الحَجُّ… حِينَ تَرْجِعُ القُلُوبُ إِلَى اللهِ
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ
الحَجُّ… حِينَ تَرْجِعُ القُلُوبُ إِلَى اللهِ
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ بِقَلْبٍ مُشْتَاقٍ، وَنَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللهِ، يُحْيِيهَا بَعْدَ قَسْوَتِهَا، وَيَرُدُّهَا إِلَيْهِ بَعْدَ غَفْلَتِهَا، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ ذُنُوبٍ أَثْقَلَتِ القُلُوبَ، وَحَرَمَتْهَا لَذَّةَ الطَّاعَةِ وَحَلَاوَةَ القُرْبِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ يَغْسِلُونَ فِيهَا أَرْوَاحَهُمْ، وَيُجَدِّدُونَ فِيهَا إِيمَانَهُمْ، وَيَعُودُونَ فِيهَا إِلَيْهِ مُنْكَسِرِينَ مُقْبِلِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، عَلَّمَ الأُمَّةَ مَنَاسِكَهَا، وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ دَاعِيًا خَاشِعًا، وَطَافَ بِالبَيْتِ ذَاكِرًا مُعَظِّمًا، وَقَالَ لِلأُمَّةِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ المُقْبِلَةَ لَيْسَتْ أَيَّامًا عَادِيَّةً؛ إِنَّهَا أَيَّامٌ تَهُزُّ القُلُوبَ المُؤْمِنَةَ، وَتُحَرِّكُ فِيهَا أَشْوَاقَ الحَنِينِ إِلَى اللهِ.
هَا هِيَ قَوَافِلُ الحُجَّاجِ تَتَحَرَّكُ، وَالأَفْئِدَةُ تَشْتَاقُ، وَالعُيُونُ تَرْقُبُ البَيْتَ العَتِيقَ، وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ يَتَمَنَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ الحُجَّاجِ يُلَبِّي، أَوْ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَةَ يَبْكِي، أَوْ بَيْنَ الجُمُوعِ يَرْجُو العِتْقَ وَالمَغْفِرَةَ.
الحَجُّ، عِبَادَ اللهِ، لَيْسَ سَفَرًا بِالأَقْدَامِ فَحَسْب، وَلَا انْتِقَالًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَقَطْ؛ بَلْ هُوَ سَفَرُ القُلُوبِ إِلَى اللهِ.
الحَجُّ نِدَاءٌ لِلغَافِلِ: أَفِقْ.
وَنِدَاءٌ لِلمُذْنِبِ: تُبْ.
وَنِدَاءٌ لِلمُقَصِّرِ: ارْجِعْ.
وَنِدَاءٌ لِلمُؤْمِنِ: ازْدَدْ قُرْبًا وَخُشُوعًا وَتَعْظِيمًا.
الحَجُّ مَشْهَدٌ تَذُوبُ فِيهِ الفَوَارِقُ، وَتَخْشَعُ فِيهِ القُلُوبُ، وَيَقِفُ فِيهِ الغَنِيُّ وَالفَقِيرُ، وَالقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ، وَنِدَاءٍ وَاحِدٍ:
لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.
تَأَمَّلُوا هَذَا النِّدَاءَ العَظِيمَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.
أَيْ: أَجَبْتُكَ يَا رَبِّ.
أَقْبَلْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ.
تَرَكْتُ خَلْفِي دُنْيَايَ وَهَوَايَ وَغَفْلَتِي، وَجِئْتُكَ أَطْلُبُ رِضَاكَ.
وَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ إِذَا سَمِعَ التَّلْبِيَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا بِأُذُنِهِ فَقَطْ، بَلْ يَسْمَعُهَا بِقَلْبِهِ؛ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَأَنَا أَيْضًا أُلَبِّي، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الحُجَّاجِ؛ أُلَبِّي بِتَوْبَتِي، أُلَبِّي بِصَلَاتِي، أُلَبِّي بِقُرْآنِي، أُلَبِّي بِتَرْكِ المَعْصِيَةِ، أُلَبِّي بِرُجُوعِ قَلْبِي إِلَيْكَ.
