الدموع الغالية 14/11/1447

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/11/19 - 2026/05/06 07:13AM

الحمد لله خلق فسوى وقدر فهدى ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له يعلم السر وأخفى ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف من خاف واتقى  ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهديه اهتدى ، وبسيرته اقتدى وسلم تسليما

أما بعد : فياعباد الله ـ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

فجع الحارث بن حبيب الباهلي بمقتل أبنائه الثمانية في يوم واحد فثبت قلبه وسكن لسانه وبينما هو كذلك رأى رجلا يبكي بحرقة على شاة أكلها الذئب ينوح عليها فنظر إليه الحارث بعين الفقد ومد له ناقة من إبله وقال كلمته التي بقيت دهرا : خذ ناقة ودع البكاء لأهله

إن الدموع الراقية ليست بالضرورة مظهرا من مظاهر الضعف والنقص بل هي علامة على صدق الإحساس ويقظة القلب وقوة العاطفة ، يوم أن يكون هذا البكاء منضبطا بالصبر محفوفا بالرضا واليقين ، وإن دموع المؤمن رحمة تترجم عن قلب رحيم ونفس رقيقة وروح شفافة متعلقة بالله ووجدان يمتليء حبا وخشية وشوقا إلى الله ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا )

إن الدموع ماء العيون فهي غالية ولاتنهمر إلا في المقامات العالية .. عرف قدرها أهل الهمم الراقية .. جرت من عيون قوم أسفا على فوات طاعة (ولا على الذين إذا مأاتوا لتحملهم .. ) وسكبها قوم تأثرا بكتاب الله ( وإذا سمعوا ماأنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع .. ) ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) جرت دموع أبي بكر وعمر شوقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في موقفهما مع أم ايمن ، سالت دموع أبي بن كعب فرحا وغبطة حينما قال له صلى الله عليه وسلم  إن الله أمرني أن أقرئك القرآن ، فقال : آلله سماني لك قال : نعم : قال : وقد ذكرت عند رب العالمين ؟ قال : نعم فذرفت عيناه

إنها الدموع الغالية ، فما أتفه إنساناَ تنهمر دموعه من أجل فريق أو حزنا على هلاك صفيقة أو صفيق

إنها الدموع الغالية ذرفها قدوة البشر وأسوتهم صلى الله عليه وسلم في محلها ، وترقرقت دموعه في محاجرها

حينما مات جده عبدالمطلب جلس عليه السلام عند سريره يبكي حزنا عليه وكان عمره ثماني سنين

بكى عليه السلام في الصلاة ، ودموعه شاهدة بتعظيمه ربه وتوقيره لمولاه ، وهيبته من جلاله فعن عبدالله بن الشخير قال: "رأيت رسول الله يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء"، وفي رواية: "وفي صدره أزيز كأزيز المرجل"  

وعن علي قال: "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح

بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسمع القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ، عن عبدالله بن مسعود قال: ((قال لي رسول الله: اقرأ عليَّ القرآن، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت النساء، حتى إذا بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ رفعتُ رأسي - أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي - فرأيتُ دموعه تسيل))

سالت دموع المصطفى صلى الله عليه وسلم على شفا القبور تذكرا لهذا المصير العظيم

عن أبي هريرة قال: زار النبي قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذِن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت))

وفاءٌ لا يُنسى، ورحمةٌ لا تنقطع، وحنين قلبٍ لم تُطفئه السنين.

