* التقنية ومنهج ذي القرنين *
سامي بن محمد العمر
التقنية ومنهج ذي القرنين
21/11/1447
أما بعد:
لن ينتصر على أخلاقنا العالية المرعية
ولن يتفوق على آدابنا الإسلامية الشرعية
فنحن أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم التي شعارها:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77]
فإنه مع تجدد نعم الله علينا في هذه التقنياتِ، وتسارعِ الاختراعات، وتعاقبِ الاكتشافات، وظهورِ أمورٍ لم تكن تخطرُ على البال، ولم يكن يسرحُ بها الخيال؛ فقد وصلنا لزمن الذكاء الاصطناعي: الذي تسهلت به شؤون كثيرات، وأحوال عسيرات، وتيسرت به المعلومات، وتطورت به المهارات، وتسارعت به المنجزات، وتهيأت به الكثير من الأمور النافعات، وصار وسيلةً من أعظمِ نعمِ الله أثراً في هذه الحياة.
لكن أناسًا لا يفقهون شكر النعم بدأوا باستخدامه فيما حرمته الشريعة ونهت عنه من الكذب والبهتان والافتراء والتزوير، ومن ذلك:
تزييفُ الصور والمقاطع الصوتية والمرئية، وانتحالُ الشخصيات، وذلك بهدف قلبِ الحقائق ونشرِ المعلومات المضللة، وكذلك المساسُ بالسمعة والأعراض، والإضرارُ بالأبرياء، وتلفيقُ الفتاوى المكذوبة على ألسن العلماء، وإثارةُ الرأي العام وتأجيجُه، ونشرُ البلبلة، وزعزعةُ الثقة، والإضرارُ بالأمن المجتمعي، وإشاعةُ الفتنة وغير ذلك.
وهؤلاء الذين لا يفقهون:
أيريدون أن ينتصروا به على أخلاقنا؟ أم يريدون التفوق به على آدابنا؟
كلا وألف كلا، فشريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وتحتوي على المنهج الصحيح للتعامل مع كل حادث، والاستفادة من كل جديد!
هل قرأتم قصة ذي القرنين مع الذين لا يكادون يفقهون وهم يواجهون خطر يأجوج ومأجوج؟
لقد قدم لهم منهجاً عظيماً للتعامل مع الأخطار، يتلخص في النقاط التالية:
أولاً: وجوب الاعتصام بالله الذي لا مفر أبداً من إحاطته بنا بصرا وسمعا وعلما وخبرا ... فإنه {الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم} وهو الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}
فكم من سعادة سيحصلها من استشعر ذلك!... وكم من توفيق سيناله من أيقن بذلك! {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا}.
وثانيا: أن أسباب السعادة والرقي والتقدم متوفرةٌ ومبذولةٌ ... ومن سنن الله أن علق الحوادث بأسبابها ... فكلُّ من أضاع عمره في استخدام التقنيات على غير وجهها، فقد فوّت من تقدم نفسه ومجتمعه وأمته وبلده بقدر ذلك.
ومن فتح الله له من ذلك سببًا فليبادر بالانتفاع منه.. ولْيتّبِع ذلك السبب {وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا}{ثم أتبع سببا}{ثم أتبع سببا}! ثلاثُ فرص فُتِحت لذي القرنين ما كان له أن يفوتها.
وثالثا: أن استخدام التقنية فيما يرضي الله يحقق سعادة الدنيا وثواب الآخرة، وفي استخدامها فيما يغضبه مما حرم على عباده ذلَّ الدنيا وعذابَ الآخرة.
وهو درس المجازاة: فلا عقاب إلا على سبب، ولا مكافأة إلا لسبب، وفضل الله واسع {أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا}.
ولذا فإن كل ما يكتبه الإنسان أو يقوله أو يعيد نشره داخلٌ فيما يُحاسب عليه، كما قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة، ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب).
ورابعًا: أن من أهم دروس الحياة: إقناعَ الذين يتجاوزن الحدود - قدر المستطاع - بالعودة لجادة الصواب، وإشراكَهم في البناء، وتفويضَ ما يُستطاع من الأعمال إليهم، مع الصبر على أخطائهم والثناء على إحسانهم، وحثهم على العمل وترك الخمول والكسل.
فقد كان بمقدور ذي القرنين أن يبني السدَّ لوحدِهِ ولكنه قال: {أعينوني بقوة}.
وخامسًا: أن على كل مسؤول أيا كان موقعه ... أن يبني ردمًا من المعارف في عقول من هم تحت يده، ملؤها العلم بالله والمعرفة بشؤون الحياة، مع الحب والإقناع ... فإنهم لما طلبوا منه سداً ... بنى لهم ردما.. وهو نوع من أنواع السدود توضع مواده شئيا فشيئا، بعضها فوق بعض، ويصب عليه ما يتغلل بين المسامات ويغلق جميع الفراغات ... تماما كما تُصَبُّ المعارف في العقول فتبنى شيئا فشيئا ... وذاك غاية الإتقان..
بارك الله لي لكم..
الخطبة الثانية:
أما بعد:
ومن دروس خبر ذي القرنين:
سادسا: أن لا هوادة مع أهل الشر والفساد في مواقع التواصل وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن ضررهم يحيط بهم ومَن حولهم، ولما كان يأجوج ومأجوج مفسدين في الأرض؛ أرسل الله ذا القرنين لتلك البلاد ليمنع شرهم من ذاك الوقت وإلى قيام الساعة، وما ذاك إلا لأنه سبحانه لا يحب الفساد.
وسابعًا: أنه لا بد من الالتجاء الدائم إلى الله في كشف زيغ الزائغين ورد عدوان المعتدين، والتبرؤِ من الحول والقوة أمام حول الله وقوته.
فبعد بناء ردم عظيم ... ما اسطاع الأشرار {أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا} يقول بانيه {هذا رحمة من ربي} وله مطلق التصرف فيه {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا}.
وختامًا: فإننا بعد توفيق الله لامتثال هذا المنهج العظيم سننتصر على الممارسات السيئة للتقنيات الجديدة، وسنتفوق على مساوئ الذكاء الاصطناعي العديدة؛ لأننا أمة الإيمان القوي، والخلق العلي، والأدب الشرعي.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]
اللهم اهدنا فيمن هديت...
المرفقات
1778181195_التقنية ومنهج ذي القرنين.pdf
1778181204_التقنية ومنهج ذي القرنين.docx