عِبَادَ اللهِ:
الحَجُّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، وَشَعِيرَةٌ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الدِّينِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى المُسْتَطِيعِ، وَالشَّرِيعَةُ قَائِمَةٌ عَلَى اليُسْرِ وَرَفْعِ الحَرَجِ؛ فَلَا يُكَلِّفُ غَيْرُ المُسْتَطِيعِ نَفْسَهُ مَا لَا يُطِيقُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾،
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾.
فَالدِّينُ يُسْرٌ، وَالطَّاعَةُ بَصِيرَةٌ، وَالعِبَادَةُ لَا تُبْنَى عَلَى التَّهَوُّرِ وَتَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالغَيْرِ لِلضَّرَرِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ أَعْظَمَ مَا فِي الحَجِّ أَنَّهُ يُرَبِّي القَلْبَ عَلَى الإِخْلَاصِ وَالاتِّبَاعِ.
فَلَا حَجَّ مَبْرُورًا بِلَا إِخْلَاصٍ.
وَلَا حَجَّ مَبْرُورًا بِلَا اتِّبَاعٍ.
وَلَا حَجَّ مَبْرُورًا مَعَ أَذَى المُسْلِمِينَ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
فَالحَاجُّ لَا يَتَعَبَّدُ بِهَوَاهُ، وَلَا بِعَادَةِ النَّاسِ، وَلَا بِمَا يَشْتَهِيهِ، بَلْ يَتَعَبَّدُ كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَكَمَا بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ الحَجِّ: الالْتِزَامَ بِتَعْلِيمَاتِ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ المُنَظِّمَةِ لِلحَجِّ، مِنَ الأَجْهِزَةِ الأَمْنِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ وَالخَدَمِيَّةِ، فَهَذِهِ التَّعْلِيمَاتُ مَوْضُوعَةٌ لِحِفْظِ الأَنْفُسِ، وَتَيْسِيرِ النُّسُكِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَمَنْعِ الفَوْضَى.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: عَدَمُ أَدَاءِ الحَجِّ دُونَ تَصْرِيحٍ نِظَامِيٍّ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ وَلِيِّ الأَمْرِ، وَالإِضْرَارِ بِالحُجَّاجِ، وَتَعْرِيضِ النُّفُوسِ لِلخَطَرِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
فَلَيْسَ مِنَ البِرِّ أَنْ يُؤْذِيَ الإِنْسَانُ غَيْرَهُ بِاسْمِ العِبَادَةِ، وَلَا مِنَ التَّقْوَى أَنْ يُخَالِفَ التَّنْظِيمَ الَّذِي وُضِعَ لِحِفْظِ النَّاسِ وَتَيْسِيرِ حَجِّهِمْ.
الحَجُّ سَكِينَةٌ، لَا فَوْضَى.
الحَجُّ رِفْقٌ، لَا مُزَاحَمَة.
الحَجُّ عِبَادَةٌ، لَا إِضْرَار.
الحَجُّ اتِّبَاعٌ، لَا عَجَلَةٌ وَلَا مُخَالَفَة.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّتِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ».
فَيَا مَنْ أَكْرَمَكَ اللهُ بِالحَجِّ:
كُنْ سَاكِنًا فِي حَرَكَتِكَ، رَفِيقًا فِي زِحَامِكَ، صَبُورًا فِي انْتِظَارِكَ، حَسَنَ الخُلُقِ فِي نُسُكِكَ؛ فَالمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
وَيَا مَنْ لَمْ يُكْتَبْ لَكَ الحَجُّ هَذَا العَامَ:
لَا تَكُنْ بَعِيدًا عَنِ المَوْسِمِ بِقَلْبِكَ.
إِذَا رَأَيْتَ الحُجَّاجَ فِي الشَّاشَاتِ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ نَظَرَ المُتَفَرِّجِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَيْهِمْ نَظَرَ المُشْتَاقِ المُتَذَكِّرِ.
إِذَا رَأَيْتَهُمْ بِثِيَابِ الإِحْرَامِ، فَتَذَكَّرْ يَوْمًا تُجَرَّدُ فِيهِ مِنْ ثِيَابِكَ، وَتُحْمَلُ إِلَى قَبْرِكَ، وَلَا يَدْخُلُ مَعَكَ إِلَّا عَمَلُكَ.
