الخوف من الله تعالى
عبدالرحمن سليمان المصري
الخوف من الله تعالى
الخطبة الأولى
الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين ، قال تعالى: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .
عباد الله : القلب هو أشرف الأعضاء ، وهو موضع نظر الرب جل في علاه ، وهو محل الإيمان والعرفان ، وأعمال الجوارح تابعة له ومبنية عليه، وقد علق النبي صلى الله عليه وسلم إيمان العبد باستقامة قلبه ، فقال: " لا يستقيم إيمان عبد ، حتى يستقيم قلبه " رواه أحمد وحسنه الألباني.
واستقامة القلب: بتوحيد الله تعالى وتعظيمه ، ومحبته وخوفه ورجائه ، ومحبة طاعته وبغض معصيته .
وإن من مقامات الإيمان العظيمة ، ومنازل السائرين الجليلة ، منزلة الخوف من الله تعالى ، والخوف المحمود : ما حث على الطاعة والعمل، ومنع من المعصية والزلل ، فإذا زاد الخوف عن القدر المحمود ؛ صار يأسا وقنوطا من رحمة لله، وذلك من الكبائر.
فالله خلق الخلق ليعبدوه ، ونصب لهم الأدلة على عظمته وكبريائه ؛ ليهابوه ويخافوه ، ووصف لهم شدة عذابه؛ ليتقوه ، ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ الحجر:49-50.
وقد جعل الله سبحانه خوفه ؛ شرطا لصحة الإيمان ، قال تعالى:﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾آل عمران:175 .
عباد الله : وكلما كان العبد أقرب إلى ربه، كان أشد له خشية ، وقد وصف الله الملائكة بقوله: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ النحل: 50 ، وقال صلى الله عليه وسلم: " إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله " رواه الترمذي وحسنه الألباني.
ووصف الله أنبياءه عليهم السلام بقوله: ﴿ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ﴾ الأحزاب: 39.
وكلما ازداد العبد معرفة بالله بأسمائه وصفاته ؛ كلما ازداد خشية له ، قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ فاطر: 28، والخشية خوف مقرون بمعرفة ، قال صلى الله عليه وسلم: " فوالله إني أعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية " رواه البخاري.
وقد جعل خوفه سبحانه من أخص صفات المتقين ، وأوليائه المحسنين، قال تعالى: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي انقادوا لأمره ، وخضعوا لذكره ، خوفا منه وفرقا من عذابه.
وكان نبينا ﷺ شديد الخوف من الله ، عظيم الخشية له، مع ما خصه الله من الخصائص والفضائل والهبات ، فكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه ، وكان إذا صلى ، له أزيز كأزيز المرجل من البكاء .
وقد بلغ سلفنا الصالح ، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، مبلغا عظيما من الخوف والخشية والإخبات ، و هو الذي أوصلهم إلى تلك الأحوال الشريفة، من شدة الاجتهاد في الطاعات، ومجانبة المحرمات:
فهذا الصديق رضي الله عنه ؛ كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله ، وكان كثير البكاء ، وكان يمسك لسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وهذا الفاروق عمر رضي الله عنه ؛ سمع قارئا يقرأ سورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿ إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع ﴾ ، بكى واشتد بكاؤه، وقال: قسم ورب الكعبة حق ، فمكث طويلا حتى عاده الناس ، لا يدرون ما مرضه .
وروي عنه أنه قال: لو نادى مناد من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلا واحدا، لخفت أن أكون أنا هو.
وهذا ذو النورين عثمان رضي الله عنه ؛ كان إذا وقف على القبر بكى حتى يبل لحيته، ويقول: القبر أول منازل الآخرة. وهذا علي رضي الله عنه ؛ كان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يبكي بكاء الحزين، وكان يقول: آه من قلة الزاد ، وبعد السفر، ووحشة الطريق.
عباد الله: هذه شواهد من مخاوف القوم ، مع ما خصهم الله تعالى به من الرضا والغفران، وتبشيرهم بالجنان ، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ، فطوبى لقلوب خشعت، ولعيون من خشية الله دمعت ، فسارت على درب السلف ، وأمنت يوم الخوف والوجف.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
عباد الله: إن كل عبادة يتقرب بها العبد إلى الله ، يجب أن تقام على ثلاثة أركان قلبية وهي: الحب والرجاء والخوف ، فالله جل وعلا، يعبد حبا فيه ورجاء لثوابه وخوفا من عقابه ، وأما من عبد الله بالخوف فقط فهو حروري خارجي، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق، ومن عبده بالمحبة والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد، قال تعالى﴿ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ﴾ الإسراء: 57 ، ويستحب تغليب الخوف مع حال الحياة والصحة ، وتغليب الرجاء وحسن الظن في حال الاحتضار.
عباد الله: خوف المولى جل وعلا ؛ أصل الفلاح ، ومفتاح الصلاح ، به تطيب الحياة، وترجى النجاة بعد الممات ،وما من قلب جف فيه خوف الله ؛ إلا غدا قاعا صفصفا، وخرابا مجحفا ، فبالخوف يصحو القلب من رقدته، ويستفيق من غفلته، فيلين لآيات القرآن، وينتفع بنذر الإيمان ، قال تعالى: ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى ﴾طه:2-3 .
إن الخوف إذا سكن القلب أثر في الجوارح ، فيثمر عملا صالحا، وقولا حسنا، وسلوكا قويما، وفعلا كريما، فتخشع الجوارح، وينكسر الفؤاد ، ويرق القلب ، وتزكو النفس ، وتجود العين.
عباد الله: ومن ثمرات الخوف من الله عز وجل ؛ أنه يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه، ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ﴾ الإنسان: 9- 10.
وهو من أعظم أسباب الاستقامة على الدين ، ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ النور: 37.
عباد الله: الخوف من الله عز وجل؛ يعصم صاحبه عن الكبائر والموبقات، قال تعالى حكاية عن ابني آدم: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ﴾المائدة: 28.
الخوف من الله عز وجل؛ يمحو الأوزار، ويقي من حر النار، ﴿إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ والخائفين من الله عز وجل ؛ من السبعة الذين يستظلون في ظل العرش ، و " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله ، حتى يعود اللبن في الضرع " و " عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ".
والخائفين من الله فازوا بالجنان ، ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ الرحمن:46، وبسبب خوفهم وخشيتهم نالوا رضا الرحمن ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴾البينة.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1777580072_الخوف من الله تعالى2.docx
1777580073_الخوف من الله تعالى2.pdf