِ، والملابسِ،والمفارشِ، بالمساجدِ، والمدارسِ، والمكاتبِ والمراكبِ، والمتاجرِ، فهل شَكَرْنا واهِبَ هذهِ النعمِ وأسلَمْنا؟! (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).

وتذكرُوا في هذا البردِ القارسِ أحوالَ الفقراءِ من العمالِ والرعاةِ، أو مَن يَسكُنُ بيوتًا سُقُفُها صفائحُ من حديدٍ، وتلمَّسُوا المتعفِّفينَ،لاسيَّما الأقربينَ، ومَن لا يَستطيعُ شراءَ ما يُدْفِؤُهُ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله}. وتذكرُوا إخوانًا لكمْ شرَّدَتْهُمْالقُوَى الغاشمةُ في ملاجئَ ومخيماتٍ، فاللهم فرِّجْ كُربتَهُمْ، وعجِّلْبقُدرَتِكَ نُصْرَتَهُمْ.

أيُّها الراحمونَ: لَدَينا -بحمدِ اللهِ- في بيوتِنا من اللوازمِ الشتويةِما لا نحتاجُهُ، فافرِزُوا خزائِنَكُم، وأخرِجُوها بنيةِ التصدُّقِ لا التخلُّصِ.

وخذُوا هذا الموقفَ: سَأَلَ سَائِلٌ وابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ، فَلمَّا سلَّمَ تحققَّ مِنْ إسْلامِهِ ومِنْ حَاجَتِهِ ثمَّ قَالَ: حَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَكَ. فَنَزَعَ ثَوْبًا عَلَيْهِ فَكَسَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَقُولُ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ ‌كَسَا ‌مُسْلِمًا ثَوْبًا كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ مَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رُقْعَةٌ. رواهُ الطبرانيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ وأبُو حاتِمٍالرازِيِّ(). وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ().

فاللهم في هذا البردِ أنزِلْ دِفئَكَ ورحمتَكَ على المستضعَفِينَالذينَ لا يَسْمَعُ أنِينَهُم الا أنتَ.

الحمدُ للهِ على الدفءِ والتدفئةِ، و‏الحمدُ للهِ على نعمةِ السكنِ والأمنِ، وصلَّى اللهُ وسلمَ على الرحمةِ المُهداةِ، أما بعدُ:

فيا أيُّها المسلمونَ: لا تتهاوَنُوا بالبردِ، فأجسادُكُم أمانةٌستُسألُونَ عنها، ولتتعاهدُوا أطفالَكُم، ومَنْ في ذِمَّتِكُم حتى الحيواناتِ، فالبردُ يُنهِكُ الجسدَ، ويُضعِفُ المناعةَ، ويوقِظُ أمراضاً ساكنةً، وخذُوا بوصيةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ الذي كانَ مِن تمامِ نصيحتِهِ وشفقتِهِ لرعيَّتِهِ، أنهُ إذا حَضَرَ الشِّتاءُ يكتُبُ إلى الناسِ قائلاً: إنَّ الشِّتاءَ قد حَضَرَ، وهوَ عدوٌّ، فتَأَهَّبُوا لهُ أُهْبَتَهُ مِن الصُّوفِ والخفافِ والجواربِ، فإنَّ البرْدَ عدوٌّ سريعٌ دخولُهُ، بعيدٌ خروجُهُ().

أيُّها الشبابُ والطلابُ: بُرُّوا والدَيكُم، بأنْ تُدَفِّئُوا أنفسَكُم عندَتنزُّهِكُم، ودراستِكُم، ولا يَلْقَوا منكُمْ عَنَتَاً عندَ مَرَضِكُم؛ بسببِتَهاوُنِكُم، وليُبادرِ الجميعُ بأخذِ لِقاحِ الإنفلونزا الموسميةِ، فالدولةُ-وفَّقها اللهُ- وفَّرَتْها مجاناً، وتَكلِفَتُها في دولٍ كثيرةٍ تبلغُ مئاتِالريالاتِ.

ومِنَ الوصايا الوقائيةِ أنْ تتفقَّدُوا أسلاكَ الدفاياتِ، ولْتَحْذَرُوا التوصيلاتِ، واحرِصُوا على الصيانةِ الدوريةِ للسخَّاناتِ، وأبعِدُوا الأخطارَ عن الصغارِ، وإياكُم و"المواقدَ المرهمةَ" فكمْ فَجَعَتْوأوجَعَتْ.

وأما جمرُ الفحمِ فهوَ القاتلُ الخفيُّ، حتى وإنْ كانتِ التهويةُ بظنِّكَتكفِي، فحذِّرُوا شبابَكُمْ وعمالَكُمْ، فهؤلاءِ المساكينُ يَتهاوَنُونَبخطورةِ جمرِ الفحمِ. وكمْ مِنْ تفريطٍ هَلَكَ بسببهِ أُسَرٌ. وقدِ احْتَرَقَ بَيْتٌ على أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ من اللَّيْلِ، فلمَّا حُدِّثَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَأْنِهِمْ قالَ: إِنَّ هذه النَّارَ إنما هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فإذا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ. متفقٌ عليهِ().

فاللهم احفظنا بحفظِكَ، وأوزِعنا شُكرَ نعمِكَ الظاهرةِ والباطنةِ.

اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَمَلٍ يُخْزِينَا، ومِنْ أَمَلٍ يُلْهِينَا، ومِنْ غِنًى يُطْغِينَا، ومِنْ فَقْرٍ يُنْسِينَا، ومِنْ صَاحِبٍ ‌يُرْدِينَا.

اللهم بارِكْ في عُمُرِ وعمَلِ وليِّ أمرِنا ووليِ عهدِهِ، وزِدْهُم عِزًا لنُصرةِ الإسلامِ، ونَجدةِ المسلمينَ، وراحةِ رعيتِهم.

اللهم احمِ حِمانا، واخذُلْ عِدانا.

اللَّهُمَّ اسْقِنَا سُقْيَا ‌نَافِعَةً ‌وَادِعَةً تَزِيدُ بِهَا فِي شُكْرِنَا، إِنَّ عَطَاءَكَ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا. اللهم أَنْزِلْ فِي أَرضِنَا رَبِيْعَهَا وَسَكَنَهَا وَبَرَكَتَهَا،وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

اللهم صَلِّ وسلِّمْ على عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ محمَّدٍ.

المرفقات

1767237589_‎⁨البرد اعتبار وأخطار⁩.docx

1767237589_‎⁨البرد اعتبار وأخطار⁩.pdf

المشاهدات 231 | التعليقات 0