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، فَاسْأَلْ نَفْسَكَ: حَوْلَ مَاذَا يَطُوفُ قَلْبِي؟
أَحَوْلَ رِضَا اللهِ؟
أَمْ حَوْلَ شَهْوَةٍ أَسَرَتْهُ؟
أَمْ حَوْلَ دُنْيَا أَنْسَتْهُ آخِرَتَهُ؟
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي عَرَفَاتٍ، فَتَذَكَّرِ المَوْقِفَ الأَكْبَرَ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
وَإِذَا سَمِعْتَ التَّلْبِيَةَ، فَقُلْ: يَا رَبِّ، إِنْ لَمْ أَبْلُغْ بَيْتَكَ، فَبَلِّغْنِي رِضَاكَ.
وَإِنْ لَمْ أَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَأَقِمْنِي عَلَى بَابِ تَوْبَتِكَ.
وَإِنْ لَمْ أَرْمِ الجَمَرَاتِ، فَأَعِنِّي أَنْ أَرْمِيَ شَيْطَانِي وَهَوَايَ وَغَفْلَتِي.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
الحَجُّ يَقُولُ لَنَا جَمِيعًا: عُودُوا إِلَى اللهِ.
عُودُوا قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ البَابُ.
عُودُوا قَبْلَ أَنْ تَنْقَطِعَ الأَنْفَاسُ.
عُودُوا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فَلَا يُرْجَعُ.
فَيَا مَنْ أَتْعَبَتْهُ الذُّنُوبُ: تُبْ.
وَيَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الغَفْلَةُ: ارْجِعْ.
وَيَا مَنْ هَجَرَ القُرْآنَ: افْتَحْ مُصْحَفَكَ.
وَيَا مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ: عُدْ إِلَى صَفِّكَ.
وَيَا مَنْ قَسَا قَلْبُهُ: اسْقِهِ بِالدَّمْعِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
فَاللهُ كَرِيمٌ، وَبَابُهُ مَفْتُوحٌ، وَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ، وَمَوَاسِمُهُ فُرَصٌ لِمَنْ صَدَقَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ رَحْمَةٍ، وَأَيَّامَ فَضْلٍ، وَنَفَحَاتِ خَيْرٍ، يَسْتَدْرِكُ فِيهَا المُقَصِّرُونَ، وَيَزْدَادُ فِيهَا المُحْسِنُونَ، وَتَرْجِعُ فِيهَا القُلُوبُ إِلَى رَبِّهَا رَجَاءً وَخَوْفًا وَمَحَبَّةً.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُضَاعِفُ الحَسَنَاتِ، وَيَغْفِرُ الزَّلَّاتِ، وَيُقِيلُ العَثَرَاتِ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعْظَمُ النَّاسِ اغْتِنَامًا لِمَوَاسِمِ الخَيْرِ، وَأَكْمَلُهُمْ عُبُودِيَّةً لِرَبِّهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّنَا مُقْبِلُونَ عَلَى أَفْضَلِ أَيَّامِ الدُّنْيَا: عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ.
أَيَّامٌ أَقْسَمَ اللهُ بِهَا فَقَالَ:
﴿وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
أَيَّامٌ اجْتَمَعَتْ فِيهَا أُمَّهَاتُ العِبَادَاتِ: الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالحَجُّ، وَالذِّكْرُ، وَالتَّكْبِيرُ.
أَيَّامٌ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ العَمَلِ فِي غَيْرِهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟
قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
فَانْظُرُوا، رَحِمَكُمُ اللهُ، إِلَى عِظَمِ هَذَا الفَضْلِ: عَمَلُكَ الصَّالِحُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ.
وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ العَمَلَ، بَارَكَهُ.
وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ العَمَلَ، ضَاعَفَهُ.
وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ العَمَلَ، رَفَعَ بِهِ صَاحِبَهُ.
عِبَادَ اللهِ:
الأَعْمَالُ تَعْظُمُ بِعِظَمِ مَا فِي القَلْبِ مِنَ الإِخْلَاصِ، وَتَتَفَاضَلُ بِشَرَفِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ.
