الجشع

الخطبة الأولى:

إن الْحَمْد للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.. ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون)  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )، وبعد عباد الله:

فقد تشنفت الأسماع في الجمعة الماضية بالوقوف على اسمٍ من أسماء الله الحسنى ( الديان )، والذي ينادي الله به نفسه يوم يُحشر الناس حفاة عراة غرلا بهما فيقول أنا الملك أنا الديان ثم يعطي سبحانه لكل من الناس حقه ولا يظلم ربك أحدا...

قال أبو الدرداء (  البرُّ لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان )

البرُّ لا يبلى خيرا عملته ستجده حاضرا أمامك عند ربك وإن نسيتَه، والإثمُ والخطيئة إن لم تُحدث لها توبة فهي في كتاب لا يَضل ربي ولا ينسى، والديان سبحانه لا يموت رقيب حسيب، فكن كما شئت فكما تدين تدان، كلمة عظيمة جدا كما تدين تدان كما تعامل الناس الديان سبحانه سيعاملك، إذا بررت بوالديك سيسخر الله أولادك ليبرُّوك، تسعى لصلاح أبناء أمتك سيصلح الله ولدك، أمين في نفسك وعملك، سيقيض الله من يحفظ أمرك ويسهل دربك، تسعى لتفريج همِّ كلّ ذي هم، ودين كل ذي دين سيفرج الله همك ويكشف يوماً كربتك، تغضّ طرفك إن رأيت محارم المسلمين سيحفظ الله بناتك ومحارمك من أعين الناس، مِثلاً بمثل وعطاء ربك أكثر وجوده سبحانه أبلغ وأعظم وأجلُّ وأكرم.

اسمعوا لقصة هذا التاجر التي رواها لنا الحبيب  في صحيح البخاري لنعلم كيف يجازي الله الديان عباده

( إنَّ رجلًا لم يعملْ خيرًا قطُّ، وكان يُداينُ الناسَ، فيقولُ لرسولِه: خُذْ ما تيسَّر ، واتركْ ما عَسُرَ و تجاوزْ ، لعل اللهَ يتجاوزُ عنا، فلما هلك قال اللهُ له : هل عملتَ خيرًا قطُّ ؟ قال : لا ، إلا أنه كان لي غلامٌ ، و كنتُ أُدايِنُ الناسَ ، فإذا بعثتُه يتقاضى قلتُ له : خُذْ ما تيسَّرَ ، و اتركْ ما عَسُرَ وتجاوزْ ، لعل اللهَ يتجاوزُ عنا . قال اللهُ تعالى : قد تجاوزتُ عنك..) أدخله الله الجنة مع قلة عمله لأن الله أكرم الأكرمين يُحب من عباده السخاء والكرم والعطاء، يحب أن يرحم بعضهم بعض، يُبغض الفاحش البذيء الجشع اللئيم..

"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" ، "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"(رواه مسلم)... هذه أخلاقنا أهل الإسلام هذه الأخلاق التي ترفع صاحبها في الدرجات العلى من الجنات

وما أهلك الخلقَ غير حبّ النفس والجشع والطمع والمشقة على المسلمين في دينهم وأرزاقهم وسائر حياتهم، يا ويله من يشق على المسلمين يوم يبوء بدعوة الصادق المصدوق    حين قال: ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به )

( اللهم من ولي من أمتي )  كل ولاية صغيرة كانت أو كبيرة فهي داخلة في هذه الدعوة العظيمة من تولى أمراً فشق على المسلمين وضيق عليهم وأضر بهم فهو على خطر كبير ومشقة سيعانيها لا محالة، أما الراحمون وأهل الرفق فمن تولى ولاية فرفق بالناس ورحمهم فبشراه بدعوة الحبيب ( ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به ) .