 

 وعن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: ((يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا))

سالت دموع المصطفى رحمة ورقة وعاطفة وهو يودع فلذات أكباده ، وإن لفراق الأولاد لألما ، وإن لفقدهم للوعة ، وإن لرحيلهم لحزنا وكمدا

عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول الله على أبي سيف القين، وكان ظِئرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله إبراهيم، فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا ابن عوف، إنها رحمة))، ثم أتبعها بأخرى، فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخذ النبي بنتًا له تقضي، فاحتضنها، فوضعها بين ثدييه، فماتت وهي بين ثدييه، فصاحت أم أيمن، فقيل: أتبكين عند رسول الله؟ قالت: ألستُ أراك تبكي يا رسول الله؟ قال: ((لستُ أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل)

بكى صلى الله عليه وسلم شفقة ورحمة بأصحابه فحينما زار سعد بن عبادة في مرضه وجده في غشية، فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا، يارسول الله، فبكى رسول الله، فلما رأى القوم بكاء رسول الله، بكوا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم ، وبكى حينما رأى عمه حمزة صريعا في أحد قد مثل به ، وبكى حينما نعى قواده في مؤته وذرفت عيناه ودخل على زوجة جعفر أسماء بنت عميس فقال لها ائتيني ببني جعفر فلما جاءت بهم أخذهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبلهم وهو يبكي ويقول: «أتخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة

وبكى النبي الرحيم وذرفت عيناه رحمة بأمته وشفقة عليها فحينما تلا قول الله في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وقول عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ رفع يديه، وقال: اللهم أُمتي أمتي، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسلْهُ: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنُرضيك في أمتك ولا نسوؤك)

هكذا كانت الدموع الغالية لاتسيل إلا في المواقف العظيمة عند فراق الأحباب وعند هجر الأوطان وعند عبادة الديان والخوف من الرحمن

هكذا هي الدموع الغالية لاتنهمر إلا تعبيرا عن عاطفة بشرية ومواقف إنسانية ورحمة فطرية ، وطمعا في ثواب وخوفا من عقاب وشوقا إلى رب الأرباب ، فما أسوأ الإنسان تسيل دموعه وماء عينيه في التوافه والسفاسف ، وإنما سعيكم لشتى وبئس قوما ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا

أقول هذا القول ...

 

الخطبة الثانية ... أما بعد :

فإذا كانت الدموع غالية فماأجدر أن نجعلها فيما يرفع وينفع ويشفع فطوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته

هنيئا لمن ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، فاستحق الظل الظليل في اليوم الثقيل الطويل

هنيئا لمن جعل دموعه حجابا له من النار فعينان لاتمسهما النار : عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله

دموعك تقربك إلى الله تعالى وتجعلك في زمرة المنعم عليهم مصداقا لقول الله: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا

دموعك تجعلك من المحبوبين المقربين لله تعالى ففي الحديث: “ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران، فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله”

دموعك تدخلك على الله من باب الخاشعين ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا

دموع الخلوات من خشية الله هي الدموع التي تستمطر بها رحمة الله وكرمه وجنته ، فكن ممن إذا ذكروه في خلواتهم ذرفت عيونهم وكن ممن إذا تليت عليهم آياته وجلت قلوبهم ، وكن ممن إذا تذكروا رؤية ربهم ولقاء نبيهم انهمرت دموعهم حبا وشوقا

قد فَقَدْنا البكاءَ مِن خشية الله، وغاب عنَّا هذا السمت البُكائي وندر، حتى صار يُقال: إنَّ فلانًا يبكي، وحتى صار منَ المُسْتَغْرَب أن تجدَ مَن يخشع في الموعظة، وحتى صار صَفّ الملتزمينَ في الصلاة أشَحَّ بالدَّمع منَ الصَّخر، إنَّ هذا كلَّه مؤذنٌ بِخَلل خطيرٍ، ومُنذر بشرٍّ وَبِيل.  فمتى دمعت عيناك خوفا وطمعا وشوقا وحبا ، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، ومن لم تدمع عينه اليوم رغبا ورهبا فستدمع عيونه غدا حسرة وندما

دموعكم غالية فلاتذرفوها إلا في مكانها ، ولتكن دموعكم سبيلا إلى مرضاة ربكم ورفعة درجاتكم ، وطريقا لتخفيف أحزانكم والتعبير عن صدق مشاعركم ، والله يعلم الصادقين من الكاذبين

اللهم صل وسلم ...

المرفقات

1778040783_الدموع الغالية.doc

المشاهدات 213 | التعليقات 0