فَكَمَا أَنَّ لِلمَكَانِ فَضْلًا، فَلِلزَّمَانِ فَضْلٌ.
وَكَمَا أَنَّ العِبَادَةَ فِي المَسَاجِدِ لَهَا شَرَفٌ، فَالعِبَادَةُ فِي الأَزْمِنَةِ الفَاضِلَةِ لَهَا شَرَفٌ وَمَزِيَّةٌ.
فَلَا تَجْعَلُوا العَشْرَ تَمُرُّ كَغَيْرِهَا.
لَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ العَشْرُ وَقَلْبُكَ كَمَا هُوَ.
لَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ العَشْرُ وَصَلَاتُكَ كَمَا هِيَ.
لَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ العَشْرُ وَقُرْآنُكَ مَهْجُورٌ.
لَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ العَشْرُ وَأَنْتَ تُؤَجِّلُ التَّوْبَةَ وَتُسَوِّفُ الرُّجُوعَ.
قُلْ مِنَ الآنَ: يَا رَبِّ، هَذِهِ عَشْرِي، فَاجْعَلْهَا بِدَايَةَ صُلْحٍ مَعَكَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
اجْعَلُوا لَكُمْ فِي هَذِهِ العَشْرِ أَهْدَافًا صَادِقَةً.
أَوَّلُهَا: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ.
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَدْخُلَ العَشْرَ وَقَدْ عَزَمْتَ أَنْ تُغْلِقَ بَابَ مَعْصِيَةٍ، وَأَنْ تَهْجُرَ ذَنْبًا، وَأَنْ تَرْجِعَ إِلَى رَبِّكَ رُجُوعًا جَمِيلًا.
ثَانِيهَا: المُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ.
لَا سِيَّمَا صَلَاةُ الفَجْرِ؛ فَمَنْ أَرَادَ بَرَكَةَ العَشْرِ، فَلْيَبْدَأْ يَوْمَهُ مَعَ اللهِ.
ثَالِثُهَا: القُرْآنُ.
اجْعَلْ لَكَ هَدَفًا أَنْ تَخْتِمَ القُرْآنَ فِي هَذِهِ العَشْرِ.
وَلَيْسَ الأَمْرُ مُسْتَحِيلًا؛ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ فِي اليَوْمِ، تُقَسِّمُهَا بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، وَبَعْدَ الفَجْرِ، وَقَبْلَ النَّوْمِ.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلَا يَعْجَزْ عَنْ جُزْءٍ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ سُورَةٍ يَتَدَبَّرُهَا، أَوْ وِرْدٍ ثَابِتٍ لَا يَتْرُكُهُ؛ فَالمُهِمُّ أَلَّا تَمُرَّ العَشْرُ وَالقُرْآنُ غَرِيبٌ فِي بَيْتِكَ.
رَابِعُهَا: الصِّيَامُ.
فَالصِّيَامُ مِنْ أَجَلِّ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ فَضْلِ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي العَشْرِ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ:
«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الحِجَّةِ».
وَأَعْظَمُهَا تَأْكِيدًا لِغَيْرِ الحَاجِّ: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
خَامِسُهَا: الذِّكْرُ وَالتَّكْبِيرُ.
فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، وَأَحْيُوا هَذِهِ السُّنَّةَ فِي بُيُوتِكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ.
قُولُوا:
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ.
سَادِسُهَا: الصَّدَقَةُ وَالإِحْسَانُ.
ابْحَثْ عَنْ فَقِيرٍ تُسْعِدُهُ، أَوْ مَدِينٍ تُفَرِّجُ عَنْهُ، أَوْ مَشْرُوعِ خَيْرٍ تُسَاهِمُ فِيهِ، أَوْ مُحْتَاجٍ تَقِفُ مَعَهُ.
سَابِعُهَا: بِرُّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ.
رُبَّ اتِّصَالٍ بِوَالِدٍ أَوْ وَالِدَةٍ يَكُونُ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ.
وَرُبَّ رَحِمٍ مَقْطُوعَةٍ تَصِلُهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، فَيَفْتَحُ اللهُ لَكَ بِهَا أَبْوَابًا مِنَ البَرَكَةِ.
ثَامِنُهَا: حِفْظُ اللِّسَانِ وَحُسْنُ الخُلُقِ.
فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ يُكَبِّرُ اللهَ أَنْ يَغْتَابَ عِبَادَ اللهِ.
وَلَا يَلِيقُ بِمَنْ يَرْجُو المَغْفِرَةَ أَنْ يُؤْذِيَ أَوْ يَظْلِمَ أَوْ يَخْصِمَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
عِبَادَ اللهِ:
وَمَنْ كَتَبَ اللهُ لَهُ الحَجَّ، فَلْيَأْخُذْ بِالأَسْبَابِ الصِّحِّيَّةِ وَالوِقَائِيَّةِ؛ فَحِفْظُ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
فَلْيَأْخُذِ اللِّقَاحَاتِ المَوْصَى بِهَا، وَلْيَتَجَنَّبِ التَّعَرُّضَ المُبَاشِرَ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى شُرْبِ المَاءِ، وَلْيَلْتَزِمِ الإِرْشَادَاتِ الصِّحِّيَّةَ الصَّادِرَةَ مِنَ الجِهَاتِ المُخْتَصَّةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
يقول تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ العَظِيمَةِ عَلَيْنَا مَا نَرَاهُ فِي هَذِهِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ مِنْ خِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَالعِنَايَةِ بِضُيُوفِ الرَّحْمَنِ؛ أَمْنٌ، وَسَكِينَةٌ، وَتَنْظِيمٌ، وَخِدْمَاتٌ تَتَطَوَّرُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ.
فَلَا يَأْلَفِ الإِنْسَانُ النِّعْمَةَ حَتَّى يَنْسَى شُكْرَهَا، بَلْ اشْكُرُوا اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ».
فَنَشْكُرُ اللهَ أَوَّلًا، ثُمَّ نَشْكُرُ وُلَاةَ أَمْرِنَا خادم الحرمين وولي عهده، وَرِجَالَ الأَمْنِ، وَالعَامِلِينَ عَلَى خِدْمَةِ الحُجَّاجِ؛ عَلَى مَا يُبْذَلُ مِنْ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ فِي تَيْسِيرِ حَجِّ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَيَكُونُ شُكْرُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ وَالحِفْظِ وَالتَّمْكِينِ، ثُمَّ بِالتَّعَاوُنِ مَعَهُمْ وَالالْتِزَامِ بِالتَّعْلِيمَاتِ وَالتَّنْظِيمَاتِ.
عِبَادَ اللهِ:
وَإِذَا كَانَ الحَجُّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِاتِّبَاعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِهِ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّهُ، وَنُعَظِّمَ سُنَّتَهُ، وَنُكْثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ الأُمَّةَ مَنَاسِكَهَا، وَدَلَّهَا عَلَى رَبِّهَا، وَقَالَ فِي حَجَّتِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحْمَةِ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِلحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، وَتَقَبَّلْ مِنْهُمْ نُسُكَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ مَغْفُورًا لَهُمْ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَسَدِّدْهُمْ وَاحْفَظْهُمْ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى خِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ وَضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَاجْزِهِمْ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَأَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا الأَمْنَ وَالإِيمَانَ وَالرَّخَاءَ وَالاسْتِقْرَارَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ رِجَالَ الأَمْنِ، وَالأَطِبَّاءَ، وَالمُرْشِدِينَ، وَالعَامِلِينَ، وَكُلَّ مَنْ قَامَ عَلَى خِدْمَةِ الحُجَّاجِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَزِيَارَةَ مَسْجِدِ نَبِيِّكَ ﷺ، فِي عَافِيَةٍ وَيُسْرٍ وَقَبُولٍ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى اغْتِنَامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَاجْعَلْهَا أَيَّامَ تَوْبَةٍ وَقُرْآنٍ وَذِكْرٍ وَصِيَامٍ وَصَلَاحٍ.
اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الغَفْلَةِ، وَرُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ التَّائِبِينَ المُسْتَقِيمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَزَكِّ نُفُوسَنَا، وَتَقَبَّلْ أَعْمَالَنَا.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هُمُومَنَا، وَاقْضِ حَوَائِجَنَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْزُقْنَا العَافِيَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.