الذكاء الاصطناعي
أحمد بن عبدالله الحزيمي
الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الوَاحِدِ الأَكْرَمِ، العَلِيِّ الأَعْظَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، جَعَلَ العِلْمَ نُورًا فِي غَيَاهِبِ الجَهْلِ، وَسُلَّمًا لِلِارْتِقَاءِ وَالفَهْمِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
كُلُّ العَجَائِبِ صَنْعَةُ العَقْلِ الَّذِي *** هُوَ صَنْعَةُ اللَّهِ الَّذِي سَوَّاكَا
مَا أَكْثَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْنَا أيها المؤمنون، وَمَا أَعْظَمَ فَضْلَهُ عَلَيْنَا! نِعَمٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، مِنْهَا مَا نَرَاهُ وَنَعِيشُهُ، وَمِنْهَا مَا يَغِيبُ عَنْ إِدْرَاكِنَا، وَتَتَجَدَّدُ هَذِهِ النِّعَمُ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْهَا بِقُدْرَتِهِ مَا يُدْهِشُ مَنْ شَهِدَهَا وَعَايَشَهَا، فَيَسْتَعْمِلُهَا وَيَسْتَفِيدُ مِنْهَا وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا، مَعَ عَجْزِهِ عَنْ تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرًا كَامِلًا.
أَجْهِزَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ وَوَسَائِلُ وَبَرَامِجُ، لَوْ خَرَجَ بَعْضُ مَنْ عَاشُوا قَبْلَ سِنِينَ وَرَأَوْهَا، لَظَنُّوا أَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ التَّخْيِيلِ، أَوْ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ وَالأَبَاطِيلِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي هَذَا العَصْرِ: نِعْمَةُ التَّعْلِيمِ وَالتِّقْنِيَّةِ، الَّتِي بَاتَتْ جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ حَيَاتِنَا، وَضَرُورَةً حَتْمِيَّةً فِي مُعَامَلَاتِنَا، كَمَا أَنَّهَا أَضْفَتْ عَلَى حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ مَزِيدًا مِنَ الرَّاحَةِ، وَجُمْلَةً مِنَ النِّعَمِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا اسْتِشْعَارُهَا، وَالتَّحَدُّثُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: 9].
فَإِذَا أَنْجَزْنَا مُعَامَلَةً إِلِكْتُرُونِيَّةً وَنَحْنُ جُلُوسٌ فِي بُيُوتِنَا بِضَغْطَةِ زِرٍّ، فَهَلَّا اسْتَشْعَرْنَا تِلْكَ النِّعْمَةَ؟ وَإِذَا أَنْهَيْنَا المَهَامَّ الوَظِيفِيَّةَ، وَالوَاجِبَاتِ الدِّرَاسِيَّةَ، وَالمَسَائِلَ البَحْثِيَّةَ، فِي غُرَفِنَا المُكَيَّفَةِ وَخَلْفَ أَبْوَابِنَا المُغْلَقَةِ، هَلَّا تَحَدَّثْنَا بِتِلْكَ النِّعَمِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 239].
عِبَادَ اللَّهِ:
وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ تِقْنِيَةُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَالذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ هُوَ: بَرَامِجُ تُوجَدُ فِي الجَوَّالَاتِ وَالحَاسِبَاتِ وَالشَّبَكَاتِ، هُيِّئَتْ لِتُخَاطِبَ الإِنْسَانَ وَكَأَنَّهَا شَخْصٌ آخَرُ، لَهُ عَقْلٌ وَتَفْكِيرٌ وَتَدْبِيرٌ، وَلِذَا فَهِيَ تُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَتِهِ، وَتَكْتُبُ لَهُ مَا يَطْلُبُهُ، أَوْ تُكْمِلُ لَهُ مَا يُمْلِي عَلَيْهَا بَعْضَهُ، وَكَأَنَّمَا قَدْ شَارَكَتْهُ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ، وَتَرْسُمُ لَهُ مَا يَتَخَيَّلُ، وَتُخَطِّطُ مَا قَدْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَصَوُّرُهُ، وَتَحُلُّ لَهُ مَسَائِلَ عَوِيصَةً وَمُشْكِلَاتٍ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَاتٍ، بَلْ وَقَدْ تُخَاطِبُهُ بِالصَّوْتِ كَمَا يُخَاطِبُهُ إِنْسَانٌ آخَرُ، وَتَتَحَدَّثُ وَتَنْطِقُ بِشَتَّى اللُّغَاتِ، وَمُخْتَلَفِ اللَّهَجَاتِ، وَإِنَّهَا لَنِعْمَةٌ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَنْ عَلَّمَهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى بَالٍ، وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا شُكْرُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَنْ نَسْتَعْمِلَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفِيمَا يَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنْ نُسَخِّرَ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى دِينِهِ، وَتَطْوِيرِ مَجَالَاتِ الطِّبِّ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالإِدَارَةِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يَخْدِمُ مَجَالَاتِ حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ.
وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ، فَإِنَّ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَخْدِمُ التِّقْنِيَّةَ الحَدِيثَةَ فِي الفَسَادِ وَالبَاطِلِ، وَيَجْعَلُهَا مِعْوَلَ هَدْمٍ وَلَيْسَ أَدَاةَ بِنَاءٍ وَتَوَاصُلٍ، وَلَعَلَّ مِنَ الأُمُورِ الخَطِيرَةِ عَلَى دِينِ وَعَقِيدَةِ المُسْلِمِ: عِنْدَمَا يُسْأَلُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ عَنِ أُمُورِ الغَيْبِ الخَافِيَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فَمَا الفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى كَاهِنٍ أَوْ عَرَّافٍ فَتَسْأَلَهُ عَنِ الغَيْبِ، وَبَيْنَ أَنْ تَسْأَلَ هَذِهِ البَرَامِجَ عَنْ أُمُورٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عَالِمُ الغَيْبِ؟ فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ سُؤَالٍ دُونَ تَصْدِيقٍ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، فَإِنْ صَدَّقَهُ فِيمَا قَالَهُ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَاحْذَرْ طَرْحَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالغَيْبِ مِنْ مَسَائِلَ، فَمَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
وَمِنْهَا اسْتِفْتَاءُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي مَسَائِلِ الفِقْهِ وَأَحْكَامِ الدِّينِ، فَيَأْتِي بِمَا خُزِّنَ فِيهِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَدِلَّةٍ مِنْ كَلَامِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وَالمُتَأَخِّرَةِ، دُونَ نَظَرٍ فِي القَرَائِنِ كَحَالِ المُسْتَفْتِي، وَالمَذْهَبِ الفِقْهِيِّ، وَالمَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ المُعْتَبَرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِسُؤَالِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ العِلْمِ يَنْظُرُونَ فِي السُّؤَالِ مِنْ جَمِيعِ الجَوَانِبِ، ثُمَّ يُفْتُونَ السَّائِلَ بِالقَوْلِ الرَّاجِحِ المُنَاسِبِ، وَأَمَّا أَنْ تُطْرَحَ الأَجْوِبَةُ هَكَذَا جُزَافًا مِنْ غَيْرِ زِمَامٍ وَلَا خِطَامٍ، ثُمَّ يَحْتَارَ السَّائِلُ فِي أَمْرِ دِينِهِ: هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ؟ فَهَذَا بِلَا شَكٍّ خَلَلٌ وَاضِحٌ.
وَمِنْ جَرَائِمِ اسْتِخْدَامَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ اسْتِخْدَامُهُ فِي نَشْرِ الكَذِبِ، وَالبُهْتَانِ، وَرَمْيِ أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَالِافْتِرَاءِ عَلَى الأَبْرِيَاءِ بِتَغْيِيرِ الأَصْوَاتِ، وَتَرْكِيبِ المَقَاطِعِ القَبِيحَةِ، فَهَذَا مِنَ الشَّرِّ المُسْتَطِيرِ، وَكَذَلِكَ انْتِحَالُ الشَّخْصِيَّاتِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ إِسَاءَةُ اسْتِخْدَامِ تِلْكَ التِّقْنِيَّاتِ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى الكَذِبِ عَلَى العُلَمَاءِ وَطَلَبَةِ العِلْمِ، بِتَلْفِيقِ الفَتَاوَى المَكْذُوبَةِ، وَالآرَاءِ الشَّاذَّةِ لِكِبَارِ العُلَمَاءِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَنْشُرُونَ هَذَا الإِفْكَ بَيْنَ النَّاسِ فِي صُورَةِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَكَذَلِكَ عَمَلُ الدِّعَايَاتِ المُضَلِّلَةِ وَالتِّجَارِيَّةِ بِصُوَرٍ وَأَشْخَاصٍ مُنْتَحَلَةٍ، فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ عَظَائِمِ الأُمُورِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وَمِنْ جَرَائِمِ هَذَا العِلْمِ أَنْ يُوَظَّفَ فِي صِنَاعَةِ الفِتَنِ، وَنَشْرِ الفُجُورِ، وَالتَّجَسُّسِ، وَتَزْيِيفِ الأَخْبَارِ، وَالتَّضْلِيلِ الفِكْرِيِّ وَالعَقَدِيِّ، وَنَشْرِ الِانْحِلَالِ الخُلُقِيِّ، وَالشُّذُوذِ الجِنْسِيِّ، وَنَشْرِ الأَفْكَارِ الخَطِيرَةِ فِيمَا يَمَسُّ عَقِيدَةَ المُسْلِمِ، وَهَذِهِ اسْتِخْدَامَاتٌ فَاسِدَةٌ يَجِبُ أَنْ نَسْتَنْكِرَهَا، وَنُحَذِّرَ مِنْهَا أَشَدَّ الحَذَرِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَعَلَيْنَا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ نُحْسِنَ اسْتِخْدَامَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَنْ نُوَجِّهَ أَبْنَاءَنَا وَطُلَّابَنَا وَمَنْ حَوْلَنَا إِلَى اسْتِثْمَارِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِيمَا يَنْفَعُ، وَأَنْ نَحْذَرَ مِنْ تَصْدِيقِ مَا يُنْشَرُ وَيُذَاعُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِيَقِينٍ الصَّحِيحُ مِنْهُ وَالبَاطِلُ، فَمَنْ صَدَّقَ كُلَّ مَا يُنْشَرُ وَقَالَهُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الكَذِبِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
عبَادَ اللَّهِ: لَا بُدَّ أَنْ نَعْلَمَ جَيِّدًا أَنَّ الإِنْسَانَ مُحَاسَبٌ أَمَامَ اللَّهِ عَلَى مَا يَقُولُ وَيَكْتُبُ، بَلْ وَعَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ أَوْ يُعْجَبُ بِهِ، أَوْ يُعِيدُ إِرْسَالَهُ، فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا تَهْوِي بِهِ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَكَمْ مِنْ مُشَارَكَةٍ أَوْ إِعَادَةِ نَشْرٍ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الفِتَنِ، أَوْ تُؤْذِي عِبَادَ اللَّهِ، أَوْ تُرَوِّجُ لِبَاطِلٍ أَوْ مُنْكَرٍ.