 

يا عباد الله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، الله عدل وفضله سبحانه سبق عدله، وهو الديان لا شيء يعزب عن علمه، يجازي الجزاء الأوفى إن خيرا فخير وإن كان غير ذلك فلا يلومنَّ العبد إلا نفسه...
(  البر لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان )

 

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقي، ووفقنا لما تحب وترضى

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

الحمد لله المتفرد بالجلال والكمال، وأصلي وأسلم على رسول الله وآله وصحبه خير صحب وآل,, وبعد:

 

روى الطبري في تفسيره أن عيسى -عليه السلام- وصاحب له يهودي مرَّا على كنز قد حفرته السباع والدَّواب، فقال اليهودي: يا نبي الله، لمن هذا المال؟ قال عيسى: دعه، فإن له أهلًا يهلكون عليه، - يعني سيأتيه ناس جشعون يموتون من أجله -  فجعلت نفس اليهودي تتطلع إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فمر بالمال أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه، فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فاشتروا لنا طعامًا وشرابًا ودواباً نحمل عليها هذا المال، فلما انطلقا قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سمًا، فإذا أكلا ماتا، فكان المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم! ففعلا، فسمما الطعام ..

وقال الباقيان عند المال: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعام والدواب بيني وبينك، فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام المسموم فأكلا منه، فماتا، واهلكهم جميعا جشعهم وحرصهم..

 

هذا الجشع والطمع يكرهه الله ويكره أصحابه وقد أمرنا المصطفى فقال: ( واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم )

هذه نفوسنا كلها مطبوعة مجبولة على حب المال وحب الدنيا وحب الأنا، لكن من روَّضها ورباها بتربية القرآن وسنة خير الأنام لَجَمها بلجام الكرم والسخاء والعطاء ..

لما انتهى رسول الله من غزوة الطائف كان معه من الغنائم ما لا عدّ له ولا حصر فكان يأتيه المؤلفة قلوبهم فيعطيهم عطاء من لا يخشى الفاقة، ومن جملة من أعطاهم حكيم بن حزام قال حكيم سألت رسول الله فأعطاني مئة من الغنم ثم سألته فأعطاني مئة ثم سألته الثالثة فأعطاني مئة ثم قال:

( يا حكيم، إنَّ هذا المالَ حُلْوةٌ خضِرةٌ فمَن أخَذه بطِيبِ نفسٍ بورك له فيه ومَن أخَذه بإشرافِ نفسٍ له لم يُبارَكْ له فيه وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يشبَعُ واليدُ العليا خيرٌ مِن اليدِ السُّفلى )

المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنْبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَطلُبَه بغَيرِ ما أحلَّ اللهُ، أو يُنفِقَه في غَيرِ مَرضاتِه، وإنْ أخذه أخذه بطيب نفس إن باع فبسماحه وإن اشترى فبسماحه وإن اقتضى وإن قضى فبسماحة، نفسه طيبة لا حمل إلا الصدق والصفاء والبركة.
«فمَنْ أخَذَه بسَخَاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه» سيكثر الله المال وينميه فهو الله الذي بيده مفاتيح الرزق كلها، وكان رِزْقًا حَلالًا يَشْعُر بِلَذَّتِه، «ومَن أَخَذَه بإشرافِ نَفْسٍ لم يُبَارَكْ له فيه»، يعني: ومَن أَخَذه بجشع وهلع وشدة حرص ونفس طماعة لمْ يَكُنْ له فيه بَرَكةٌ؛

وفي الختام وصية لكل من أنعم الله عليه بتجارة أو مال أو عقار أن يرحم عباد الله فلا يكلفهم فوق طاقتهم، وليكن اعتباره الأول تعامله مع ربه سبحانه فالراحمون يرحمهم الرحمن ومن نفس عن مؤمن نفس الله عنه ومن فرج كربته فرج الله عنه كرباً عظاما، يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ..

( يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ )

 

اللهم إنا نسألك من الخير كله ...........

 

 

 

المرفقات

1768329372_الجشع.docx

المشاهدات 69 | التعليقات 0