التعامل مع أهل الكتاب
الشيخ د عصام بن عبدالمحسن الحميدان
التعامل مع أهل الكتاب
الحمد لله...
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله.... )
طبيعة المسلم أنه يحب الخير للناس جميعاً، وهذا ما أمره به الإسلام، ففي كل كبد رطبة أجر، ولذلك فإن المسلم يتمنى أن يدخل الناس جميعاً في الإسلام لينالوا الخير والثواب والجنة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى ذلك ويجتهد في إدخال كل الناس في الإسلام بدءاً بأقربائه وأهل مكة، ويتفطر قلبه عندما لا يجد الاستجابة، (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) فعلمه الله سبحانه وعلم المسلمين قاعدة عظيمة، وهي أن مشيئة الله سبحانه أن لا يكون كل الناس مسلمين، وأن القلوب بيد الله سبحانه لا بيد البشر، وأن الهداية من شأن الله سبحانه (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وأن المسلم لا يجوز أن ينزعج أو يغضب إذا رأى من هو على ديانة أخرى لقول الله سبحانه(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) وقال عزوجل(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وقال سبحانه(ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) وقال صلى الله عليه وسلم( قال اللهُ للجنَّةِ : أنتِ رحمتي أرحَمُ بكِ مَن أشاءُ مِن عبادي وقال للنَّارِ : أنتِ عذابي أُعذِّبُ بكِ مَن أشاءُ مِن عبادي، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها ) متفق عليه.
فالناس قسمان: مؤمن تقي، وكافر شقي، لا يتبع هذا هذا، ولا هذا هذا. وسيكون لكل قسم يوم القيامة مكانه الذي هيأه الله سبحانه له، لا يدخل المتقون النار، ولا يدخل الكفار الجنة. جزاءً وفاقاً.
أما في الدنيا فإنهما يتعايشان، ويتعاملان، ويتواصلان، ويتزاوران، وقد يتحابان الحب الفطري، فقد تكون زوجة المؤمن غير مؤمنة، وقد يكون والد المسلم أو والدته غير مسلم، والعكس ، وقد يكون رب العمل غير مسلم والعامل مسلم، والعكس، وقد يكون الحاكم غير مسلم والمحكوم مسلم، والعكس، وقد يكون الأخوان والأختان أحدهما مسلم والآخر لا.
وهنا تظهر سماحة الإسلام، ورقي الإسلام، وبعد النظر في الإسلام، فإبراهيم عليه السلام خليل الله وخيرة خلق الله سبحانه ومصطفاه لم يكن أبوه مؤمناً، بل كان معادياً لدين إبراهيم، وكان إبراهيم يتواصل معه، ويصله، ويدعو له، وكان سعد بن مالك أبي وقاص رضي الله عنه له أم كافرة شديدة في دينها معارضة لدين سعد، وكان يصلها ويبرها، لكن لما دخلت الدائرة المحظورة وأمرت ولدها أن يكفر ، هنا تعدّت على اختيار القلب الذي هو بيد الله سبحانه، وانتقلت من التعايش إلى الاعتقاد، فقال لها سعد: يا أمة، لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً على أن أترك هذا الدين ما تركته. فأنزل الله سبحانه فيه (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً)
وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما لها أم مشركة وكانتا متصافيتين وبينهما ودّ، وكانت تصلها وتبرها، فتحرجت أن تصلها وهي مشركة وتقبل هديتها، فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصلها، وأذن لها أن تقبل هديتها. وهذا نص القرآن الكريم ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾
هذا هو الإسلام دين "الواقعية الأخلاقية"؛ الذي يضع دستوراً دقيقاً للتعامل مع غير المسلمين، يجمع بين الحفاظ على ثوابت العقيدة وإقامة العدل والبر الإنساني.
فثوابت العقيدة تقتضي أن لا يتنازل المسلم لغير المسلم عن مبادئه لمصلحة شخصية أو دنيوية، فأجمع العلماء على منع المشاركة في الشعائر الدينية لأهل الكتاب، أو رفع صليبهم على البيوت ووضعها على الجسد والملابس ، أو مدح دينهم وصلواتهم.
وإقامة البر الإنساني تتجلى في عدم ظلم غير المسلم في ماله أو دمه أو عرضه ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
وشرع نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم التعايش مع أهل الكتاب وإعطائهم المواطنة بوضعه وثيقة المدينة وهي أول دستور في الإسلام، اعترف باليهود كأمة مع المؤمنين، لهم ما للمسلمين من الحقوق المدنية وعليهم ما عليهم.
وعندما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس فاتحاً، رفض أن يصلي في كنيسة القيامة لئلا يتخذها المسلمون مسجداً من بعده، وكتب لأهلها "العهدة العمرية" التي أمنتهم على كنائسهم وعباداتهم وصليبهم.
وعن مجاهد، أن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ذُبِحت له شاةٌ في أهله، فلما جاء قال: أهديتُم لجارنا اليهودي؟ أهديتُم لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))؛ أخرجه أبو داود، والترمذي.
وعن أبي حُميد السَّاعدي، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك...، ثم جاء رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ملكُ أَيْلَة، فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلةً بيضاء، فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بُردًا"
ولا حرج في تهنئتهم بالكلمات الطيبة التي لا تمس العقيدة بالمنزل الجديد أو المولود أو عيادة مريضهم وحضور جنازتهم وأكل طعامهم ونكاح نسائهم، ومشاركتهم في التجارة، والتعاون معهم في إقرار الحق والتعاون على الخير.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، واختارنا من بين الأمم للشهادة على دينه وعباده، قال الله سبحانه(وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) وقال عزوجل(هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا لتكونوا شهداء على الناس) وقال صلى الله عليه وسلم(إِنَّما مثَلُكم ومثلُ اليهودِ والنصارَى ، كمَثَلِ رجلٍ استأجرَ أُجَرَاءَ فقالَ : مَنْ يعملُ مِنْ غَدْوَةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ قيراطٍ ؟ فعمِلَتِ اليهودُ ، ثُمَّ قال : مَنْ يَعْمَلُ مِنْ نصفِ النهارِ إلى صَلَاةِ العصْرِ عَلَى قيراطٍ قيراطٍ ؟ فعمِلَتِ النصارى ، ثُمَّ قال : مَنْ يعمَلُ مِنْ العصرِ إلى أنْ تغيبَ الشمسُ علَى قيراطَينِ قيراطينِ ؟ فأنتم هُمْ ، فغضِبَ اليهودُ والنصارى ، وقالوا : ما لنا أكثرُ عملًا وأقلُّ عطاءً ؟ قال : هلْ ظلَمْتُكم مِنْ حقِّكُم شيئًا ؟ قالوا : لَا ، قال : فذلِكَ فضْلِي أوتِيهِ مَنْ أشاءُ) رواه الترمذي.
المرفقات
1767340714_التعامل مع أهل الكتاب.docx
1767340715_التعامل مع أهل الكتاب.pdf