فَلَا تَجْعَلُوا هَذِهِ الوَسَائِلَ العَظِيمَةَ بَابًا لِلتَّسْلِيَةِ العَابِرَةِ، أَوْ لَهْوًا يُضَيِّعُ الأَعْمَارَ، بَلِ اجْعَلُوهَا سُبُلًا لِلْخَيْرِ، وَمَنَابِرَ لِلْعِلْمِ، وَوَسَائِلَ لِلدَّعْوَةِ وَالبِنَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ، فَإِنَّنَا سَنُسْأَلُ عَنْ أَعْيُنِنَا، وَآذَانِنَا، وَأَلْسِنَتِنَا، وَأَجْهِزَتِنَا، وَكُلِّ مَا بِأَيْدِينَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا العِلْمَ رَحْمَةً لَنَا، وَلَا تَجْعَلْهُ فِتْنَةً عَلَيْنَا، ارْزُقْنَا حُسْنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَقُوَّةً فِي البَصِيرَةِ، وَثَبَاتًا فِي الدِّينِ.
أَقُولُ هَذَا القَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى آلَائِهِ المُتَتَابِعَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ:
فَإِذَا انْبَهَرَ العَالَمُ وَانْدَهَشَ بِهَذِهِ الثَّوْرَةِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا مَثِيلٌ، فَكَيْفَ بِالعَقْلِ البَشَرِيِّ الَّذِي اخْتَرَعَهَا وَلَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إِلَّا القَلِيلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فَأَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالِانْبِهَارِ وَالإِعْجَابِ: صُنْعُ البَشَرِ أَمْ صُنْعُ رَبِّ الأَرْبَابِ؟
فَمَا هَذِهِ المُخْتَرَعَاتُ وَالتِّقْنِيَّاتُ، وَإِنْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتْ، إِلَّا جُزْءٌ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَسَخَّرَهُ لِهَذَا الإِنْسَانِ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ، وَآيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى إِتْقَانِ صُنْعِهِ، وَبَدِيعِ خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى الحَقُّ وَقَوْلُهُ الحَقُّ، وَمَا عِلْمُ الإِنْسَانِ، وَإِنْ زَادَ، فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ، إِلَّا كَنُقْطَةٍ صَغِيرَةٍ فِي بَحْرٍ خِضَمٍّ لُجِّيٍّ.
وَبَعْدُ يَا عَبْدَ اللَّهِ: إِنَّ خَلْوَتَكَ بِهَذِهِ الشَّاشَاتِ هِيَ عَيْنُ الِابْتِلَاءِ، فَإِمَّا أَنْ تَصْدُقَ مَعَ اللَّهِ فتغضَّ بصرك فتنجوَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِلَّ فَتَكُونَ عَلَيْكَ شُهُودٌ يَوْمَ القِيَامَةِ: سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَجِلْدُكَ، وَالأَرْضُ، وَالمَلَائِكَةُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ.
تَدَبَّرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
فَإِنَّهَا لَحْظَةُ صِدْقٍ: أَتَخْشَى اللَّهَ وَحْدَهُ، أَمْ يَغْلِبُكَ الهَوَى؟
صَلُّوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنا نعمة الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ، وَالِاسْتِقْرَارَ وَالِاطْمِئْنَانَ، اللهم احْفَظْ أَمْنَنَا وَإيْمَانَنَا وَجُنُودَنَا وَحُدُوْدَنَا، وَمُقَدَّسَاتِنا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الحُسْنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَنْ تَرُدَّ كَيْدَ الظَّالِمِينَ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَنْ تَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، ونَجِّنَا مِنْ بَيْنِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، اللهم وَفِّقْ ولي أمرناِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَانْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا يَا رَبَّنَا وَلَوالِدِينَا وَأَصْلَحِ لَنَّا ذَرَّيَاتِنَا وَأَهَالِينَا، وَأَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المرفقات
1778106025_الذكاء الاصطناعي....docx
1778106045_الذكاء الاصطناعي....pdf